في كرة القدم، لا تُقاس قيمة الإدارة بما تقوله بعد الخسارة، بل بما تفعله قبل المباراة التي لا تحتمل الخسارة. وحين يخرج المريخ السوداني من دوري أبطال أفريقيا للمرة الرابعة توالياً من الأدوار التمهيدية، فإن الاعتذار للجماهير يصبح واجباً، لكن الأهم منه هو الإجابة عن السؤال الذي يتكرر مع كل إخفاق: لماذا يعود المريخ إلى النقطة نفسها، رغم تغيّر اللاعبين والمدربين وتجدّد الوعود؟
بيان مجلس تسيير نادي المريخ الصادر في 26 أكتوبر، والذي أقر فيه بتحمل المسؤولية الكاملة عن المرحلة ونتائجها، يمثل اعترافاً بأحقية الجماهير في الغضب، ويؤكد أن المجلس سيجري تقييماً شاملاً قبل اتخاذ القرارات اللازمة. كما ثمّن البيان جهود اللواء إبراهيم طه في إدارة ملف كرة القدم، وأشار إلى أن النتائج ترتبط بمنظومة متكاملة، لا بفرد واحد.
هذه لغة إدارية تبدو منطقية، فالمسؤولية في نادٍ بحجم المريخ لا يمكن اختزالها في لاعب أهدر ركلة ترجيح، أو مدرب أخفق في إدارة مباراة، أو إداري تولى ملفاً بعينه. لكن الاعتراف بالمسؤولية يظل بداية الطريق، وليس نهايته. فالجماهير لا تنتظر بياناً آخر يشرح حجم الجهد المبذول، وإنما تريد أن ترى أثر هذا الجهد في الملعب، وأن تعرف ما الذي سيتغير حتى لا يتحول الخروج الأفريقي إلى مشهد سنوي مألوف.
المريخ فاز في مباراة الإياب أمام حوريا كوناكري الغيني بهدف دون مقابل، فعادل نتيجة المواجهتين، قبل أن تحسم ركلات الترجيح التأهل لمصلحة الفريق الغيني. وهذه التفاصيل تفرض قراءة متوازنة؛ فالمباراة لم تكن خالية من المحاولات، لكن الفريق لم يحسم فرصته في الوقت الأصلي، وبقي مصيره معلقاً حتى ركلات الترجيح.
هنا تبدأ المحاسبة الفنية الحقيقية. هل اختيرت العناصر المناسبة؟ هل كان الفريق جاهزاً للتعامل مع مباراة بهذا الحجم؟ هل استُثمرت الفرص المتاحة؟ وهل امتلك الجهاز الفني البدائل والخطط التي تساعده على تغيير إيقاع اللعب عندما تتعقد المواجهة؟ هذه أسئلة لا تجيب عنها عبارات الاعتذار، بل مراجعة فنية صريحة تُحدد مواضع الخلل، وتفرق بين الخطأ العابر والمشكلة المتكررة.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن تتحول المحاسبة إلى بحث عن ضحية واحدة. تغيير المدرب، إن تقرر، قد يكون جزءاً من الحل، لكنه لن يكون كافياً إذا بقيت طريقة إدارة ملف كرة القدم كما هي، واستمرت التعاقدات من دون رؤية فنية واضحة، وظلت القرارات تُتخذ تحت ضغط النتائج وردود أفعال الجماهير. كما أن إعفاء الجهاز الفني من كل مسؤولية باسم الظروف الاستثنائية لا يخدم النادي، لأن الظروف تفسر بعض الصعوبات، لكنها لا تلغي ضرورة الاستعداد والتخطيط.
أما النتيجة المتوقعة من تحمل المسؤولية، فينبغي أن تكون واضحة: تقييم معلن في خطوطه العامة، وقرارات محددة، ومعايير لقياس النجاح، ومحاسبة على التنفيذ. على المجلس أن يوضح ما إذا كانت المشكلة في الجهاز الفني أو التعاقدات أو الإعداد أو إدارة المنافسة، وأن يضع خطة تعيد بناء الفريق على أساس الاستقرار والجودة، لا على أساس رد الفعل.
فالمريخ لا يحتاج إلى وعود باستعادة الأمجاد بقدر ما يحتاج إلى مشروع يعيد إليه القدرة على المنافسة. وتحتاج جماهيره إلى أن تعرف أن صوتها مسموع، وأن النقد لن يُقابل بالدفاع عن الأشخاص، بل بإصلاح العمل. فالوفاء للنادي لا يعني تبرير الإخفاق، كما أن الغضب عليه لا يعني هدم كل شيء دون تمييز.
**تحمّل المسؤولية ليس أن تقول الإدارة: أخفقنا؛ بل أن تثبت أنها تعلّمت من الإخفاق، وأن تمنع تكراره.**
وإذا انتهى تقييم المجلس إلى قرارات تعالج جذور الأزمة، فسيكون الخروج الأفريقي بداية لتصحيح المسار. أما إذا اقتصر الأمر على تغييرات شكلية وبيانات جديدة، فإن الجماهير ستجد نفسها في الموسم المقبل أمام الأسئلة ذاتها، وربما النتيجة ذاتها.
المريخ أكبر من الأشخاص، وأكبر من موسم عابر، لكن تاريخه وحده لا يصنع مستقبله. ما يصنعه هو إدارة تعرف أن الثقة تُكتسب بالإنجاز، وأن جماهير الزعيم لا تطالب بالمستحيل؛ إنها تطالب بفريق ينافس بجدية، وإدارة تواجه الحقيقة، وخطة تجعل الاعتذار الأخير مختلفاً عن كل الاعتذارات السابقة.