صدى الحقيقة

من «أسلحة الدمار الشامل في العراق» إلى «السلاح الكيميائي في السودان».. أين الضحايا وأين الدليل؟!

من «أسلحة الدمار الشامل في العراق» إلى «السلاح الكيميائي في السودان».. أين الضحايا وأين الدليل؟!
تقارير
11 Sep 2026 👁 61
صدى الحقيقة - تقرير خاص
شارك الخبر:

عقوبات أمريكية جديدة، اتهامات باستخدام الكلور، وتقارير تتحدث عن «أدلة» على استخدام سلاح كيميائي في محيط مصفاة الجيلي، لكن سؤالاً أساسياً ما زال مطروحاً: إذا كان الكلور قد استُخدم كسلاح ضد مليشيا الدعم السريع المتمردة، فأين الآثار الطبية على من تعرضوا له؟ وهل ظهرت حالات تسمم موثقة في صفوف المليشيا أو جنود القوات المسلحة السودانية أو المدنيين في المنطقة؟.

الجدل حول الأسلحة الكيميائية في السودان دخل مرحلة جديدة، بعدما انتقلت الرواية الأمريكية من إعلان سياسي عام في مايو 2025 إلى ظهور تقارير وتحقيقات صحفية خلال 2025 و2026 تتحدث عن معلومات ووثائق وصور ومقاطع فيديو واتصالات معترضة، وتربط استخدام الكلور بالقوات المسلحة السودانية خلال الفترة بين يوليو 2024 ويناير 2025.

وتقول أحدث التحقيقات المنشورة إن من بين الوقائع التي يجري الاستناد إليها هجومين في محيط "مصفاة الجيلي" في سبتمبر 2024، عندما كانت المنطقة تحت سيطرة مليشيا الدعم السريع المتمردة.

لكن انتقال القضية من مجرد «اتهام أمريكي» إلى الحديث عن «أدلة» لا ينهي الأسئلة، بل يجعل بعضها أكثر إلحاحاً.

مصفاة الجيلي.. هل وجود الكلور فيها دليل على سلاح كيميائي؟

هنا تظهر نقطة تستحق التحقيق بعيداً عن الاصطفاف السياسي. فمصفاة الجيلي ليست منطقة سكنية عادية، وإنما منشأة نفطية ضخمة ذات عمليات صناعية معقدة، والمصفاة تعد الأكبر في السودان بطاقة تصميمية تصل إلى نحو 100 ألف برميل يومياً.

والمنشآت الصناعية ومحطات المياه المرتبطة بها تستخدم مواد كيميائية متعددة لأغراض التشغيل ومعالجة المياه والتعقيم ومكافحة نمو الكائنات الدقيقة.

ولهذا فإن العثور على أسطوانات أو براميل تحتوي على الكلور بالقرب من منشأة صناعية لا يثبت وحده أنها كانت معدة كسلاح.

وهنا تحديداً يجب أن ينتقل التحقيق من سؤال:

«هل كان هناك كلور؟»

إلى أسئلة أكثر أهمية:

من أين جاءت المادة؟ ومن نقلها؟ وأين كانت مخصصة للاستخدام؟ وكيف وصلت إلى موقع الهجوم؟ وهل جرى تفريغها بالطريقة التي تجعلها سلاحاً؟ وهل ظهرت آثار بيولوجية وطبية متوافقة مع التعرض لغاز الكلور؟

ماذا تقول التحقيقات عن مصدر الكلور؟

صورة داخل التقرير

تحقيق أجرته «فرانس 24» في نوفمبر 2025 قال إن براميل الكلور التي ظهرت في وقائع سبتمبر 2024 يمكن تتبعها إلى شحنة استوردت إلى السودان، وإن الشركة الموردة قالت إن الغرض المعلن للمادة كان "معالجة مياه الشرب".

وفي رواية أحدث نشرتها وسائل إعلام دولية، قيل إن بعض الكلور المستخدم في العمليات المزعومة جرى الحصول عليه من مخزون مخصص لمعالجة المياه.

وهذه المعلومة، لا تثبت وحدها استخدامه كسلاح.

السؤال الأصعب: أين آثار الضحايا؟

الكلور غاز سام ومهيج بشدة للجهاز التنفسي والعينين والجلد. والتعرض الكبير له يمكن أن يؤدي إلى السعال الشديد، الاختناق، ألم الصدر، إصابات رئوية حادة، وفي الحالات الشديدة الوفاة.

وفي الهجمات الكيميائية الموثقة في مناطق أخرى من العالم، ظهرت عادةً مؤشرات طبية وبيئية يمكن للخبراء الاستناد إليها، مثل أنماط إصابات تنفسية متزامنة، وأعراض حادة لدى مجموعات من الأشخاص، ومواد متبقية في موقع الحادث، إلى جانب شهادات الضحايا والكوادر الطبية.

لكن في حالة "مصفاة الجيلي" تحديداً، تبرز فجوة مهمة.

فالمصادر التي راجعناها بشأن الوقائع المزعومة في سبتمبر 2024 "لا تقدم سجلاً طبياً مستقلاً يثبت وجود موجة إصابات بالكلور بين عناصر مليشيا الدعم السريع المتمردة الذين كانوا داخل المنطقة، أو بين جنود القوات المسلحة السودانية، أو بين المدنيين القريبين من موقع الحادث".

والأهم أن التحقيقات الصحفية التي تناولت الواقعة قالت إن الهجمات المزعومة "لم تسفر عن وفيات معروفة". وهذا يثبت أن الكلور لم يستخدم.

وذلك يعني أن "الدليل الطبي على استخدامه كسلاح، وهو عنصر بالغ الأهمية في أي تحقيق كيميائي، ليس ظاهراً في المصادر العلنية بالوضوح نفسه الذي تظهر به الصور والمقاطع والوثائق التي تتحدث عنها التحقيقات الصحفية".

أين الإصابات التي نتوقعها من هجوم بالكلور؟

إذا كان الهدف من إطلاق الكلور هو التأثير على قوة عسكرية موجودة في موقع محدد، فإن من الأسئلة التي ينبغي أن يجيب عنها التحقيق:

* كم شخصاً تعرض للغاز؟

* كم منهم أصيب بضيق التنفس أو السعال أو تهيج العينين؟

* هل نُقل مصابون إلى مستشفيات أو نقاط طبية؟

* هل سجل الأطباء أعراضاً متوافقة مع التعرض للكلور؟

* هل توجد سجلات طبية أو عينات بيئية؟

* هل ظهرت إصابات متزامنة في اتجاه حركة الرياح؟

* هل تأثرت مناطق مدنية قريبة؟

* هل أصيب جنود من القوة التي نفذت الهجوم بالغاز نفسه؟

* وهل توجد عينات مستقلة من موقع الحادث؟

هذه الأسئلة ليست محاولة لنفي الاتهام، وإنما هي "الأسئلة الطبيعية في أي تحقيق مهني حول أي سلاح كيميائي".

ماذا عن الجنود السودانيين؟

صورة داخل التقرير

هناك سؤال آخر لم يحظَ بما يكفي من الاهتمام:

إذا كانت القوات المسلحة السودانية قد استخدمت الكلور في محيط الجيلي، وكان الهدف مليشيا الدعم السريع المتمردة، فهل تعرض أي من القوات المهاجمة أو الطواقم الجوية أو القوات التي تقدمت لاحقاً إلى الموقع للغاز؟ هذه ليست مسألة تفصيلية.

فالكلور لا يميز بين «صديق» و«عدو» إذا تغير اتجاه الرياح أو حدث خطأ في التقدير.

وبالتالي فإن "السجلات الطبية للقوات المشاركة في العملية، وتقارير الإسعاف العسكري، وشهادات الأطباء، ستكون ذات قيمة كبيرة في تقييم الرواية".

لكن حتى الآن، لا تظهر في المصادر العلنية التي راجعها التقرير معلومات طبية مستقلة من هذا النوع.

وماذا عن سكان المنطقة؟

السؤال نفسه ينطبق على السكان.

إذا أُطلق غاز الكلور في منطقة مفتوحة قرب منشأة صناعية، فمن المهم معرفة اتجاه الرياح والمدة التي بقي فيها الغاز في الجو ومدى وصوله إلى المناطق السكنية.

والأهم: هل سجلت المراكز الصحية في المناطق المحيطة في ذلك اليوم حالات غير اعتيادية من الاختناق أو إصابات الجهاز التنفسي؟

حتى كتابة التقرير، لم نعثر على دراسة وبائية أو تقرير طبي مستقل يثبت وجود نمط من الإصابات بين سكان المنطقة يمكن ربطه بشكل قاطع بالكلور في أحداث سبتمبر 2024.

ولكن ظهرت أدلة أخرى.. فماذا تعني؟

في 2025 قالت «فرانس 24» إن لديها أدلة، بينها مقاطع فيديو وتحليلات خبراء ومعلومات عن البراميل، على استخدام الكلور في حادثتين حول الجيلي في سبتمبر 2024. كما قالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن هذه النتائج قدمت أول عناصر علنية تعزز الاتهامات الأمريكية.

وفي سبتمبر 2026 ظهرت تقارير جديدة قالت إن صحيفتي «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» اطلعتا على ملف يضم مذكرات وصوراً ومقاطع فيديو واتصالات معترضة، وخلصت تقاريرهما إلى وجود أدلة أكثر تفصيلاً على برنامج لاستخدام الكلور كسلاح خلال فترة أطول.

وهذه تطورات لا يمكن تجاهلها، لكنها في الوقت نفسه "ليست بديلاً عن تحقيق ميداني مستقل تجريه منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أو جهة دولية ذات اختصاص، مع فحص العينات وسلسلة حيازة الأدلة والاستماع إلى الشهود وفحص السجلات الطبية".

ماذا قالت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية؟

صورة داخل التقرير

السودان دولة طرف في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية هي الجهة الدولية المتخصصة في تنفيذ الاتفاقية والتحقيق في حالات الاستخدام المزعوم.

والأهم أن السودان أعلن في يوليو 2026 استعداده للتعاون مع المنظمة في التحقق من الاتهامات الأمريكية.

وهنا قد يكون مفتاح القضية، بدلاً من أن تبقى المسألة محصورة بين:

"واشنطن تقول إن الجيش استخدم الكيميائي" و"الخرطوم تقول إن الاتهام سياسي"، فإن الطريق الأكثر وضوحاً هو:

"دعوا الخبراء الدوليين يفحصون الأدلة".

لا للمساواة بين الجيش والمليشيا

في هذا السياق يجب أيضاً تصحيح لغة بعض التقارير الدولية التي تتحدث عن «طرفي النزاع» بطريقة قد توحي بالمساواة بينهما.

فالقوات المسلحة السودانية هي المؤسسة العسكرية الرسمية للدولة، بينما مليشيا الدعم السريع قوة مسلحة متمردة دخلت في مواجهة مع الدولة.

وهذا التمييز لا يعني إعفاء أي فرد من أفراد القوات المسلحة من المسؤولية إذا ثبت ارتكابه جريمة، كما لا يعني أن الانتهاكات التي ارتكبتها المليشيا تصبح أقل خطورة.

لكن "المحاسبة على الانتهاكات شيء، والمساواة بين مؤسسة الدولة ومليشيا متمردة في الصفة القانونية والسياسية شيء آخر".

السؤال الأخطر: ماذا عن الدعم الخارجي للمليشيا؟

إذا كانت واشنطن والمجتمع الدولي يريدان التعامل مع مصادر استمرار الحرب، فإن ملف الدعم الخارجي لمليشيا الدعم السريع المتمردة لا يمكن وضعه على هامش المشهد، فالمعلومات التي يحتويها أقوى في مصداقيتها من اتهام الجيش بالسلاح الكيميائي.

فقد ظهرت تقارير وتحقيقات دولية متعددة عن شبكات إمداد وتمويل وتسليح للمليشيا، كما تحدثت تقارير أممية حديثة عن تدفق أسلحة وطائرات مسيرة وأفراد وخبرات إلى المليشيا برعاية الإمارات ومشاركة دول عديدة في الإقليم.

وهذا الملف يجب أن يعالج بذات الجدية، ولكن من دون استخدامه ذريعة لنفي أو إثبات قضية الأسلحة الكيميائية، "فكل ملف يؤخذ بأدلته الخاصة الموثوقة".

من «أسلحة الدمار الشامل في العراق» إلى «السلاح الكيميائي في السودان».. الدرس الأهم!!

تجربة العراق جعلت العالم أكثر حساسية تجاه استخدام المعلومات الاستخباراتية لتبرير إجراءات سياسية وعسكرية كبرى.

والدرس الحقيقي من ذلك هو أن "الدليل يجب أن يسبق الحكم".

فإذا كانت هناك براميل كلور، فيجب تحديد مصدرها ومسارها.

وإذا كانت هناك هجمات كيميائية، فيجب تحديد مواقعها وأوقاتها.

وإذا كان هناك ضحايا، فيجب أن تظهر آثار ذلك في السجلات الطبية والشهادات والأدلة الجنائية.

وإذا لم تكن هناك إصابات أو وفيات، فيجب أن يفسر التحقيق لماذا لم تظهر، إذا كان التعرض قد وقع بالفعل.

وإذا كانت هناك وثائق واتصالات وصور، فيجب نشرها وإخضاعها للتحقق المستقل.

الخلاصة..

حتى الآن "لم نجد توثيقاً طبياً مستقلاً منشوراً يثبت إصابات جماعية أو وفيات ناجمة عن الكلور بين عناصر مليشيا الدعم السريع المتمردة أو جنود القوات المسلحة السودانية أو سكان المنطقة في محيط منطقة مصفاة الجيلي".

وهنا تحديداً تكمن أهمية التحقيق الدولي. حتى لا تتحول "مادة كيميائية صناعية إلى أساس لعقوبات دولية من دون أن يحصل الرأي العام على صورة واضحة عن الضحايا والأدلة الطبية وسلسلة حيازة العينات"، فذلك يترك مساحة واسعة من الشك السياسي، ويعيد إلى الذاكرة سؤالاً قديماً ما زال العالم يدفع ثمنه:

"هل كانت الأدلة هي التي قادت إلى القرار.. أم أن القرار السياسي أوجد الأدلة؟.

المصدر: صدى الحقيقة