الأستاذ الجليل و الموسيقي العريق و الرسام المبدع شرحبيل أحمد من مكتبه في دار النشر التربوي بوزارة المعارف – و كان هذا إسمها قبل أن تتحول لوزارة التربية و التعليم – و هو في طريقه إلي مسكنه ببري يمر عبر داخليات مدرسة التجارة الثانوية و الوقت عصراً و ثمة شاب من الكنغو كان يجلس علي كرسيه تحت شجرة و يعزف على آلة بدت له غريبة و بأذنه الموسيقية إلتقط الأستاذ شرحبيل أحمد نغماتها و مال إلي صاحبها و بدأت الحكاية بأسئلة و إعجاب ثم تحولت لتعلم و كانت الآلة هي (الجيتار) و كانت هذه بداية دخولها السودان.
عرف السودان حينها موسيقى الجاز و تكونت عدد من الفرق منها فرقة الأستاذ شرحبيل و فرق جاز الديوم و جاز العقارب لتبدأ هذه المرحلة المهمة في الأربعينات .
الأستاذ شرحبيل كان يعود من مكتبه بعد أن ينجز يوماً في إعداد واحدة من أشهر و أقدم و أعرق مجلات الأطفال ليس في السودان و لكن على مستوى العالم العربي و التي سميت بــ(الصبيان ).
مدرسة الخرطوم التجارية كانت تجاور مدرسة الخرطوم الثانوية العريقة و التي تجد عند مدخلها شرق المدرسة ساحة جميلة يتوسطها ملعب لكرة السلة و الطائرة و أيضا تجري فيها حصص التدريب العسكري المسمي (الكديت ) .
جنوب هذا الميدان توجد صالة الفنون بمقاعدها و ألواحها المميزة تجاورها صالة الموسيقي بألاتها المتعددة ، و في الشمال الشرقي يوجد المسرح المميز .
كان هذا هو السودان يقوم علي القيم الثقافية و الفنية و المسرحية و التمثيل و العسكرية حيث ينشأ الطلاب علي قيم راقية .
كل هذا النشاط مع تميز أكاديمي و علمي لكلا المدرستين .
الحياة السياسية اتسمت بأداء رفيع أبرز ملامحه تمكن السودان من عقد مؤتمر القمة العربي الذي شهد المصالحة بين الرئيس المصري جمال عبد الناصر و ملك المملكة العربية السعودية صاحب السمو الملك فيصل و أيضا أنجز المؤتمر قرارات اللاءات الثلاث و هي ألا صلح و لا تفاوض و لا سلام مع إسرائيل .. كما تمكن من حل أزمة اليمن .
كان ذلك المؤتمر منجزا سودانيا قام على الرئيس الأزهري و وزير الخارجية محمد أحمد المحجوب ،
المحجوب أيضا كان شاعرا و أحد فحول شعراء ذاك العهد الذي أنتج العديد من الشعراء منهم التيجاني يوسف بشير و إدريس جماع و محمد محمد علي و الفيتوري إلى مصطفي سند و غيرهم .
في الرياضة كان الهلال و المريخ و جكسا و ماجد و في ذاك العهد إستقبلنا فريق سانتوس البرازيلي و بدعوة من فريق الهلال و إنتهت المبارة بينهما بفوز سانتوس بهدف أحرزه أسطورة كرة القدم اللاعب بيلية .
هل ضاع عنا هذا السودان ؟
الحروب من أهم مسببات نهضة الشعوب و التي تتطور بعد مقابلة تحديات الحرب و السلام، حدث ذلك في اليابان و ألمانيا و كوريا الجنوبية و أفريقيا في رواندا فهل سيفعلها السودان ؟
هل نحن موحدون في تعريف الحرب و عواقبها ؟
هل يملك السودان رؤية متفق عليها ؟
ما هي النهضة التي نرجوها ؟
تقترب الحرب من نهاياتها ونحن نواجهها بحكومة كامل إدريس و بفقر و شظف عيش و وزراء و إدارات بائسة ضيعت على البلاد فرص التقدم التي وفرتها انتصارات الحرب بجيش باسل قوي و شباب إستجابوا لنداء الوطن بمبادرات منهم و قد تركوا رغد العيش و المهن المدرة للمال و نصروا قواتهم المسلحة ليس بأمنيات و شعارات بل بأنفسهم و أرواحهم .
لنا حكومة لم تستطع أن تنجز القليل و الواضح سواء في الخدمات أو تطوير الزراعة و الصناعة و الخدمات .
حكومة (الأمل) نزعت الأمل في أن يعاد بناء أمتنا لتعود كما كانت تنصر الشعوب في فلسطين و الملايو و الجزائر و كل من تغنى لهم المبدع الكابلي .
كما واجهنا جنجويد الحرب و القتل سيكون علينا أن نواجه جنجويد التراخي و الإهمال و إهدار الفرص ، و علينا أن نسرع قبل أن نقول (أبك يا وطني العزيز ).