صدى الحقيقة

من دماء المعدّنين إلى رصاص الانتقام.. حين يدفع الأبرياء ثمن الغضب

المقداد عمر صالح
المقداد عمر صالح
✍️ هموم وطن
13 Oct 2026 • 👁 3
شارك الخبر:

ليست المأساة في أن يُقتل سوداني وهو يبحث عن الذهب في أقصى الشمال، ولا أن يُقتل مصري يعمل ويقيم في الخرطوم؛ المأساة الأكبر أن تتحول الدماء إلى وقود لغضب جديد، وأن يصبح المدنيون أهدافاً في معارك لا يملكون قرارها.

ما حدث للمعدّنين السودانيين قرب الحدود المصرية، وما أعقبه من مقتل مواطنين مصريين وإصابة ثالث في الخرطوم، يضع البلدين أمام لحظة لا تحتمل المزايدات ولا الصمت. فالتقارير تحدثت عن سقوط عشرات القتلى في مواقع التعدين، وسط اتهامات بشأن الجهة التي نفذت الغارات، بينما أعلنت السلطات السودانية تشكيل لجنة لتقصي الحقائق. وفي الخرطوم، فتحت واقعة إطلاق النار باباً خطيراً بعدما ارتبطت دوافع الجاني، وفق تقارير صحفية، بالرغبة في الانتقام لمقتل شقيقه.

لكن، أيُّ عدالة تلك التي تُطلب بقتل بريء؟ وأيُّ حق يُسترد حين يتحول إنسان لا علاقة له بالحادثة إلى ضحية جديدة؟

إن كان المعدّنون قد قُتلوا داخل الأراضي السودانية، فإن دماءهم تستحق تحقيقاً شفافاً يحدد المسؤولية، ويكشف الحقائق للرأي العام، ويضمن ألا تضيع القضية وسط الحسابات السياسية والأمنية. وإن كانت هناك تجاوزات على الحدود أو أنشطة تعدين غير قانونية، فمعالجتها تكون بالقانون والتنسيق بين الدول، لا باستباحة الأرواح. فمخالفة القانون، إن ثبتت، لا تمنح أحداً رخصة لإعدام الناس خارج القضاء.

وبالمثل، فإن المصريين الذين يعيشون ويعملون في السودان ليسوا مسؤولين عن قرارات الحكومات ولا عن العمليات العسكرية. استهدافهم انتقاماً لمقتل سودانيين لا يحقق العدالة، بل يضاعف المأساة، ويمنح الكراهية فرصة لتسميم علاقة شعبين جمعتهما الجغرافيا والتاريخ والمصالح والروابط الإنسانية.

السودان، الذي أنهكته الحرب، لا يحتمل أن تُفتح داخله جبهة أخرى من الثأر الأهلي أو العداء للأجانب. ومصر والسودان، مهما اختلفت الحكومات أو تعقدت الملفات الحدودية، بحاجة إلى إدارة الخلافات بالعقل والحقائق، لا بترك الغضب يقود الشارع ويحدد من يستحق الحياة.

المطلوب اليوم ليس بيانات تعزية عابرة، ولا وعوداً بالتحقيق تنتهي بانتهاء الضجيج. المطلوب نتائج معلنة، ومحاسبة عادلة، وحماية للمدنيين، وإجراءات واضحة تمنع تكرار الاعتداءات، سواء وقعت في مناطق التعدين أو داخل المدن.

فالعدالة لا تعني أن نضيف ضحية إلى ضحية، والكرامة الوطنية لا تُصان بالانتقام من الأبرياء. من حق السودانيين أن يعرفوا من قتل أبناءهم، ومن حق المصريين أن يعيشوا آمنين، ومن واجب الدولتين أن تمنعا تحول المأساة إلى فتنة.

حين تسقط الدماء، لا يكفي أن نسأل من التالي؛ علينا أن نسأل: كيف نوقف السلسلة قبل أن يصبح الانتقام جريمةً أخرى، ثم نبحث له عن مبرر؟

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.