صدى الحقيقة

الحوار السوداني–السوداني.. محاولة جديدة لكسر جدار الحرب أم طريق شائك نحو التوافق؟

الحوار السوداني–السوداني.. محاولة جديدة لكسر جدار الحرب أم طريق شائك نحو التوافق؟
تقارير
30 Aug 2026 👁 18
صدى الحقيقة - تقرير خاص
شارك الخبر:

في وقت يرزح فيه السودان تحت وطأة حرب دخلت عامها الرابع، ويزداد فيه الانقسام السياسي والمجتمعي حول مستقبل البلاد، دخلت مبادرة تهيئة الحوار السوداني–السوداني مرحلة جديدة بعقد مؤتمر صحفي بالعاصمة الخرطوم، بهدف تقديم رؤية المبادرة وشرح طبيعة عمل اللجنة التيسيرية وخطتها لفتح الطريق أمام حوار سوداني شامل.

وتأتي الخطوة في ظل مشهد شديد التعقيد، تتداخل فيه الحرب مع الأزمة السياسية والاقتصادية والإنسانية، بينما تتعدد المبادرات المطروحة لإنهاء الصراع وإطلاق عملية سياسية جديدة.

ولا تقدم اللجنة نفسها باعتبارها جهة ستدير الحوار أو تفرض أجندته، وإنما تطرح مهمتها باعتبارها عملية تمهيدية تقوم على التواصل مع الأطراف السودانية والاستماع إلى مواقفها، ومحاولة بناء الحد الأدنى من الثقة اللازمة للانتقال إلى حوار يشارك فيه السودانيون ويحددون قضاياه ومخرجاته.

لجنة للتهيئة وليست بديلاً عن الحوار

المشاورات قبل الأجندة

أكدت المبادرة أن مهمتها الأساسية تتمثل في تهيئة المناخ للحوار، وليس عقد الحوار نفسه أو تقديم أجندة جاهزة للأطراف.

وتسعى اللجنة، وفق ما طرحته خلال المؤتمر الصحفي، إلى إجراء مشاورات واسعة مع القوى السياسية والمدنية والمجتمعية، إلى جانب أصحاب المصلحة من مختلف مناطق السودان، بهدف التعرف على رؤاهم بشأن شكل الحوار وشروطه وضماناته والقضايا التي ينبغي أن تكون على طاولته.

وتراهن اللجنة على أن هذه المرحلة يمكن أن تساعد في تجاوز أخطاء تجارب الحوار السابقة، التي غالباً ما بدأت بالخلاف حول من يشارك ومن يضع الأجندة ومن يملك حق تحديد مخرجات العملية السياسية.

بناء الثقة أولاً

وتبدو مسألة بناء الثقة واحدة من أصعب المهام أمام اللجنة، خصوصاً في ظل الاستقطاب الحاد الذي خلفته الحرب والانقسامات السياسية التي سبقتها.

فالأطراف السودانية لا تختلف فقط حول القضايا السياسية، وإنما تحمل رؤى متباينة بشأن أسباب الحرب ومسؤولية الأطراف عنها، ومستقبل المؤسسة العسكرية، وشكل الدولة، والانتقال السياسي، والعدالة والمحاسبة.

ولهذا فإن إقناع هذه الأطراف بالدخول في مشاورات مشتركة سيكون اختباراً مبكراً لقدرة المبادرة على تجاوز الاصطفافات السياسية.

عثمان ميرغني: المهمة صعبة لكنها ليست مستحيلة

صورة داخل التقرير

السلام ليس الهدف النهائي

وخلال المؤتمر الصحفي، أقر المهندس عثمان ميرغني، عضو لجنة الحوار السوداني–السوداني، بصعوبة المهمة التي تواجه اللجنة، لكنه أكد أنها ليست مستحيلة.

وأشار إلى أن نجاح الحوار لا يمكن أن يكون مسؤولية اللجنة وحدها، وإنما يحتاج إلى إرادة وطنية أوسع، مؤكداً أن الوصول إلى السلام يجب ألا يكون غاية منفصلة عن المستقبل الذي يريده السودانيون.

ويرى ميرغني أن السلام ينبغي أن يكون مدخلاً لإعادة بناء الدولة وتحقيق التنمية والاستقرار والرفاه، وليس مجرد اتفاق ينهي القتال من دون معالجة جذور الأزمة.

ضمانات للمشاركين.. العقدة الأكبر

كيف يشارك السودانيون من الخارج؟

تطرح المبادرة قضية الضمانات باعتبارها أحد الملفات الأساسية التي ينبغي حسمها قبل الانتقال إلى الحوار.

وتكتسب القضية أهمية خاصة بالنسبة للسودانيين الموجودين خارج البلاد، والذين قد يرغبون في العودة للمشاركة في المشاورات أو الحوار، لكنهم يحتاجون إلى ضمانات واضحة بشأن سلامتهم وحريتهم في التعبير والمشاركة.

وتدعو المبادرة إلى أن تكون الضمانات المقدمة للمشاركين واضحة ومكتوبة وقابلة للتحقق، بما يطمئن مختلف الأطراف إلى أن المشاركة لن تعرض أصحابها لملاحقات أو إجراءات بسبب مواقفهم السياسية.

كما تؤكد ضرورة أن يقتصر دور الدولة على توفير الأمن والحماية والتسهيلات، دون أن تتحول إلى جهة تحدد المشاركين أو تفرض أجندة الحوار أو تتدخل في مخرجاته.

هل يكون الحوار داخل السودان؟

الخرطوم أمام اختبار جديد

يمثل مكان انعقاد الحوار إحدى أكثر القضايا حساسية في المبادرة.

فطرح عقد الحوار داخل السودان يحمل دلالة سياسية مهمة، باعتبار أن الحوار السوداني ينبغي أن يتم داخل البيئة التي يعيش فيها السودانيون ويواجهون فيها آثار الحرب.

لكن هذا الخيار يواجه في الوقت نفسه تحديات كبيرة، خصوصاً بالنسبة للقوى والشخصيات الموجودة خارج البلاد، والتي قد تربط مشاركتها بتوفير ضمانات سياسية وأمنية حقيقية.

ومن هنا فإن نجاح خيار الحوار الداخلي سيظل مرتبطاً بمدى قدرة اللجنة على تقديم تطمينات مقنعة، وتحويلها من تعهدات سياسية إلى ترتيبات عملية يمكن للمشاركين الوثوق بها.

لا أجندة مسبقة ولا إقصاء

من يحدد أطراف الحوار؟

تؤكد المبادرة أن تحديد المشاركين في الحوار يجب ألا يتحول إلى وسيلة للإقصاء السياسي.

وتطرح اللجنة تصوراً يقوم على توسيع قاعدة المشاركة لتشمل القوى السياسية والمدنية والمجتمعية، إلى جانب الفئات والمكونات التي ترى نفسها صاحبة مصلحة مباشرة في مستقبل السودان.

ويعكس هذا الطرح إدراكاً بأن الأزمة السودانية لم تعد مجرد خلاف بين قوى سياسية، وإنما أصبحت أزمة دولة ومجتمع، تتداخل فيها قضايا الحرب والهوية والتنمية والعدالة والموارد والعلاقة بين المركز والأقاليم.

لكن توسيع المشاركة يطرح في المقابل سؤالاً صعباً: كيف يمكن تحديد الأطراف التي تستحق المشاركة من دون أن يتحول الحوار إلى مؤتمر ضخم يعجز عن اتخاذ القرارات؟

وهذه واحدة من القضايا التي سيكون على مرحلة المشاورات الإجابة عنها.

الرافضون يضعون المبادرة أمام اختبار حقيقي

صورة داخل التقرير

الحوار لا يحظى بإجماع سياسي

رغم الدعوات إلى الحوار، فإن المبادرة لا تتحرك في بيئة سياسية متوافق عليها.

فبعض القوى السياسية والحركات المسلحة تنظر إلى أي حوار في ظل استمرار الحرب باعتباره سابقاً لأوانه، أو ترى أن البيئة السياسية والأمنية الحالية لا توفر شروطاً عادلة لحوار متوازن.

ومن أبرز المواقف الرافضة، موقف حركة تحرير السودان بقيادة عبدالواحد محمد نور، التي أعلنت رفضها للحوار الذي دعا إليه رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان.

ويعني ذلك أن اللجنة لا تواجه فقط مهمة تنظيم المشاورات، وإنما تواجه أيضاً مهمة إقناع القوى الرافضة بأن العملية المقترحة ليست محاولة لإعادة إنتاج ترتيبات سياسية سابقة أو منح شرعية لطرف على حساب آخر.

الحرب تفرض أجندتها

السؤال الذي لا يمكن تأجيله

مهما اختلفت الأطراف حول شكل الحوار، فإن الحرب ستظل حاضرة في صدارة أي عملية سياسية سودانية.

فالحرب لم تنتج فقط خسائر بشرية ومادية، وإنما خلقت واقعاً جديداً من النزوح واللجوء وانهيار الخدمات وتدمير البنية التحتية وتراجع الاقتصاد وتفكك العلاقات الاجتماعية.

ولهذا فإن أي حوار جاد سيكون مطالباً بالإجابة عن مجموعة من الملفات الشائكة، أبرزها وقف الحرب، وترتيبات الأمن، ومستقبل القوات المسلحة والقوات النظامية، ونزع السلاح، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، والعدالة والمحاسبة، وعودة النازحين واللاجئين، وإعادة الإعمار، والانتقال السياسي.

وهذه القضايا لا يمكن فصلها عن السؤال الأهم: كيف يمكن ضمان عدم عودة السودان إلى الحرب مرة أخرى؟

من يملك الحوار؟

المبادرة أمام سؤال الشرعية

ربما يكون السؤال الأهم الذي ستواجهه اللجنة خلال المرحلة المقبلة هو: من يملك الحوار السوداني–السوداني؟

فإذا كان الحوار سودانياً بالفعل، فإن شرعيته ينبغي أن تأتي من الأطراف السودانية نفسها، وليس من جهة خارجية أو طرف سياسي واحد.

وتحتاج اللجنة إلى إثبات قدرتها على التعامل مع القوى المختلفة بالمسافة نفسها، والاستماع إلى المؤيدين والرافضين على حد سواء، وعدم تحويل مرحلة التهيئة إلى منصة لتسويق رؤية سياسية بعينها.

كما أن نجاحها يتطلب قدراً كبيراً من الشفافية في اختيار المشاركين، وإدارة المشاورات، وإعلان نتائجها للرأي العام.

اختبار صعب أمام اللجنة

من المؤتمر الصحفي إلى العمل على الأرض

مع انعقاد المؤتمر الصحفي، تنتقل المبادرة من مرحلة الإعلان عن فكرة الحوار إلى مرحلة أكثر صعوبة، وهي اختبار قدرتها على التحرك بين الأطراف المتباعدة.

فالنجاح لن يقاس بعدد البيانات أو المؤتمرات الصحفية، وإنما بقدرة اللجنة على فتح قنوات اتصال مع أطراف تختلف جذرياً حول الحرب والسياسة ومستقبل الدولة.

كما سيكون عليها أن تثبت أن مرحلة التهيئة ليست مجرد خطوة شكلية تسبق حواراً محدد النتائج مسبقاً، وإنما عملية حقيقية تستمع إلى السودانيين وتترك لهم حق تحديد شكل الحوار وقضاياه ومخرجاته.

السودان أمام فرصة.. ولكن

يبحث السودانيون منذ اندلاع الحرب عن طريق للخروج من دائرة القتال والانقسام، لكن التجارب السابقة جعلت قطاعات واسعة من المجتمع أكثر حذراً تجاه المبادرات السياسية.

ولهذا فإن مبادرة الحوار السوداني–السوداني تواجه معادلة دقيقة: عليها أن تقنع المؤيدين بأن الحوار يمكن أن ينتج حلاً حقيقياً، وأن تقنع الرافضين بأنهم لن يكونوا ضحايا لعملية إقصاء سياسي جديدة.

وبينما تقول اللجنة إنها تسعى إلى تهيئة الطريق أمام حوار يملكه السودانيون، يبقى الاختبار الحقيقي في قدرتها على تحويل هذه المبادئ إلى ممارسة على الأرض.

فالسودان لا يحتاج إلى حوار جديد لمجرد الحوار، وإنما إلى عملية سياسية تستطيع معالجة جذور الأزمة، وإنهاء الحرب، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وفتح الطريق أمام نظام سياسي يحظى بقبول واسع.

وفي بلد أنهكته الحرب والانقسامات، ربما تكون أصعب مهمة أمام أي مبادرة ليست جمع السودانيين حول طاولة واحدة، وإنما *إقناعهم بأن هذه المرة لن تكون الطاولة مجرد محطة جديدة في طريق الأزمة، بل بداية فعلية للخروج منها.*