أياماً معدودات قد تبقت على مغادرة انطونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة لموقعه بانتهاء فترتين قوامهما سنوات عشر… المصعد المؤدي للطابق الثامن والثلاثين للمبنى الزجاجي حيث مكتب الأمين العام المطل على خليج السلاحف بالنهر الشرقي بمانهاتن تقل حركته هذه الأيام بعد أن كان حتى وقت قريب مزدحماً بالرؤساء والمبعوثين والمندوبين وطالبي الحاجات السياسية..
وبينما يستعد غوتيريش لأخذ راحة محارب فى عاصمة بلاده لشبونة من متلازمة “الإعراب عن القلق” التي تصيب عادة الأمناء العامين للأمم المتحدة ، تجري على غير مبعدة من المكان إجراءات تشكل أمشاج القادم الجديد عبر عمليات استطلاعية بمجلس الأمن تحكمها المادة 97 من الميثاق بشأن اختيار الأمين العام للأمم المتحدة، وهي المادة التي تعطي مجلس الأمن اليد العليا والخمسة الكبار حملة الفيتو اليد الطولى والقول الفصل بينما تشارك الجمعية العامة باعتماد توصية مجلس الأمن بالمرشح التوافقي وببعض ”المحسنات البديعية” التي استصحبتها الممارسة على مسرح عمليات الاختيار .. كما تطورت بعض الجوانب ذات الصلة بعملية الاختيار والتي صمت عن تفصيلها ميثاق الأمم المتحدة ، مثل التناوب الجغرافي – حيث
يعطى الخيار هذه المرة لدول أمريكا اللاتينية والكاريبي كما أصبح مراعياً أن لا يكون المرشح من إحدى الدول دائمة العضوية بمجلس الأمن، وذلك خلافاً
لتجربة عصبة الأمم التي تأسست عام 1920 على هدى مقررات مؤتمر باريس للسلام ومعاهدة فرساي ، والتي أتت بالدبلوماسي البريطاني إيريك دروموند أميناً عاماً، ويُعد أول موظف دولى حيث بقي بها حتى عام 1933 فاضطر للاستقالة بعد أن حاصرته المشاكل وأبرزها غزو اليابان لإقليم منشوريا الصيني والأزمة الاقتصادية العالمية عام 1929 ومترتباتها الانكفائية والحمائية وفشل مؤتمر جنيف لنزع السلاح عام 1932 وظهور النازية والفاشية ، وقد حل مكانه في الموقع كأمين عام الفرنسي جوزيف أفينول الذي أجبر بضغوط عاتية على الاستقالة عام 1940 بعد أداء كارثي ساند عبره حكومة فيشي النازية في جنوب فرنسا ووقف مهادناً لاحتلال إيطاليا للحبشة ولم يكن متحمساً لقدوم و مخاطبة هيلاسيلاسي لعصبة الأمم بجنيف حول الموضوع، وقد خلفه فى الموقع حتى تصفية العصبة فى 18 أبريل 1946 الأيرلندي شون ليستر..
إذ تبحث الأمم المتحدة الآن عن أمينها العام العاشر فإنها تنظر إلى تراكم لحصائل من تراكم نجاحات وإخفاقات السابقين بدءاً من تجربة أول أمين عام ، النرويجي تريغفه لى – 1946- 1952 الذي وضع الهيكل الإداري والمؤسسي للمنظمة لكنه قادها لصدام مباشر مع الاتحاد السوفيتي بدعمه للتدخل الأمريكي العسكري في الحرب الكورية فأدت المقاطعة السوفيتية الشاملة له لشل حركته فأجبر على الاستقالة.. أعقبه السويدي داج همرشولد 1953 – 1961 الذي سعى لاعطاء المنصب حيادية واحترام كما ابتكر مفهوم قوات حفظ السلام ولقى مصرعه فى حادث تحطم طائرته وهو يسعى لمقابلة تشومبي للحيلولة دون انفصال إقليم كاتنقا وحل مشكلة الكونغو.. ثم جاء البورمي أوثانت 1961- 1971 الذي لعب دورا فى الاتصالات التي أفضت لإنهاء أزمة الصواريخ الكوبية وشهدت فترته استقلال العديد من دول القارة الأفريقية، ويؤخذ عليه التعجل في سحب قوات الطوارئ الدولية من سيناء عام 1967 ، وعجز المنظمة عن إيقاف تصعيد حرب فيتنام وتدخل الاتحاد السوفيتى فى تشيكوسلوفاكيا، أما النمساوي كورت فالدهايم 1972- 1981 فقد أشرف على عمليات حفظ سلام كبرى ومعقدة في الشرق الأوسط بعد حرب اكتوبر وفي قبرص وبنغلاديش إلا أن الكشف عن ماضيه العسكري في خدمة الجيش النازى أضر به كثيراً .. وسجلت لخلفه من بيرو خافير بيريز ديكويار بعض النجاحات فى رعاية مفاوضات إنهاء الحرب العراقية الإيرانية وتأمين انسحاب السوفيت من أفغانستان واستقلال ناميبيا وكان من بعض جوانب فشله أزمة الرهائن الأمريكية فى إيران …. وقد أعقبه في الموقع المصري دكتور بطرس غالى 1992- 1996 الذى صاغ أجندة السلام الجديدة إلا أن المنظمة قد بان عجزها فى سربنيستا عام 1995 ورواندا 1994 ولم تكن الإدارة الأمريكية على وفاق معه فاستخدمت حق النقض فكان الوحيد الذي لم يمنح تجديداً لفترة ثانية ، أما الغاني كوفي عنان الذي تولى موقع الأمين العام خلال 1997- 2006 فقد تبنت الأمم المتحدة في عهده أهداف الألفية وتشكل مجلس حقوق الإنسان وأتى بمفهوم مسؤولية الحماية بينما سجلت المنظمة إخفاقات في منع الغزو الأمريكي للعراق وفضائح برامج النفط مقابل الغذاء وبعض انتهاكات قوات حفظ السلام في أفريقيا .. وقاد خلفه الكوري بان كي مون 2007- 2016 الجهود الدولية لابرام اتفاق باريس للمناخ ، وأهداف التنمية المستدامة خلفاً لأهداف الألفية وتفعيل وكالة الأمم المتحدة للمرأة بينما سجلت المنظمة إخفاقات عدة إزاء أزمات سوريا واليمن وليبيا.. أما المنتهية ولايته غوتيريش فقد قاد جهود التصدى لجائحة كوفيد 19 وقضايا التغير المناخي كما رعى اتفاق الحبوب في البحر الأسود 2022 لتخفيف أزمة الغذاء العالمية الناجمة عن الحرب الأوكرانية التي فشلت المنظمة في التعامل معها ومع أوضاع غزة والشرق الأوسط وإيران وتجاوزات الحقبة الترامبية..
هذه المرة ضمت قائمة المرشحين أربع سيدات تطلعاً لمنح الموقع لامرأة لأول مرة إلى جانب مرشحين آخرين، فشملت ميشيل باشيليت الرئيسة السابقة لتشيلي ومفوضة الأمم المتحدة السابقة لحقوق الإنسان، إلا أنها انسحبت من السباق لحجب حكومة تشيلي الجديدة الدعم عنها ولقراءتها الخاصة للاستطلاعات، و رييكا غرنسبان نائبة رئيس كوستاريكا سابقاً والأمين العام لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “أونكتاد”، وماريا فيرناندز اسبنوزا رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة للدورة 73 ومندوبة
دائمة لإكوادور بنيويورك ووزيرة خارجية سابقة، و كارولين رودريغيز بيركيت وزيرة خارجية سابقة ومندوبة دائمة لغيانا لدى الأمم المتحدة ، وضمت القائمة الأرجنتيني رافاييل غروسي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية و ماكي سال رئيس السنغال السابق، و أولارا اوتونو وزير خارجية يوغندا السابق ومندوبها الدائم السابق بنيويورك وممثل الأمين العام بشان الأطفال والنزاعات المسلحة.
إلى جانب انسحاب ماكي سال كتطور هام يعكس خروج أفريقيا من السباق حيث لا أمل يرجى من ترشيح أوتونو ، فإن الاستطلاعات قد عكست أيضا أن فرص مرشحي أمريكا اللاتينية هي الأخرى ليست بأحسن حال، فكل المرشحين يتهددهم الفيتو ليس فقط من الولايات المتحدة التي عبرت عن عدم اقتناعها بالمرشحين وقدرتهم على تنفيذ إصلاحاتها وإنما من الأعضاء الدائمين الآخرين الذين وضح من حركة الاستطلاعات الملونة أنهم يخبّئون كروتاً حمراء لاستخدامها، وربما تحدث مفاجآت من شاكلة رغبة ترامب في قيادة رئيس الفيفا انفانتينو للأمم المتحدة بل وترشيح الإمارات العربية للدبلوماسية وزيرة الدولة لانا زكى نسيبة..
إلى حين ظهور أي تطورات أو مفاجآت متصلة باختيار الأمين العام الجديد فإن العملية ستظل محكومة بنظرية الأواني المستطرقة الفيزيائية والتي تنص على أن السائل يرتفع إلى نفس المستوى في جميع الأواني المتصلة بغض النظر عن شكلها نسبة لتساوي الضغط الجوي المؤثر عليها ، ولذلك فإن تعادل ضغوط دول الفيتو لايتيح لأي مرشح أن يستقر على جودي منصب الأمين العام إلا إذا تعادلت وتوازنت رؤى الدول الخمس حوله فيفوز المرشح الذي يمثل نقطة التوازن ولايشكل تهديداً لمصالح أي قوة عظمى ..