صدى الحقيقة

الأمم المتحدة … و أحذية التاريخ

السفير عبد المحمود عبد الحليم
السفير عبد المحمود عبد الحليم
✍️ كتابات حرة
09 Oct 2026 • 👁 5
شارك الخبر:

صعد الرئيس الفنزويلي السابق هوغو شافيز إلى منصة الخطابة بقاعة الجمعية العامة للامم المتحدة فى دورتها عام 2006 بعد يوم من خطاب الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن ، فبدأ بتغطية أنفه وقال مستخفاً بالرئيس بوش “لقد جاء الشيطان إلى هنا بالأمس ومازالت رائحة الكبريت تفوح فى هذا المكان حتى الآن”؛ وقال إن رئيس الولايات المتحدة طاغية وكاذب.. ثم استعاذ من “الشيطان” برسم علامة الصليب على صدره ..

أعاد ماقام به شافيز إلى الأذهان من على ذات المنبر عام 2009 قيام الرئيس معمر القذافى بتمزيق كتيب ميثاق الأمم المتحدة إقرارا بفشلها فى نهاية بيانه المطول أمام تلك الدورة التى كانت رئاستها قد آلت لوزير الخارجية السابق ومندوبها لدى الأمم المتحدة على عبد السلام التريكي ..

مساجلات نيويورك تملأ الدنيا عادة وتشغل الناس وتتناقلها الأجيال ، فما تزال حاضرة حادثة تمزيق وزير خارجية باكستان وقتها ذو الفقار على بوتو لمشروع قرار مجلس الأمن عام 1971 الذى وصفه بوتو بأنه يشرعن ويكافئ الهند على عدوانها وحربها على باكستان التي أدت لولادة بنغلاديش ، وقد صرخ فى وجه الوفود والتي كان من بينها مندوب الولايات المتحدة السفير بوش الأب أنه لايريد إضاعة الوقت مع مثل هذا المجلس المنحاز قبل أن يغادر القاعة منسحباً مع أفراد وفده … أما حذاء خروتشوف الذى طرق به وبقوة منضدة الجمعية العامة احتجاجاً على هجوم مندوب الفلبين على السياسات السوفيتية فقد فاقت شهرته “حذاء الفيفا الذهبى” الذي فاز به من النجوم الكبار جارنيشيا واوزيبيو ورونالدو وكليان امبابي قبل أن يطل من وراء القرون لقاعة مجلس الأمن “شسع نعل كليب” باستدعاء سوداني …

غريبة أيضاً أقدار السياسة.. يعود شافيز إلى بلاده فيفتك به داء عضال .. ويعود وزير خارجيته ونائبه الرئيس مادورو إلى مانهاتن ليس بمبعدة عن مبنى الأمم المتحدة ،الذي وصفه بطرس غالي فى كتابه أنه “مبنى من زجاج” ، مأسوراً بقرصنة أمريكية… أما القذافي فقد استهدفت موكبه الهارب إلى سرت طائرات الناتو وتم الاجهاز عليه في ذلك المخبأ… ويلقى بوتو حتفه بمقصلة نصبها له إعداماً الجنرال ضياء الحق ولم تغفر له أنه كان وراء قنبلة الردع النووى الباكستانية، ثم تضحك الأقدار على ضياء الحق فتقتله مانجو البنجاب التي كان يحب تذوقها فيلقى حتفه في حادث سقوط طائرته بسبب كراتين مانجو كانت مفخخة وحملت على متنها، ويرحل خورتشوف والاتحاد السوفيتى القديم مثل رحيل الفصول لايفان بونين فى “تفاح انطونوف” وتغير المواسم فى “بستان الكرز ” لانطون تشيخوف ….

غاب هؤلاء وبقيت أصداء مواقفهم…

في قاعات الأمم المتحدة يلقى الدبلوماسيون كلماتهم كمن يغرس فى الريح راية.. يقفون خلف المنابر بملامح حاسمة ثم يحملون أوراقهم ويغادرون.. تطفأ خلفهم الأضواء وتخلو المقاعد لكن الصدى لايموت بل يترك أثراً يرفض الزوال وتولد من رحمه الدروس المستفادة والمواقف … قد يغيب الصوت خلف أستار الزمن لكن يبقى الصدى حارساً للتاريخ..

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.