قراءة توثيقية في بدايات جون قرنق، وعلاقته بالحكومات السودانية، وشبكة الدعم الإقليمي والدولي للحركة الشعبية، وأثر رحيله على مستقبل السودان
تمر علينا اليوم الذكرى الحادية والعشرون لرحيل جون قرنق دي مابيور، الذي توفي في حادث تحطم مروحيته يوم 30 يوليو 2005، بعد أسابيع قليلة فقط من عودته إلى الخرطوم نائباً أول لرئيس الجمهورية، في أعقاب توقيع اتفاقية السلام الشامل التي أنهت أطول فصول الحرب الأهلية بين شمال السودان وجنوبه.
وتأتي هذه الذكرى في وقت ما يزال فيه السودان يعيش تداعيات عميقة للأحداث التي تشكلت في العقود الماضية، الأمر الذي يجعل استحضار سيرة قرنق ومشروعه السياسي أكثر من مجرد وقفة مع شخصية تاريخية؛ فهو استدعاء لمرحلة مفصلية أعادت تشكيل علاقة الشمال بالجنوب، وانتهت بعد سنوات قليلة من رحيله إلى انفصال جنوب السودان، كما تركت آثاراً ممتدة على مسار الدولة السودانية وصراعاتها السياسية.
ولهذا كان لزاماً على «صدى الحقيقة» أن تضع ملف جون قرنق ضمن أوائل ملفاتها التوثيقية، انطلاقاً من أهمية الرجل في تاريخ السودان الحديث، ومن حجم التأثير الذي تركته حياته السياسية، ثم وفاته المفاجئة، على الأحداث التي أعقبتها.
فقرنق لم يكن مجرد قائد عسكري لحركة تمرد جنوبية، ولم تكن وفاته مجرد حادثة أنهت حياة زعيم سياسي؛ فقد رحل في لحظة استثنائية كان ينتقل فيها من موقع المعارضة المسلحة إلى قلب السلطة المركزية، حاملاً مشروعاً سياسياً طالما أطلق عليه «السودان الجديد»، وبعد أن أصبح شريكاً في اتفاقية سلام يفترض أن تعيد ترتيب علاقة الشمال والجنوب، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة في تاريخ البلاد.
ومن هنا تأتي أهمية هذا الملف: من هو جون قرنق؟ كيف تشكل مشروعه السياسي؟ ما علاقته بالحكومات السودانية المتعاقبة؟ وكيف تطورت علاقاته بالقوى الإقليمية والدولية؟ وما أثر العداء بين نظام الإنقاذ والقوى الغربية في البيئة التي تحركت فيها الحركة الشعبية؟ ومن المستفيد من غيابه؟ وهل كان موته نقطة تحول حاسمة في مسار السودان؟ وماذا كان يمكن أن يحدث لو عاش قرنق سنوات أخرى بعد توقيع اتفاقية السلام؟
أسئلة كثيرة ظلت حاضرة في النقاش السوداني، بعضها يجد إجابات في الوثائق والشهادات، وبعضها الآخر يبقى في دائرة الاحتمالات التاريخية التي لا يمكن الجزم بها.
البدايات... من الجنوب إلى المؤسسة العسكرية
وُلد جون قرنق دي مابيور عام 1945 في جنوب السودان، ونشأ في بيئة جنوبية شهدت منذ وقت مبكر صراعاً سياسياً وعسكرياً متصاعداً حول علاقة الجنوب بالدولة السودانية.
وانتقل في مراحل مبكرة من حياته إلى التعليم خارج السودان، ودرس في تنزانيا، ثم حصل على درجة في الاقتصاد من كلية غرينل في ولاية آيوا الأمريكية عام 1969، قبل أن يعود إلى المنطقة ويواصل مسيرته التعليمية والعسكرية.
لكن مسيرة قرنق السياسية بدأت في وقت مبكر، إذ ارتبط منذ شبابه بالصراع المسلح في جنوب السودان، والتحق بحركة أنانيا خلال الحرب الأهلية الأولى، قبل أن يعود لاحقاً إلى الجيش السوداني في أعقاب اتفاقية أديس أبابا عام 1972.
ومن داخل المؤسسة العسكرية السودانية نفسها، بدأت مرحلة جديدة في حياته ستقوده لاحقاً إلى قيادة واحدة من أكبر حركات التمرد في تاريخ السودان، وإلى موقع سياسي لم يكن أحد يتوقع أن يصل إليه ذلك الضابط الشاب.
وهكذا فإن قصة جون قرنق لم تبدأ في عام 1983، حين أسس الحركة الشعبية لتحرير السودان، ولم تبدأ أيضاً عند توقيع اتفاقية السلام عام 2005؛ وإنما تشكلت عبر سنوات طويلة من التعليم والتجربة العسكرية والصراع السياسي، قبل أن يجد نفسه في نهاية المطاف واحداً من أكثر الشخصيات تأثيراً في تاريخ السودان المعاصر.
من الجيش السوداني إلى تأسيس الحركة الشعبية

في عام 1983، اندلع تمرد جديد في جنوب السودان، في ظل تصاعد الخلافات حول الحكم الذاتي، وإعادة تقسيم الجنوب، وتطبيق قوانين الشريعة الإسلامية على مستوى البلاد.
وفي ذلك الوقت كان قرنق ضابطاً في الجيش السوداني، وأُرسل للتعامل مع تمرد داخل إحدى الوحدات الجنوبية.
لكن بدلاً من قمع التمرد، انضم قرنق إلى المتمردين، وأصبح لاحقاً قائداً للحركة الجديدة التي تحولت إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان، وجناحها العسكري الجيش الشعبي لتحرير السودان.
ومنذ تلك اللحظة، بدأ قرنق مرحلة جديدة من حياته، وانتقل من ضابط في الجيش السوداني إلى قائد لأكبر حركة تمرد مسلحة في تاريخ السودان الحديث.
وكان مشروعه السياسي مختلفاً نسبياً عن الطرح الانفصالي التقليدي؛ إذ قدم مفهوم «السودان الجديد»، الذي دعا إلى إعادة بناء الدولة السودانية على أساس المواطنة والمساواة وإعادة توزيع السلطة والثروة، بدلاً من اختزال القضية في انفصال الجنوب.
وهذا الطرح جعل قرنق شخصية سياسية ذات مشروع يتجاوز حدود الجنوب، حتى وإن كانت الحركة التي يقودها تعتمد في قوتها الأساسية على الجنوب وقواعده الاجتماعية والعسكرية.
وقد أصبحت هذه النقطة لاحقاً من أهم عناصر الجدل حول إرثه السياسي؛ إذ رأى مؤيدوه أنه كان يسعى إلى تغيير السودان كله، بينما رأى خصومه أن مشروعه قاد في النهاية إلى تفكيك الدولة وانفصال الجنوب.
قرنق والحكومات السودانية المتعاقبة

خاض قرنق صراعاً طويلاً مع الحكومات السودانية المختلفة، لكن طبيعة العلاقة اختلفت من مرحلة إلى أخرى.
ففي عهد الرئيس جعفر نميري، أصبح قرنق أحد أبرز قادة التمرد بعد انهيار ترتيبات اتفاقية أديس أبابا، ثم دخلت الحركة الشعبية في مواجهة مفتوحة مع حكومة مايو.
ومع سقوط نميري عام 1985، ظهرت فرصة جديدة للحوار.
وخلال فترة الحكومة الانتقالية برئاسة المشير سوار الذهب ثم حكومة الصادق المهدي، جرت اتصالات ومحاولات للتوصل إلى تسوية سياسية، والتقى قرنق بالصادق المهدي في سياقات إقليمية، كما أجرى جون قرنق سلسلة من اللقاءات مع قادة الأحزاب والقوى السياسية السودانية، كان من أبرزها توقيعه في 16 نوفمبر 1988 على اتفاق تاريخي مع محمد عثمان الميرغني، عُرف بـ"اتفاق الميرغني–قرنق"، والذي دعا إلى وقف الحرب الأهلية، وعقد مؤتمر دستوري قومي، وتهيئة المناخ لتحقيق سلام شامل، لكن هذه المحاولات لم تصل إلى اتفاق نهائي ينهي الحرب.
وظل قرنق في تلك الفترة يرى أن حل المشكلة السودانية لا يمكن أن يقتصر على الجنوب وحده، بل يحتاج إلى معالجة طبيعة الدولة السودانية نفسها.
ومع وصول حكومة الإنقاذ إلى السلطة في 30 يونيو 1989، دخلت العلاقة بين الخرطوم والحركة الشعبية مرحلة أكثر حدة.
فقد تبنت حكومة الإنقاذ خطاباً إسلامياً واضحاً، وأصبحت الحرب في الجنوب مرتبطة بصورة أكبر بالصراع حول هوية الدولة، والدين، وطبيعة الحكم.
وفي المقابل، استفادت الحركة الشعبية من التحولات الإقليمية والدولية التي بدأت تعيد تشكيل المشهد حول السودان.
إثيوبيا... الحليف الإقليمي الأهم في البدايات
لم تكن الحركة الشعبية قادرة على خوض حرب طويلة دون دعم خارجي.
وكانت إثيوبيا، خصوصاً في عهد منغستو هيلا مريام، من أهم الداعمين الإقليميين للحركة الشعبية والجيش الشعبي في سنوات التأسيس الأولى.
وقد وفر هذا الدعم للحركة ملاذاً استراتيجياً، وممرات للحركة، وإمكانات عسكرية ساعدتها على بناء جيش منظم.
وتشير تقارير حقوقية وتاريخية إلى أن الحركة الشعبية استفادت من رعاية الحكومة الإثيوبية المدعومة من الاتحاد السوفيتي في بدايات الحرب الثانية، كما تلقت أسلحة سوفيتية الصنع عبر ليبيا في السنوات الأولى، بينما أدى تصاعد الدعم الإثيوبي لاحقاً إلى تعزيز قدرتها العسكرية على خوض معارك أكثر اتساعاً.
لكن سقوط نظام منغستو في إثيوبيا عام 1991 أحدث تحولاً كبيراً.
فقد فقدت الحركة الشعبية أحد أهم حلفائها الإقليميين، ووجدت نفسها أمام واقع جديد في القرن الأفريقي.
وفي الوقت نفسه، كانت حكومة الإنقاذ قد بدأت تبني علاقات إقليمية ودولية معقدة، بينما أصبحت الحركة الشعبية تبحث عن مصادر جديدة للدعم السياسي والدبلوماسي.
أوغندا... التحالف الذي غير موازين الحرب
مع بداية التسعينيات، أصبحت أوغندا بقيادة الرئيس يوري موسيفيني من أهم الداعمين للحركة الشعبية.
وقد ارتبط هذا الدعم بعلاقة متوترة بين الخرطوم وكمبالا، إذ اتهم كل طرف الآخر بدعم حركات معارضة ومسلحة على أراضيه.
كانت الحركة الشعبية تستفيد من الأراضي الأوغندية في الحركة والإمداد، بينما وجدت أوغندا في دعم الحركة وسيلة لمواجهة نفوذ حكومة الإنقاذ التي اتهمتها بدعم متمردي جيش الرب للمقاومة.
وهكذا أصبح الصراع السوداني جزءاً من صراع إقليمي أوسع في شرق أفريقيا.
ولم يكن دعم أوغندا للحركة الشعبية مجرد علاقة سياسية، بل كان أحد العوامل التي ساعدت قرنق على الحفاظ على حركته في مواجهة حكومة الخرطوم.
وفي السنوات التي سبقت اتفاقية السلام، أصبحت أوغندا أيضاً من الأطراف التي لعبت دوراً في تقريب وجهات النظر، واحتضنت لقاءات بين أطراف النزاع.
ليبيا... علاقة متغيرة تحكمها مصالح المنطقة
كانت علاقة ليبيا بالحركة الشعبية أكثر تعقيداً.
ففي عهد معمر القذافي، دعمت ليبيا الحركة الشعبية في مراحل من الحرب، وكان ذلك جزءاً من شبكة علاقات إقليمية متشابكة.
وفي المقابل، كانت علاقة القذافي بالرئيس جعفر نميري شديدة التوتر خلال سنوات من حكم مايو، وهو ما جعل ليبيا تدعم قوى معارضة لنميري، كما قدمت دعماً مادياً وعسكرياً للحركة الشعبية وفق مصادر تاريخية.
لكن العلاقات الإقليمية لم تكن ثابتة.
فبعد وصول حكومة الإنقاذ إلى السلطة، تغيرت طبيعة العلاقة بين الخرطوم وطرابلس، ومرت بفترات من التقارب والاختلاف، كما دخلت ليبيا لاحقاً في محاولات للتوسط في الأزمة السودانية.
وهذا يوضح أن دعم الحركة الشعبية لم يكن دائماً قائماً على اتفاق أيديولوجي ثابت، بل ارتبط في كثير من الأحيان بحسابات الدول الإقليمية ومصالحها في منطقة القرن الأفريقي.
الولايات المتحدة... من التحفظ إلى دعم السلام والضغط على الخرطوم

تُعد العلاقة بين قرنق والولايات المتحدة من أكثر الجوانب أهمية في فهم تطور الحركة الشعبية دولياً.
ففي عهد الرئيس جعفر نميري، كانت واشنطن تعتبر حكومة الخرطوم حليفاً مهماً في سياق الحرب الباردة، وهو ما جعل الولايات المتحدة متحفظة تجاه دعم الحركة الشعبية.
لكن هذا المشهد تغير تدريجياً.
فمع سقوط نميري عام 1985، ثم وصول حكومة الإنقاذ إلى السلطة عام 1989، بدأت العلاقات الأمريكية السودانية تتدهور بصورة متزايدة.
وقد لعبت عدة عوامل دوراً في ذلك، من بينها توجهات حكومة الإنقاذ الإسلامية، وعلاقاتها مع قوى إقليمية ودولية مثيرة للجدل، ثم إدراج السودان لاحقاً ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب الأمريكية عام 1993، فضلاً عن تزايد الانتقادات المتعلقة بحقوق الإنسان والحرب الأهلية.
ومع نهاية الحرب الباردة، تغيرت حسابات الولايات المتحدة في المنطقة.
وأصبح السودان، في نظر دوائر سياسية أمريكية، جزءاً من مشكلة أوسع مرتبطة بالإرهاب والتطرف والنزاعات الإقليمية.
وفي المقابل، أصبحت الحركة الشعبية بقيادة قرنق طرفاً يمكن التعامل معه سياسياً في مواجهة حكومة الخرطوم.
لكن من المهم عدم تبسيط هذه العلاقة بالقول إن واشنطن «صنعت» قرنق أو أنها كانت صاحبة مشروع الحركة الشعبية.
فالحركة كانت موجودة قبل التحول في الموقف الأمريكي، وامتلكت جيشاً وقاعدة اجتماعية واسعة، كما تلقت دعماً من دول إقليمية مختلفة.
إلا أن العداء المتزايد بين واشنطن وحكومة الإنقاذ خلق بيئة دولية أكثر ملاءمة للحركة الشعبية.
وهكذا انتقلت القضية السودانية تدريجياً من كونها حرباً داخلية إلى قضية تحظى باهتمام دولي واسع.
العداء مع نظام الإنقاذ ودعم الحركة الشعبية
كان وصول عمر البشير إلى السلطة عام 1989 نقطة تحول في العلاقة بين الحركة الشعبية والغرب.
فقد دخلت حكومة الإنقاذ في مواجهة سياسية ودبلوماسية مع الولايات المتحدة، بينما كانت الحركة الشعبية تقدم نفسها بوصفها حركة تقاتل من أجل إعادة بناء الدولة السودانية وإنهاء التهميش.
ومع مرور الوقت، أصبح الضغط الدولي على الخرطوم يتزايد.
وفي المقابل، اتسعت العلاقات الدولية للحركة الشعبية، وأصبح قرنق شخصية معروفة في العواصم الغربية والمنظمات الدولية.
لكن هذه العلاقة يجب أن تُفهم في إطار المصالح السياسية الدولية.
فالدول الكبرى لم تكن تدعم قرنق فقط بسبب رؤيته للسودان الجديد، وإنما كانت تتحرك وفق مصالحها الاستراتيجية في منطقة القرن الأفريقي، ووفق علاقاتها مع دول المنطقة، ووفق موقفها من حكومة الإنقاذ.
وفي الوقت نفسه، استفادت الحركة الشعبية من هذا التحول الدولي في تعزيز موقعها التفاوضي.
وأصبح قرنق قادراً على الانتقال من موقع القائد العسكري الذي يخوض حرباً داخلية إلى موقع الزعيم الذي يحظى باعتراف سياسي ودبلوماسي واسع.
وهنا بدأت موازين القوى تتغير.
هل صنعت القوى الكبرى قرنق؟
هذا سؤال يطرح أحياناً في النقاشات السياسية السودانية.
والإجابة التاريخية الأكثر دقة هي أن القوى الكبرى لم تصنع جون قرنق، لكنها ساعدت التحولات الدولية والإقليمية على توسيع نفوذه السياسي.
فقرنق كان موجوداً قبل أن يتحول إلى شخصية تحظى بدعم غربي واسع.
وكانت الحركة الشعبية قد خاضت سنوات طويلة من الحرب، واعتمدت على تحالفات إقليمية، خصوصاً مع إثيوبيا وأوغندا، قبل أن تتوسع دائرة الاهتمام الدولي بها.
لكن موقف القوى الكبرى من نظام الإنقاذ ساهم في تغيير المعادلة.
فكلما ازداد الضغط الدولي على الخرطوم، ازدادت قدرة الحركة الشعبية على التحرك سياسياً ودبلوماسياً.
وهكذا يمكن القول إن العلاقة بين قرنق والقوى الكبرى كانت علاقة مصالح متبادلة:
الحركة الشعبية احتاجت إلى الاعتراف والدعم السياسي والدبلوماسي، بينما رأت بعض القوى الدولية في قرنق شريكاً يمكن أن يساهم في إنهاء الحرب وإعادة تشكيل المشهد السوداني.
من العداء إلى التفاوض

المفارقة الكبرى أن الرجل الذي حارب حكومة الخرطوم لأكثر من عقدين انتهى به الأمر إلى الجلوس مع الرئيس عمر البشير على طاولة التفاوض.
وكان اللقاء المباشر بينهما في كمبالا عام 2002 لحظة رمزية، إذ كسر حاجزاً استمر نحو عقدين من الحرب والعداء، وجاء في سياق التحول الذي قادته مفاوضات ماشاكوس برعاية إقليمية ودولية.
وبدأت مفاوضات السلام تأخذ شكلاً أكثر جدية، بدعم من الهيئة الحكومية للتنمية «إيغاد» ومشاركة أمريكية ودولية متزايدة.
وفي يناير 2005، وُقعت اتفاقية السلام الشامل.
وهنا ظهر قرنق بصورة مختلفة تماماً.
لم يعد قائد جيش متمرد.
ولم يعد مجرد زعيم جنوبي.
بل أصبح شريكاً في إعادة بناء الدولة السودانية.
قرنق والقوى الكبرى بعد السلام
بعد توقيع اتفاقية السلام، تغيرت طبيعة العلاقة بين قرنق والمجتمع الدولي.
فبدلاً من التعامل معه بوصفه قائداً لحركة مسلحة، أصبح ينظر إليه بوصفه شريكاً في عملية سياسية انتقالية.
وكانت الولايات المتحدة والدول الغربية ترى في تنفيذ اتفاقية السلام اختباراً لاستقرار السودان والمنطقة.
وقد أصبح قرنق أحد أهم الشخصيات التي تراهن عليها عملية السلام.
ولهذا، كان وصوله إلى منصب النائب الأول لرئيس الجمهورية في يوليو 2005 لحظة تاريخية.
فالرجل الذي كان يوماً خصماً مسلحاً لحكومة الخرطوم أصبح جزءاً من السلطة المركزية.
وكان من المفترض أن يبدأ مرحلة جديدة من حياته السياسية، ينتقل فيها من قيادة الحرب إلى بناء الدولة.
لكن هذه المرحلة لم تستمر سوى أسابيع.
قراءة في علاقة قرنق بالقوى الكبرى
يمكن تلخيص المسار السياسي لعلاقة جون قرنق بالقوى الكبرى في ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: مرحلة الحرب الباردة.
كان الدعم الخارجي للحركة الشعبية مرتبطاً بدرجة كبيرة بالصراع الإقليمي والدولي، خصوصاً مع إثيوبيا وليبيا، بينما كانت الولايات المتحدة أقرب إلى حكومة نميري.
المرحلة الثانية: مرحلة حكومة الإنقاذ.
أدى العداء بين الخرطوم وواشنطن وتزايد الضغوط الدولية على حكومة البشير إلى اتساع المجال السياسي أمام قرنق والحركة الشعبية.
المرحلة الثالثة: مرحلة السلام.
تحول قرنق من قائد عسكري إلى شريك دولي في عملية السلام، وأصبح المجتمع الدولي ينظر إليه باعتباره أحد الضامنين السياسيين لتنفيذ الاتفاقية.
وهكذا، لم يكن صعود قرنق نتيجة الدعم الخارجي وحده، كما لم يكن نتيجة قوته العسكرية وحدها.
بل كان نتاج تفاعل معقد بين:
قوة الحركة على الأرض، والصراعات الداخلية في السودان، والتحالفات الإقليمية، وتغير مواقف القوى الكبرى، والضغط الدولي على حكومة الإنقاذ، وأخيراً رغبة المجتمع الدولي في إنهاء الحرب السودانية.
الرحيل في لحظة التحول

في 30 يوليو 2005، وبعد أسابيع قليلة فقط من توليه منصب النائب الأول لرئيس الجمهورية، توفي جون قرنق في حادث تحطم المروحية التي كانت تقله من أوغندا.
وكان موته بمثابة نهاية مفاجئة لمرحلة بدأت قبل أكثر من عقدين.
فالرجل الذي انتقل من المتمرد إلى الجندي، ومن الجندي إلى قائد الحركة الشعبية، ومن قائد الحركة إلى شريك في السلام، لم يعش طويلاً ليمارس دوره السياسي الجديد.
وهنا يصبح فهم تاريخ قرنق وعلاقته بالقوى الإقليمية والدولية مهماً لفهم الأسئلة التي أعقبت وفاته.
فقد كان الرجل، في لحظة رحيله، جزءاً من شبكة سياسية واسعة تتداخل فيها مصالح السودان، وجنوب السودان، وأوغندا، وإثيوبيا، والولايات المتحدة، ودول أخرى.
لكن هذا التشابك الدولي لا يمثل في حد ذاته دليلاً على وجود مؤامرة أو اغتيال.
إنما يوضح فقط أن قرنق كان قد أصبح، في عام 2005، شخصية ذات أهمية تتجاوز حدود السودان.
ولهذا، فإن دراسة وفاته لا ينبغي أن تنفصل عن دراسة موقعه السياسي في النظام الإقليمي والدولي.
ما الذي تغير بعد غياب قرنق؟

كان قرنق، قبل وفاته، يقف عند نقطة التقاء ثلاثة مشاريع:
مشروع «السودان الجديد».
مشروع السلام بين الشمال والجنوب.
ومشروع إعادة بناء الدولة السودانية.
وبغيابه، بقيت اتفاقية السلام، لكن غاب الشخص الذي كان يمكن أن يقود اختبار مشروعها على مستوى السودان كله.
انتقلت القيادة إلى سلفا كير ميارديت، واستمرت الحركة الشعبية في تنفيذ الاتفاقية، لكن الاتجاه السياسي بدأ يتحول بصورة أكبر نحو بناء كيان جنوبي مستقل.
وبعد ست سنوات، اختار الجنوب الانفصال وأعلن قيام دولة جنوب السودان.
ولا يمكن الجزم بأن قرنق كان سيمنع الانفصال لو عاش، لكن من المشروع تاريخياً طرح السؤال:
هل كان وجوده سيمنح مشروع الوحدة فرصة أكبر؟
وهل كان يمكن أن يستخدم علاقاته الدولية والإقليمية، وخبرته السياسية والعسكرية، لإعادة صياغة علاقة مختلفة بين الشمال والجنوب؟
أم أن العوامل التي قادت إلى الانفصال كانت أعمق من شخص واحد؟
هذه أسئلة ستظل مفتوحة أمام المؤرخين.
قراءة في دلالات المسار
تكشف سيرة جون قرنق أن الرجل لم يكن مجرد قائد عسكري جنوبي، بل شخصية تشكلت في قلب التحولات الكبرى التي شهدها السودان والقرن الأفريقي منذ ستينيات القرن العشرين.
بدأ حياته في بيئة الجنوب، وخاض تجربة التمرد، ثم أصبح ضابطاً في الجيش السوداني، قبل أن يعود إلى الحرب قائداً لحركة مسلحة.
وخلال أكثر من عشرين عاماً، تغيرت التحالفات من حوله.
دعمته إثيوبيا في مرحلة، واستفادت حركته من علاقات مع أوغندا وليبيا، ثم وجد نفسه في مرحلة لاحقة محط اهتمام ودعم سياسي ودبلوماسي غربي، خصوصاً مع تدهور علاقة الولايات المتحدة وحكومات غربية بحكومة الإنقاذ.
لكن قرنق لم يكن مجرد أداة في يد القوى الكبرى.
فقد امتلك مشروعه الخاص، وخاض حربه الخاصة، ودفع ثمناً سياسياً وعسكرياً كبيراً، قبل أن يتحول إلى أحد أبرز صانعي السلام.
ومن هنا، فإن فهم علاقته بالقوى الكبرى يجب ألا يقوم على نظرية المؤامرة، كما لا ينبغي أن يتجاهل تأثير المصالح الدولية.
فالحقيقة تقع في منطقة أكثر تعقيداً:
قرنق كان فاعلاً في السياسة الدولية، لكنه كان أيضاً جزءاً من لعبة المصالح الدولية.
وعندما أصبح نائباً لرئيس الجمهورية، وصل إلى أعلى نقطة في مسيرته السياسية.
لكن موته المفاجئ أعاد السودان إلى السؤال الذي لم يجد إجابة كاملة:
هل كان قرنق يمثل فرصة تاريخية لبناء سودان جديد؟ أم أن مشروعه كان سيصطدم حتماً بتعقيدات الدولة السودانية وصراعاتها؟
ربما لن يعرف أحد الإجابة.
لكن المؤكد أن الرجل رحل قبل أن يختبر مشروعه في الحكم، وقبل أن يعرف السودان ما إذا كان «السودان الجديد» يمكن أن يتحول من شعار سياسي إلى دولة قابلة للحياة.
ومن هنا، فإن دراسة حياة جون قرنق لا تكتمل بالبحث في كيفية وفاته فقط، بل يجب أن تمتد إلى السؤال الأهم:
ماذا كان يمكن أن يحدث للسودان لو عاش قرنق عشر سنوات أخرى؟
ذلك السؤال الافتراضي، وإن كان بلا إجابة حاسمة، يظل أحد أكثر الأسئلة أهمية في قراءة تاريخ السودان المعاصر.