من أزمة الحكم البرلماني وتسليم السلطة للجيش في 1958، إلى انتفاضة الطلاب والنقابات والعصيان المدني الذي أنهى حكم الفريق إبراهيم عبود.. قصة ثورة غيّرت التاريخ السياسي السوداني، وأثبتت قدرة الشارع على إسقاط الأنظمة، لكنها تركت أسئلة جوهرية حول استدامة الديمقراطية وبناء الدولة دون إجابات نهائية.
مقدمة: من أزمة الحكم إلى الثورة على العسكر
عندما نال السودان استقلاله في الأول من يناير 1956، اتجهت الأنظار إلى بناء دولة مستقلة تقوم على المؤسسات الدستورية والتداول السلمي للسلطة. غير أن التجربة الديمقراطية الأولى واجهت سريعاً صراعات حزبية وأزمات حكومية وخلافات بشأن إدارة الدولة، في ظل مؤسسات حديثة العهد بالاستقلال لم تكن قد اكتسبت المناعة الكافية لحماية النظام الدستوري من التدخل العسكري.
وفي 17 نوفمبر 1958، تولى الجيش بقيادة الفريق إبراهيم عبود السلطة، منهياً التجربة البرلمانية التي كانت تقودها حكومة عبد الله خليل، زعيم حزب الأمة ورئيس الوزراء ووزير الدفاع آنذاك.
وظلت ملابسات ذلك الانقلاب موضع نقاش تاريخي، خصوصاً ما يتعلق بدور عبد الله خليل في وصول الجيش إلى الحكم. فقد نسبت روايات وشهادات عسكرية إليه تشجيع القيادة العسكرية على التدخل، بينما نفى في إفادته أمام لجنة التحقيق القضائية أن يكون قد دبّر الانقلاب أو اتفق على تنفيذه. وتكشف هذه التباينات عن ضرورة التمييز بين الوقائع الموثقة والتفسيرات المختلفة لمسؤولية الأطراف المدنية والعسكرية.
لكن النتيجة كانت واضحة: دخل السودان مرحلة حكم عسكري استمرت نحو ست سنوات، حُظرت خلالها الأحزاب، وتراجعت الحريات السياسية، وتعرض النشاط النقابي والمعارضة المدنية للقيود، فيما تعمقت أزمة جنوب السودان واتسعت التحديات الاقتصادية والاجتماعية.
وفي أكتوبر 1964، انفجرت الأزمة المتراكمة. بدأت الأحداث في جامعة الخرطوم، عقب مواجهة بين الطلاب والسلطات انتهت بمقتل الطالب أحمد القرشي طه، ثم اتسعت الاحتجاجات لتشمل النقابات والمهنيين والعمال والموظفين والقوى السياسية. ومع تصاعد الإضراب السياسي والعصيان المدني، وجد النظام نفسه أمام أزمة شرعية تجاوزت قدرته على الاحتواء.
وبحلول نهاية الشهر، تراجعت القيادة العسكرية عن مواصلة الحكم المباشر، وبدأ الانتقال إلى حكومة مدنية برئاسة سر الختم الخليفة، فاتحاً الطريق أمام استعادة المؤسسات الدستورية وإجراء الانتخابات عام 1965.
لم تكن ثورة أكتوبر مجرد احتجاج على مقتل طالب أو رفض لحكم عسكري؛ بل كانت تعبيراً عن أزمة سياسية واجتماعية أعمق، وأصبحت واحدة من أبرز محطات المقاومة الشعبية في تاريخ السودان الحديث، ومرجعاً استلهمت منه انتفاضتا أبريل 1985 وديسمبر 2018 أشكالاً من التنظيم المدني والإضراب والعصيان.
المراجع الأساسية: يوسف فضل حسن، «The Sudanese Revolution of October 1964»، مجلة The Journal of Modern African Studies، 1967؛ وأحمد إبراهيم أبوشوك، دراسته عن التحقيق القضائي في انقلاب 1958، المنشورة في «سودانايل».
السودان بعد الاستقلال.. أزمة الديمقراطية الأولى

حكومة عبد الله خليل والانقسام السياسي
شهد السودان انتخابات الحكم الذاتي عام 1953، ثم أعلن استقلاله في يناير 1956. وبعد استقالة إسماعيل الأزهري من رئاسة الحكومة في يوليو من العام نفسه، تولى عبد الله خليل رئاسة الوزراء، وقاد حكومة ائتلافية بين حزب الأمة وحزب الشعب الديمقراطي.
غير أن الائتلاف لم يتمكن من تجاوز التنافس الحزبي والخلافات بشأن السياسات الاقتصادية والعلاقات الخارجية وإدارة الدولة. كما واجهت الحكومة صعوبات في الحفاظ على تماسكها البرلماني، في وقت كانت فيه الأعراف الديمقراطية لا تزال في طور التكوين.
وفي ظل هذه الأوضاع، أصبحت الأزمة السياسية مدخلًا لتدخل المؤسسة العسكرية، التي قدمت نفسها باعتبارها بديلاً قادراً على إنهاء النزاعات الحزبية وتحقيق الاستقرار.
لكن ضعف الأداء السياسي، مهما بلغت حدته، لم يكن يفرض بالضرورة اللجوء إلى الجيش؛ فقد كانت الخيارات الدستورية، مثل إعادة تشكيل الحكومة أو الاحتكام إلى البرلمان والانتخابات، قائمة من حيث المبدأ.
هل سلّم عبد الله خليل السلطة للجيش؟
تُعد هذه المسألة من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ السودان الحديث.
تذهب روايات تاريخية إلى أن عبد الله خليل، في ظل تفاقم الأزمة السياسية، أبدى استعداداً لتولي الجيش السلطة أو مهّد الطريق أمام تدخله. وتستند بعض هذه الروايات إلى شهادات منسوبة إلى الفريق إبراهيم عبود واللواء أحمد عبد الوهاب، تناولتها التحقيقات التي أعقبت ثورة أكتوبر.
في المقابل، نفى خليل أمام لجنة التحقيق القضائية أن يكون قد دبّر الانقلاب أو اتفق مع العسكريين على تنفيذه. وأشار في إفادته إلى معلومات عن احتمال تحرك الجيش، وإلى أنه لم يتخذ إجراءات لمواجهته خشية وقوع صدام مسلح.
وتكمن أهمية هذه القضية في أنها تكشف جانباً من العلاقة الملتبسة بين بعض القوى المدنية والمؤسسة العسكرية، حين تنظر أطراف سياسية إلى الجيش بوصفه وسيلة للخروج من المأزق السياسي، دون تقدير كامل للعواقب التي قد تترتب على نقل السلطة إليه.
والصياغة الأكثر دقة تاريخياً هي أن عبد الله خليل كان طرفاً محورياً في الأزمة التي سبقت انقلاب 17 نوفمبر 1958، وأن مصادر نسبت إليه دوراً في تهيئة الظروف لتدخل الجيش، بينما بقيت تفاصيل مسؤوليته وطبيعة اتصالاته بالقيادة العسكرية محل نقاش.
المصدر: أحمد إبراهيم أبوشوك، «قراءة وثائقية-تحليلية في يوميات التحري القضائية لانقلاب 17 نوفمبر 1958»، سودانايل، 17 نوفمبر 2025.
لماذا تدخل الجيش في الحكم؟
لم يكن انقلاب 1958 نتيجة عامل واحد، بل جاء في سياق تداخلت فيه عدة أسباب، أبرزها:
* الخلافات داخل الائتلاف الحاكم وتراجع قدرته على إدارة الدولة.
* الصراع بين الأحزاب وصعوبة الحفاظ على أغلبية برلمانية مستقرة.
* الخلافات حول المعونة الأمريكية وبعض ملفات السياسة الخارجية.
* استعداد القيادة العسكرية للتدخل وتقديم الجيش باعتباره بديلاً عن القوى السياسية المتنازعة.
* ضعف الأعراف والمؤسسات القادرة على منع تدخل القوات المسلحة في الحياة السياسية.
وقد مثّل الانقلاب نقطة تحول خطيرة؛ إذ لم ينهِ الأزمة السياسية بقدر ما غيّر طبيعتها، ناقلاً الصراع من البرلمان إلى الشارع، ومؤسساً لسابقة ظلت آثارها حاضرة في تاريخ السودان اللاحق.
المصدر: أحمد إبراهيم أبوشوك، «سودانايل»، 2025؛ وHarry Cross، Undoing a Revolution: Sudan and the Politics of Debt، مطبعة جامعة أكسفورد، 2025.
ست سنوات تحت حكم الفريق إبراهيم عبود

حل الأحزاب وتقييد الحريات
في 17 نوفمبر 1958، تولى الفريق إبراهيم عبود قيادة النظام العسكري الجديد، وأُوقفت الحياة الحزبية، وحُلّت المؤسسات السياسية المنتخبة، وفُرضت قيود على النشاط العام.
قدّم النظام نفسه باعتباره سلطة قادرة على إنهاء الفوضى السياسية وتحقيق الاستقرار، لكن إحلال الحكم العسكري محل التنافس البرلماني لم يعالج جذور الأزمة، بل ضيّق المجال المتاح للتعبير عن المعارضة والمشاركة في صنع القرار.
وتشير وثيقة أمريكية معاصرة، مؤرخة في 6 يناير 1959، إلى سعي النظام الجديد لتثبيت سلطته، مع توقع احتمال ظهور معارضة جدية مع مرور الوقت.
وبمرور السنوات، تزايدت الفجوة بين النظام وقطاعات من المجتمع، خصوصاً في أوساط الطلاب والمهنيين والنقابيين والقوى السياسية التي فقدت قنواتها الطبيعية للمشاركة في الحكم.
المصدر: وزارة الخارجية الأمريكية، Foreign Relations of the United States, 1958–1960, Africa, Volume XIV، الوثيقة 43، «Outlook for the Sudan»، 6 يناير 1959.
جنوب السودان.. أزمة تتفاقم تحت الحكم العسكري
كانت قضية جنوب السودان من أبرز الملفات التي عجز نظام عبود عن معالجتها بصورة مستقرة. فقد تزامنت سياسات المركزية الإدارية والتوجهات المرتبطة بالتعريب والأسلمة مع تصاعد التوترات السياسية والثقافية، في سياق نزاع مسلح كانت جذوره قد ظهرت قبل انقلاب 1958.
ومع اتساع العمليات العسكرية، تحولت القضية الجنوبية إلى أزمة وطنية متفاقمة، وأصبحت طريقة تعامل الحكومة معها أحد مصادر الاعتراض على النظام.
وأظهرت التجربة أن معالجة قضايا الهوية والمشاركة السياسية بالقوة والإجراءات الإدارية وحدها لا تضمن وحدة الدولة، بل قد تزيد من حدة الصراع عندما تغيب التسويات السياسية والضمانات المتعلقة بالحقوق والتمثيل.
ولم تكن أزمة الجنوب منفصلة عن أزمة الحكم؛ إذ كشفت حدود الدولة المركزية في التعامل مع التنوع، وأثارت أسئلة ظلت مطروحة في تاريخ السودان بشأن طبيعة العلاقة بين المركز والأقاليم.
الاقتصاد وتراجع الثقة الشعبية
تداخلت الأزمات السياسية مع صعوبات اقتصادية واجتماعية أثرت في حياة قطاعات واسعة من المواطنين. وأدى التراجع في مستويات المعيشة والاعتراض على بعض السياسات الاقتصادية إلى توسيع دائرة السخط، بحيث لم تعد المعارضة محصورة في المطالبة بالحريات السياسية.
وفي مثل هذه الظروف، أصبح رفض الحكم العسكري مرتبطاً أيضاً بالمطالب المعيشية والحقوق النقابية وتحسين الخدمات، ما منح الحركة الاحتجاجية قاعدة اجتماعية أوسع.
ويشير تقرير Sudan Uprising: The Rise and Fall of the Sudanese Revolution الصادر عن مشروع Small Arms Survey إلى أهمية السياق الاقتصادي والاجتماعي في فهم الانتفاضات السودانية ومساراتها.
وهكذا، تراكمت عوامل الاحتقان خلال سنوات حكم عبود، حتى جاءت أحداث أكتوبر لتجمع المطالب السياسية والاجتماعية في مواجهة واحدة.
جامعة الخرطوم.. الشرارة التي أشعلت الثورة
ندوة طلابية تتحول إلى مواجهة
في أكتوبر 1964، كانت جامعة الخرطوم من أبرز ساحات النقاش السياسي والفكري في السودان. وشهدت الجامعة نشاطاً طلابياً تناول قضايا الحكم والحريات ومستقبل جنوب السودان، في وقت كانت فيه السلطات العسكرية تنظر بريبة إلى أي نشاط سياسي مستقل.
وفي 21 أكتوبر، وقعت مواجهة بين الطلاب والسلطات عقب تدخل الشرطة لفض ندوة طلابية. وخلال الأحداث، أُصيب الطالب أحمد القرشي طه إصابة قاتلة.
كان مقتل القرشي الحدث الذي أشعل موجة الاحتجاجات الواسعة، لكنه لم يكن السبب الوحيد للثورة. فقد جاءت الواقعة في سياق سنوات من التضييق السياسي، وتفاقم الأزمة الجنوبية، والتوترات الاقتصادية، واتساع المعارضة داخل الجامعات والنقابات.
وبذلك تحولت المواجهة داخل الجامعة إلى نقطة التقاء بين السخط الطلابي والغضب الشعبي، وبدأت الأحداث تتجاوز المطالبة بالتحقيق في مقتل الطالب إلى المطالبة بإنهاء الحكم العسكري.
المصدر: يوسف فضل حسن، «The Sudanese Revolution of October 1964»، The Journal of Modern African Studies، المجلد الخامس، العدد الرابع، 1967.
أحمد القرشي.. من طالب إلى رمز وطني

لم يكن أحمد القرشي قائداً منفرداً للثورة، ولم تكن الأحداث ثمرة تحرك شخص واحد. غير أن مقتله منحه مكانة رمزية تجاوزت حدود الجامعة، وأصبح اسمه مرتبطاً بالمطالبة بحرية التعبير ورفض استخدام القوة في مواجهة النشاط السياسي السلمي.
ومع انتشار خبر مقتله، اكتسبت الاحتجاجات زخماً جديداً، وتحولت القضية إلى شأن عام. وأصبح تشييع القرشي وما أعقبه من تحركات نقطة تجمع لقطاعات مختلفة من المجتمع.
وتكمن أهمية الرمز في المعنى الذي اكتسبه مقتله؛ إذ عبّر عن غضب متراكم من سلطة لم تعد قطاعات واسعة من السودانيين ترى فيها ممثلاً لمصالحها أو مستجيباً لمطالبها.
ومن هنا، لم تعد القضية قضية طالب فحسب، بل أصبحت تعبيراً عن حق المجتمع في الاحتجاج والمشاركة السياسية ومحاسبة السلطة.
من احتجاج طلابي إلى ثورة شعبية
اتساع دائرة الاحتجاج
بعد أحداث جامعة الخرطوم، امتدت الاحتجاجات إلى مناطق وقطاعات أخرى، شاركت فيها قوى سياسية ومهنية واجتماعية متعددة. وتجاوزت المطالب التحقيق في مقتل القرشي إلى الدعوة لاستعادة الحريات وإنهاء الحكم العسكري.
وساعدت الروابط بين الطلاب والنقابات والمهنيين على تحويل الاحتجاجات المتفرقة إلى حركة وطنية. كما أسهمت سنوات التضييق وفقدان قنوات المشاركة السياسية في توسيع قاعدة المعارضة.
ولم يكن المجتمع السوداني متفقاً على جميع تفاصيل المرحلة المقبلة، لكن قطاعات واسعة التقت حول مطلب أساسي: إنهاء الحكم العسكري وفتح الطريق أمام حكومة مدنية.
وهنا اكتسبت الثورة طابعها الوطني؛ إذ لم تعد مواجهة بين السلطة ومجموعة من الطلاب، بل أصبحت أزمة سياسية شاملة وضعت مستقبل النظام أمام اختبار حاسم.
النقابات وجبهة الهيئات.. تنظيم الغضب الشعبي
كان دور النقابات والاتحادات المهنية من العناصر الحاسمة في مسار ثورة أكتوبر. فقد امتلكت هذه المؤسسات القدرة على التنسيق بين قطاعات مختلفة، ونقل الاحتجاج من الشارع إلى مواقع العمل ومؤسسات الدولة.
وبرزت جبهة الهيئات بوصفها إطاراً للتنسيق بين قوى مهنية ونقابية وطلابية، وأصبحت طرفاً مهماً في الحراك السياسي والمفاوضات المتعلقة بمستقبل الحكم.
ولم تقتصر أهمية النقابات على حشد المتظاهرين، بل تمثلت في قدرتها على تنظيم الإضراب، وتوحيد المطالب، وإدامة الضغط الشعبي، وتوفير قنوات للتعبير عن المعارضة خارج الأطر الحزبية التقليدية.
وقد أظهرت التجربة أن قوة التحرك الشعبي لا تقاس بعدد المشاركين في الشوارع فقط، وإنما كذلك بقدرتها على التنظيم والاستمرار وتوسيع المشاركة الاجتماعية.
الإضراب السياسي والعصيان المدني
مع اتساع الاحتجاجات، انتقلت المواجهة إلى مرحلة أكثر تأثيراً تمثلت في الإضراب السياسي والعصيان المدني. وتوقفت أعمال في قطاعات مختلفة، وتراجعت قدرة النظام على إدارة الحياة العامة في ظل اتساع رفض التعاون معه.
كان الإضراب سلاحاً سياسياً مؤثراً؛ لأنه نقل الضغط من التظاهر إلى تعطيل جانب من النشاط الطبيعي للمؤسسات، وأظهر أن استمرار الحكم لا يعتمد على السيطرة الأمنية وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى تعاون المجتمع ومؤسساته.
وقد أسهمت مشاركة الموظفين والمهنيين والعمال في رفع تكلفة استمرار الحكم العسكري، فيما ازدادت صعوبة احتواء الاحتجاجات عبر الإجراءات الأمنية وحدها.
ومع ذلك، لم تكن الثورة حركة متجانسة في جميع أهدافها؛ فقد توحدت أطرافها حول إسقاط النظام العسكري، بينما ظهرت لاحقاً اختلافات بشأن ترتيبات المرحلة الانتقالية، وطبيعة الدولة، وأولويات الإصلاح السياسي والاقتصادي.
المصادر: Global Nonviolent Action Database، «Sudanese bring down dictator Abbud (October Revolution), 1964»؛ وSmall Arms Survey، Sudan Uprising: The Rise and Fall of the Sudanese Revolution، 2019.
سقوط نظام عبود.. انتصار الشارع وتراجع المؤسسة العسكرية

أزمة شرعية تتجاوز الحل الأمني
مع استمرار الاحتجاجات والإضراب، وجد النظام نفسه أمام أزمة تتجاوز قدرته على المعالجة الأمنية. فقد امتدت المعارضة إلى قطاعات اجتماعية ومهنية متعددة، وأصبح استمرار الحكم العسكري موضع رفض علني واسع.
وأمام هذا الوضع، واجهت القيادة العسكرية معضلة واضحة: مواصلة استخدام القوة بما قد يؤدي إلى اتساع المواجهة وتعميق عزلة النظام، أو القبول بتسوية تفضي إلى التخلي عن الحكم المباشر.
وساعدت المفاوضات بين القيادة العسكرية وممثلي القوى المدنية على فتح الطريق أمام الانتقال، وإن كانت تفاصيل بعض الاجتماعات والقرارات لا تزال تختلف باختلاف الشهادات والروايات التاريخية.
لقد أظهرت أحداث أكتوبر أن الأنظمة العسكرية قد تمتلك أدوات القوة، لكنها لا تستطيع ضمان الاستمرار عندما تتسع المعارضة وتفقد السلطة شرعيتها لدى قطاعات كبيرة من المجتمع.
نهاية الحكم العسكري وبدء الانتقال المدني
في نهاية أكتوبر 1964، اتجه السودان إلى إنهاء الحكم العسكري المباشر. وتولى سر الختم الخليفة رئاسة الحكومة الانتقالية في 30 أكتوبر، لتبدأ مرحلة جديدة هدفها إعادة الحريات السياسية وتهيئة البلاد للعودة إلى النظام الدستوري.
مثّل ذلك تحولاً تاريخياً بعد نحو ست سنوات من حكم عبود، لكنه لم يكن نهاية نهائية لتدخل الجيش في السياسة، ولم يعنِ أن جميع مؤسسات الدولة أصبحت خاضعة بالكامل لسلطة مدنية مستقرة.
فالثورة نجحت في إزاحة النظام العسكري، لكنها تركت أمام الحكومة الانتقالية تحديات ثقيلة، من بينها إعادة بناء المؤسسات، وتنظيم العلاقة بين القوى السياسية، ومعالجة قضية جنوب السودان، وتهيئة الظروف لإجراء الانتخابات.
وهنا برز الفرق بين إسقاط النظام وإعادة بناء الدولة: الأول تحقق بفعل الضغط الشعبي، أما الثاني فكان يتطلب تسوية سياسية ومؤسسات قادرة على الاستمرار بعد انحسار زخم الشارع.
حكومة سر الختم الخليفة.. اختبار الانتقال الديمقراطي
استعادة الحريات وتهيئة الانتخابات
تولت حكومة سر الختم الخليفة مهمة إدارة مرحلة انتقالية شديدة التعقيد. وكان مطلوباً منها إعادة الحياة السياسية، وإطلاق الحريات، وتهيئة الانتخابات، والتعامل مع الخلافات الحزبية وقضية الجنوب.
ولم تكن الحكومة الانتقالية حكومة برلمانية منتخبة؛ بل جاءت في سياق التسوية التي أعقبت سقوط عبود، وكان هدفها تهيئة الظروف لعودة الحكم الدستوري.
وهذا التمييز مهم في توثيق التجربة السودانية؛ فالحكومات البرلمانية التي سبقت انقلاب 1958 تختلف في طبيعتها عن الحكومة الانتقالية التي تشكلت بعد ثورة أكتوبر، كما تختلف عن الحكومات التي أعقبت انتخابات 1965.
مؤتمر المائدة المستديرة.. اختبار قضية الجنوب

كان البحث عن تسوية لقضية جنوب السودان من أبرز التحديات التي واجهت المرحلة الانتقالية. وفي عام 1965، انعقد مؤتمر المائدة المستديرة لمناقشة مستقبل العلاقة بين الشمال والجنوب، وسط اختلافات كبيرة حول شكل الحكم، والفيدرالية، ووحدة الدولة.
لم ينجح المؤتمر في إنهاء الحرب أو الوصول إلى تسوية نهائية، لكنه أظهر أن التغيير السياسي في الخرطوم لا يكفي وحده لمعالجة الأزمات القومية المتراكمة.
وكشفت المناقشات عن صعوبة بناء توافق حول طبيعة الدولة وتوزيع السلطة وضمان المشاركة السياسية، وهي قضايا ظلت تؤثر في مسار السودان لعقود لاحقة.
وكان ذلك أحد أهم دروس أكتوبر: يمكن للثورة أن تفتح الباب أمام الحل السياسي، لكنها لا تستطيع فرض توافق وطني بمجرد إسقاط النظام السابق.
انتخابات 1965.. هل اكتملت الثورة؟
عودة البرلمان والحكم المدني
شهد السودان انتخابات عام 1965، فعاد البرلمان وتشكلت حكومة مدنية جديدة. وبذلك تحقق أحد الأهداف المباشرة لثورة أكتوبر، وهو إنهاء الحكم العسكري واستعادة المؤسسات الدستورية.
غير أن عودة البرلمان لم تعنِ استقرار التجربة الديمقراطية. فقد استمرت الخلافات الحزبية، وتعثر التعامل مع قضية الجنوب، وبقيت المؤسسات السياسية عرضة للصراعات التي أضعفت قدرتها على بناء توافق طويل الأمد.
وأظهرت التجربة أن الانتخابات، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لحماية الديمقراطية ما لم تدعمها مؤسسات قوية، وقواعد مستقرة للتداول السلمي للسلطة، ورقابة مدنية فعالة على القوات المسلحة.
لماذا لم تمنع أكتوبر انقلاب مايو 1969؟
في 25 مايو 1969، استولى ضباط بقيادة جعفر نميري على السلطة، لتنتهي التجربة البرلمانية الثانية ويدخل السودان مرحلة جديدة من الحكم العسكري.
لم يكن الانقلاب دليلاً على أن ثورة أكتوبر أخفقت في إسقاط عبود؛ فقد حققت ذلك بالفعل وأعادت الحياة السياسية. لكنه كشف عن عجز القوى المدنية عن تحويل الانتصار الشعبي إلى نظام ديمقراطي قادر على حماية نفسه من الانقلابات.
ويمكن فهم هذا المسار في ضوء استمرار الانقسامات الحزبية، وضعف التوافق حول قضايا الدولة، وبقاء المؤسسة العسكرية لاعباً سياسياً مؤثراً.
ومن ثم، فإن الدرس ليس أن الثورة كانت بلا جدوى، بل أن نجاحها في إنهاء الحكم العسكري لم يصاحبه بناء ضمانات مؤسسية كافية تمنع عودته.
الطلاب والعمال والمهنيون والنقابات
لم تكن ثورة أكتوبر إنجاز فرد أو حزب واحد. فقد شارك فيها الطلاب والعمال والموظفون والمهنيون والمحامون والأطباء والنقابيون، إلى جانب قوى سياسية متعددة.
وكان تضافر هذه المجموعات من أبرز أسباب انتقال الاحتجاج من جامعة الخرطوم إلى حركة وطنية واسعة، ومن ثم تحوله إلى ضغط سياسي أجبر القيادة العسكرية على التخلي عن الحكم المباشر.
المراجع: يوسف فضل حسن، «The Sudanese Revolution of October 1964»؛ وقاعدة بيانات العمل اللاعنفي العالمية؛ والدراسات الأكاديمية المتعلقة بالانتفاضة والحركة النقابية السودانية.
من أكتوبر 1964 إلى أبريل 1985 وديسمبر 2018

انتفاضة أبريل 1985
عادت أدوات الاحتجاج الشعبي والإضراب العام إلى الواجهة في أبريل 1985، عندما واجه نظام جعفر نميري احتجاجات واسعة انتهت بسقوطه.
وتشابهت التجربتان في أهمية التنظيم النقابي والمشاركة المدنية وتوسيع قاعدة الاحتجاج، لكنهما اختلفتا في السياق السياسي والاجتماعي، وفي طبيعة العلاقة بين القوى المدنية والقيادة العسكرية خلال لحظة الانتقال.
وقد رسخت أكتوبر في الذاكرة السياسية السودانية فكرة أن الحكم العسكري ليس قدراً محتوماً، وأن التعبئة الشعبية المنظمة قادرة على تغيير موازين القوى.
ثورة ديسمبر 2018
في ديسمبر 2018، اندلعت احتجاجات واسعة انتهت بسقوط عمر البشير في أبريل 2019، بعد ثلاثة عقود من الحكم.
وبرزت في الثورة مشاركة الشباب، والتنظيم المهني والنقابي، واتساع الاحتجاجات، واستخدام الإضراب والعصيان المدني، وهي عناصر أعادت إلى الواجهة بعض ملامح التجارب السودانية السابقة.
لكن المرحلة التي أعقبت سقوط البشير واجهت تحديات تتعلق بتقاسم السلطة بين المدنيين والعسكريين، وبناء المؤسسات، وتوحيد القوى السياسية. ثم جاءت قرارات 25 أكتوبر 2021، قبل أن تندلع الحرب في أبريل 2023.
ولا يعني هذا أن التاريخ تكرر بصورة مطابقة؛ فلكل انتفاضة ظروفها وتحالفاتها ومآلاتها. لكن التجارب الثلاث تطرح سؤالاً مشتركاً: كيف يمكن تحويل القوة الشعبية التي تُسقط الأنظمة إلى مؤسسات مدنية قادرة على حماية الديمقراطية وإدارة التنوع والصراعات؟
المصدر: Small Arms Survey، Sudan Uprising: The Rise and Fall of the Sudanese Revolution، 2019.
ماذا تعلّمنا ثورة أكتوبر؟
أولاً: الاستعانة بالجيش لحل الخلافات السياسية قد تفتح باباً يصعب إغلاقه
تكشف أزمة 1958 خطورة النظر إلى المؤسسة العسكرية باعتبارها وسيلة لحسم الصراع بين الأحزاب. فحتى إذا اعتقد بعض السياسيين أن تدخل الجيش سيكون مؤقتاً، فإن انتقال السلطة إليه قد يفضي إلى إضعاف المؤسسات المدنية وتعطيل التداول السلمي للحكم.
ثانياً: وحدة العمل المدني عنصر أساسي في نجاح الانتفاضات
أثبتت أكتوبر أن الاحتجاج الطلابي وحده لا يكفي لإحداث تغيير سياسي شامل، وأن مشاركة النقابات والعمال والموظفين والمهنيين والقوى السياسية كانت حاسمة في توسيع الاحتجاج واستمراره.
ثالثاً: إسقاط النظام لا يعني حل أزمة الدولة
نجحت الثورة في إنهاء حكم عبود، لكنها لم تتمكن وحدها من معالجة أزمة الجنوب أو إنهاء الانقسامات الحزبية أو بناء مؤسسات دستورية مستقرة. وهذه الفجوة بين إسقاط النظام وبناء الدولة ظلت من أبرز تحديات السياسة السودانية.
رابعاً: الديمقراطية تحتاج إلى مؤسسات تحميها
لا يكفي إجراء الانتخابات إذا ظلت المؤسسة العسكرية قادرة على الاستيلاء على السلطة، أو إذا عجزت القوى السياسية عن الاتفاق على قواعد مستقرة للحكم. فاستمرار الديمقراطية يتطلب رقابة مدنية على الجيش، ومؤسسات دستورية فعالة، واحتراماً لنتائج الانتخابات، وتسوية سلمية للخلافات.
خامساً: توثيق الإخفاقات لا يقل أهمية عن الاحتفاء بالانتصارات
لا تكتمل قراءة أكتوبر بالاحتفاء بنجاحها في إسقاط النظام فقط؛ بل يجب دراسة أسباب تعثر المرحلة الانتقالية، والخلافات التي أعقبت الثورة، والظروف التي مهدت لعودة الحكم العسكري عام 1969.
فالتاريخ لا يقدم دروسه من لحظات الانتصار وحدها، بل من الفجوة بين الآمال التي تصنعها الثورات والنتائج التي تنجح القوى السياسية في تحقيقها.
خط زمني: من انقلاب 1958 إلى عودة الحكم المدني
1 يناير 1956:* استقلال السودان.
يوليو 1956:* تولي عبد الله خليل رئاسة الوزراء.
17 نوفمبر 1958:* استلام الجيش بقيادة الفريق إبراهيم عبود السلطة.
1964:* تصاعد المعارضة للحكم العسكري في ظل أزمات سياسية واقتصادية وحرب الجنوب.
21 أكتوبر 1964:* أحداث جامعة الخرطوم ومقتل الطالب أحمد القرشي طه، وبداية الانتفاضة الواسعة.
الأيام الأخيرة من أكتوبر 1964:* اتساع الاحتجاجات والإضراب السياسي والعصيان المدني.
30 أكتوبر 1964:* تولي سر الختم الخليفة رئاسة الحكومة الانتقالية.
1965:* الانتخابات وعودة الحكم البرلماني، وانعقاد مؤتمر المائدة المستديرة لمناقشة قضية الجنوب.
25 مايو 1969:* انقلاب جعفر نميري وإنهاء التجربة البرلمانية الثانية.
ملاحظة توثيقية: يستند هذا التسلسل إلى المراجع التاريخية المتعلقة بالانتفاضة والحكومات السودانية. أما تفاصيل الاجتماعات الأمنية والتفاوضية التي جرت خلال أيام الثورة، فتختلف بشأنها بعض الشهادات؛ لذلك ينبغي الرجوع إلى الوثائق الأصلية قبل تقديم تفاصيلها اليومية باعتبارها وقائع محسومة.
خاتمة: أكتوبر.. انتصار في الشارع وسؤال لم تحسمه الدولة
لم تكن ثورة أكتوبر 1964 مجرد احتجاج على حكم الفريق إبراهيم عبود، بل كانت مواجهة مع أزمة سياسية عميقة كشفت مخاطر تدخل الجيش في الحكم، وأثبتت قدرة المجتمع السوداني على استعادة المجال السياسي عندما تتوحد قواه المدنية حول مطلب مشترك.
من انقلاب 1958 الذي أنهى التجربة البرلمانية الأولى، إلى ثورة أكتوبر التي أعادت الحكم المدني، ثم انقلاب 1969، وانتفاضة أبريل 1985، وثورة ديسمبر 2018، ظل السؤال الأكبر حاضراً في تاريخ السودان: لماذا تنجح الانتفاضات في إسقاط الأنظمة، بينما تتعثر محاولات بناء نظام ديمقراطي قادر على الاستمرار؟
قدمت أكتوبر درساً واضحاً في قوة الشارع والتنظيم النقابي والعصيان المدني، لكنها أظهرت أيضاً أن الانتصار الشعبي لا يتحول تلقائياً إلى ديمقراطية مستقرة. فذلك يحتاج إلى مؤسسات دستورية قوية، وتوافق سياسي على قواعد الحكم، وحلول عادلة للنزاعات القومية، وإخضاع القوات المسلحة لسلطة مدنية دستورية.
ولهذا لا تبقى ثورة أكتوبر مجرد ذكرى وطنية أو فصل من الماضي، بل تجربة تستحق التوثيق والنقد والمراجعة؛ لفهم ما حققته، وما عجزت عن إنجازه، وكيف يمكن للسودان أن يتجاوز الحلقة المتكررة بين الحكم العسكري والانتفاضة والانتقال المتعثر.
أكتوبر لم تثبت فقط أن الشعب قادر على إسقاط الحكم العسكري؛ بل طرحت سؤالاً ما زال مفتوحاً: كيف تُحمى الديمقراطية بعد انتصار الثورة؟