صدى الحقيقة

تغريدة البرهان.. هل اقتربت رؤية السلام من اختبار الحقيقة؟

المقداد عمر صالح
المقداد عمر صالح
✍️ هموم وطن
17 Oct 2026 • 👁 1
شارك الخبر:

لم تكن تغريدة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش السوداني، التي أعلن فيها إرسال رسالة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن جهود السلام، مجرد كلمات عابرة على منصة «إكس». فقد جاءت في لحظة تتزايد فيها الضغوط لإنهاء الحرب، وتتعلق فيها آمال السودانيين بأي نافذة يمكن أن تقود إلى وقف نزيف الدم وعودة الحياة إلى المدن والقرى التي أنهكتها المعارك.

قال البرهان إن حكومة السودان ملتزمة بجهود السلام التي ترعاها الولايات المتحدة، وإنها مستعدة للعمل «بنية صادقة» مع جميع الأطراف من أجل سلام عادل ودائم يصون سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه وكرامة شعبه. وهذه هي الرسالة المعلنة التي تستحق أن تُقرأ بجدية، لا أن تُرفض مسبقاً ولا أن تُعامل باعتبارها اتفاقاً تحقق بالفعل.

لكن السؤال الذي يشغل السودانيين ليس ما إذا كان السلام جميلاً في الخطاب السياسي؛ فالجميع يتحدث عن السلام، بينما تستمر الحرب في حصد الأرواح وتشريد الأسر وتدمير مصادر الرزق. السؤال الحقيقي هو: ماذا تعني هذه الرسالة على أرض الواقع؟ وهل تمثل استعداداً عملياً لتقديم تنازلات متبادلة تفتح الطريق أمام وقف القتال، أم أنها إعلان للالتزام بالمبدأ من دون حسم الخلافات حول شروطه وآلياته؟

إن تأكيد البرهان على السيادة ووحدة البلاد وكرامة شعبها يضع محددات واضحة لرؤيته المعلنة. فالسودانيون لا يريدون سلاماً يشرعن سلطة السلاح، أو يترك البلاد رهينة لتعدد مراكز القوة، أو يفرض تسوية تتجاهل أمن المواطنين ومستقبل الدولة. لكن حماية السيادة لا تتعارض مع التفاوض، كما أن التمسك بوحدة السودان لا يكفي وحده لإنهاء الحرب ما لم يتحول إلى ترتيبات عملية توقف القتال وتحمي المدنيين وتضمن وصول المساعدات الإنسانية.

وفي المقابل، لا يمكن أن يكون السلام مجرد هدنة مؤقتة تمنح الأطراف فرصة لالتقاط الأنفاس ثم العودة إلى المعارك. الهدنة الإنسانية، مهما كانت مدتها، ينبغي أن تكون مدخلاً لتخفيف معاناة الناس، وفتح الممرات الآمنة، وتسهيل الإغاثة، وبناء مسار واضح لوقف دائم لإطلاق النار. وقد طرحت واشنطن هدنة إنسانية مدتها تسعون يوماً، لكن إعلان البرهان الالتزام بجهود السلام الأمريكية لا يعني، في حد ذاته، أنه أعلن قبول جميع تفاصيل هذا المقترح. <Cite refs={["turn926834search0","turn926834search9"]}/>

هنا تكمن أهمية الانتقال من لغة الرسائل إلى لغة الالتزامات. فالسوداني الذي غادر منزله لا ينتظر بياناً جديداً بقدر ما ينتظر طريقاً آمناً للعودة. والأم التي فقدت أبناءها لا تعنيها البلاغة السياسية بقدر ما يعنيها ألا تفقد المزيد. والعامل الذي توقفت مهنته والمزارع الذي تعطلت أرضه والطالب الذي انقطع عن مدرسته، جميعهم يريدون أن يعرفوا إن كانت هذه التصريحات ستقرب نهاية الحرب أم ستضاف إلى سجل الوعود المؤجلة.

ولا ينبغي أن تُختزل فرص السلام في موقف طرف واحد. فنجاح أي مسار يحتاج إلى التزامات قابلة للتحقق من جميع الأطراف، وضمانات واضحة، وآلية لمراقبة التنفيذ، ومحاسبة على الخروقات، مع إشراك السودانيين في رسم مستقبل بلادهم. فوقف إطلاق النار ضرورة عاجلة، لكنه ليس نهاية الأزمة؛ إذ يبقى السلام الحقيقي مرتبطاً بإعادة بناء مؤسسات الدولة، ومعالجة أسباب الصراع، وفتح الطريق أمام حكم مدني مستقر يعبر عن إرادة السودانيين.

إن تغريدة البرهان قد تفتح باباً للدبلوماسية، لكنها لا تكفي وحدها للحكم بأن تحولاً حاسماً قد وقع في مسار الحرب. معيار الجدية ليس الكلمات التي تُكتب في واشنطن أو الخرطوم، بل القرارات التي تُتخذ لحماية المدنيين، والاستعداد للتفاهم، والقدرة على تحويل التعهدات إلى واقع ملموس.

**السودان لا يحتاج إلى انتصار لغوي في معركة التصريحات؛ يحتاج إلى انتصار للحياة على الحرب.** وإذا كانت الرسالة إلى ترامب خطوة نحو ذلك، فإن قيمتها ستُقاس بما يليها: هل تتوقف البنادق؟ هل تصل المساعدات؟ هل يجد النازحون طريق العودة؟ وهل يبدأ السودانيون أخيراً في استعادة وطنهم من قبضة الخوف؟

ذلك هو السلام الذي ينتظره الناس؛ سلامٌ لا يُكتب في تغريدة فحسب، بل يُرى في بيتٍ يعود إليه أصحابه، ومدرسةٍ تفتح أبوابها، وشارعٍ لا يخشى المارّة فيه رصاصةً جديدة.

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.