في السودان، لم يعد ارتفاع الأسعار خبراً عابراً في نشرات الاقتصاد؛ صار جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، ومن الحسابات القاسية التي تجريها الأسر قبل شراء الطعام والدواء وتوفير احتياجات الأطفال. ولهذا فإن قرار رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان بإلغاء حظر استيراد 46 سلعة، والتوجيه بإعفاء سلع غذائية من الرسوم الجمركية، يفتح باباً للأمل، لكنه يضع الحكومة أيضاً أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع تحويل القرار إلى تحسن ملموس في معاش الناس؟
جاءت الخطوة بعد قرار سابق بحظر أكثر من أربعين سلعة، في مسعى للحد من الضغط على النقد الأجنبي وتشجيع الإنتاج المحلي. غير أن القيود أثارت انتقادات من المستوردين، الذين حذروا من اضطراب الأسواق وتراجع المنافسة. ومع تفاقم الأعباء المعيشية، اتجهت القيادة إلى إلغاء القائمة المحظورة، بينما أكد وزير المالية جبريل إبراهيم أن القرار يراعي احتياجات المستهلك مع اتخاذ تدابير لحماية المنتج الوطني.
من حيث المبدأ، يمكن لفتح الاستيراد أن يزيد المعروض من السلع، ويحد من الاحتكار، ويوفر بدائل أمام المستهلك. كما أن إعفاء الخضروات والفواكه والبقوليات وبعض السلع الأساسية من الرسوم الجمركية قد يخفض جزءاً من تكاليف وصولها إلى الأسواق. لكن هذه النتائج ليست تلقائية؛ فالسعر النهائي يتأثر أيضاً بسعر الدولار، وتكلفة النقل والتأمين والتخزين، والرسوم الأخرى، ومدى المنافسة بين التجار.
وهنا تكمن المفارقة التي لا يجوز تجاهلها: فبينما تستهدف القرارات تخفيف الضغط عن المواطن، واصل الجنيه تراجعه في السوق الموازية، ووصل الدولار إلى مستويات قياسية قاربت 10,300 جنيه للبيع في 22 أكتوبر، وفق تقارير صحفية. وهذا يعني أن أي زيادة في الطلب على العملات الأجنبية لتمويل الواردات قد تلتهم جزءاً من الفائدة المرجوة، ما لم تُرافق سياسة الاستيراد خطوات تعالج أزمة النقد الأجنبي وتدعم استقرار سعر الصرف.
لكن الخطأ سيكون في النظر إلى القضية باعتبارها مفاضلة بين الاستيراد والإنتاج المحلي. فالسودان يحتاج إلى الاثنين، كلٌّ في موضعه الصحيح. لا يجوز أن يُترك المواطن بلا سلع أساسية بحجة حماية المنتج الوطني، كما لا يجوز أن تتحول الأسواق إلى منافذ مفتوحة لسلع مستوردة تقضي على ما تبقى من المصانع والمزارع المحلية. المطلوب سياسة ذكية تتيح سد النقص العاجل، وتمنح المنتج السوداني في الوقت نفسه بيئة تساعده على الإنتاج والمنافسة، عبر توفير الوقود والكهرباء والتمويل ومدخلات الإنتاج، وتحسين النقل والتسويق.
والأهم من القرار نفسه هو ما سيأتي بعده. على الحكومة أن تراقب أسعار السلع المعفاة من الرسوم، وأن تنشر قوائم واضحة بالسلع المشمولة بالإعفاء، وتكاليف استيرادها، وآليات متابعة انتقال التخفيض إلى المستهلك. كما أن مكافحة الاحتكار والتهريب والتلاعب بالفواتير ليست إجراءات ثانوية؛ إنها جزء من حماية المواطن، حتى لا يستفيد المستورد من الإعفاء بينما يظل السعر على الرف كما كان، أو يرتفع تحت ذرائع جديدة.
ومن الضروري كذلك توضيح الوضع التنفيذي للقرار وإصدار الإجراءات الرسمية اللازمة لتطبيقه، حتى لا تبقى الأسواق رهينة اختلاف التفسيرات أو تأخر التنفيذ. فالمواطن لا يشتري التوجيهات، ولا يطهو بيانات الحكومة؛ إنه يحتاج إلى سلعة متاحة بسعر يستطيع تحمله.
إن نجاح هذه الخطوة لن يُقاس بعدد السلع التي رُفع عنها الحظر، ولا بحجم الترحيب الذي تلقته من التجار، بل بما يتغير في حياة الناس خلال الأسابيع المقبلة. هل تنخفض تكلفة الغذاء؟ هل تتراجع الفجوة بين سعر الجملة والتجزئة؟ هل تصبح السلع متاحة في الولايات البعيدة، لا في أسواق المدن الكبرى وحدها؟ وهل تتزامن هذه الإجراءات مع خطة حقيقية لوقف تدهور العملة وإنعاش الإنتاج؟
معاش الناس لا يحتمل سياسة تتقدم خطوة في الاستيراد وتتراجع خطوات في استقرار العملة والإنتاج. فرفع الحظر قد يفتح باباً لتخفيف الأزمة، لكنه لن يكون حلاً منفرداً ما لم يتحول إلى جزء من سياسة اقتصادية متكاملة، توازن بين حاجات المستهلك وقدرة الدولة على توفير النقد الأجنبي وحماية المنتج المحلي.
في النهاية، لا يريد المواطن أن ينتصر الاستيراد على الإنتاج، ولا أن ينتصر الإنتاج في البيانات بينما يعجز عن شراء احتياجاته. إنه يريد اقتصاداً يوفر السلعة، ويضبط سعرها، ويحفظ فرص العمل، ويعيد للجنيه شيئاً من قيمته.
فالمعيار الحقيقي لأي قرار اقتصادي ليس ما يعلنه المسؤول، بل ما يتبقى في جيب المواطن بعد أن يشتري احتياجات أسرته.