صدى الحقيقة

النيجر أمام اختبار جديد.. هل يهتز تحالف دول الساحل؟

النيجر أمام اختبار جديد.. هل يهتز تحالف دول الساحل؟
تقارير
29 Aug 2026 👁 9
صدى الحقيقة - تقرير خاص
شارك الخبر:

لم يعد الهجوم الذي هز العاصمة النيجرية نيامي فجر السبت مجرد حادث أمني جديد في بلد يعيش منذ سنوات تحت ضغط الجماعات المسلحة، بل تحول إلى اختبار مباشر لقدرة السلطة التي يقودها الجنرال عبد الرحمن تياني على الحفاظ على تماسك الدولة ومؤسساتها والسيطرة على العاصمة، في وقت تتزايد فيه الضغوط الأمنية والاقتصادية والسياسية على النظام.

فالهجوم الذي استهدف مطار نيامي ومقر الرئاسة، وتخللته اشتباكات وانفجارات استمرت لساعات، لم يكن مصدر القلق فيه حجم القوة المستخدمة فقط، وإنما ما أوردته مصادر أمنية من مشاركة جنود من مناطق في جنوب غربي البلاد، وهي مناطق تتحمل منذ سنوات العبء الأكبر من المواجهات مع الجماعات المسلحة المرتبطة بتنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية.

وبينما أعلنت وزارة الدفاع أن القوات المسلحة تستعيد تدريجياً السيطرة على المواقع المستهدفة، أفادت مصادر أمنية بأن عناصر متمردة ظلت موجودة في محيط المطار، في وقت بدا فيه أن القوات الموالية للحكومة تمكنت من تأمين القصر الرئاسي.

ولم يتضح بعد عدد الجنود الذين شاركوا في الهجوم أو مستوى تنظيمهم أو الجهة التي تقف وراء التحرك، كما لم تتضح بصورة نهائية أهدافهم السياسية. لكن مجرد انتقال التوتر من مناطق القتال إلى قلب العاصمة يضع حكم تياني أمام معادلة مختلفة؛ فالمشكلة لم تعد فقط في مواجهة تمرد مسلح خارج مؤسسات الدولة، وإنما في احتمال ظهور تململ داخل الوحدات العسكرية نفسها.

من وعد الأمن إلى اختبار المؤسسة العسكرية

صورة داخل التقرير

وصل تياني إلى السلطة في يوليو 2023 بعد انقلاب أطاح بالرئيس المنتخب محمد بازوم، وقدم المجلس العسكري منذ ذلك الوقت نفسه باعتباره البديل القادر على استعادة الأمن والسيادة الوطنية وإنهاء ما وصفه بفشل النظام السابق وشركائه الغربيين في حماية البلاد. غير أن الواقع الأمني ظل أكثر تعقيدًا.

فالنيجر، مثل مالي وبوركينا فاسو، لم تتمكن من إنهاء الهجمات المسلحة رغم إعادة تشكيل تحالفاتها العسكرية والأمنية، وتصاعد الخطاب السياسي الذي يركز على السيادة الوطنية والاستقلال عن القوى الغربية.

وتشير مشاركة وحدات من المناطق الحدودية في الهجوم، إذا تأكدت بصورة نهائية، إلى عامل بالغ الأهمية وهو الإرهاق العسكري.

فالقوات المنتشرة في غرب النيجر تواجه جماعات مسلحة تنشط عبر الحدود مع مالي وبوركينا فاسو، بينما أدت الخسائر البشرية المتراكمة وطول أمد الحرب إلى زيادة الضغوط على الوحدات الميدانية. ومن هنا يمكن فهم الحديث المتزايد عن الإحباط داخل بعض الوحدات العسكرية، باعتباره أحد العوامل التي قد تفسر أي توتر داخل المؤسسة العسكرية، وإن كان من المبكر الجزم بأنه يمثل تمرداً واسعاً أو انقساماً مؤسسياً.

عاصمة تتعرض للتهديد من الداخل والخارج

ويزيد الوضع تعقيداً أن نيامي نفسها لم تعد بعيدة عن دائرة الاستهداف.

فقد تعرض المطار المدني والقاعدة الجوية العسكرية في العاصمة في وقت سابق من العام لهجمات نسبت مسؤوليتها إلى جماعات مرتبطة بتنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية. وأعلن فرع تنظيم القاعدة في غرب أفريقيا مسؤوليته عن هجوم على مطار نيامي في يونيو، بعد نحو خمسة أشهر من استهداف تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل للموقع ذاته.

ولذلك كان من الطبيعي أن تتجه الشكوك الأولى، عقب سماع الانفجارات وإطلاق النار فجر السبت، نحو الجماعات المسلحة.

لكن الرواية الرسمية اللاحقة قدمت صورة مختلفة، إذ قالت السلطات إن جنودًا متمردين أطلقوا النار من قاعدة عسكرية داخل العاصمة على مواقع حساسة، قبل أن تتحرك قوات الأمن لاحتواء الاضطراب.

وهنا تكمن حساسية التطور: إذا ثبت أن منفذي الهجوم جنود بالفعل، فإن التهديد الذي واجهته السلطة لم يكن صادراً هذه المرة من خارج الدولة، وإنما من داخل الجهاز الذي تعتمد عليه السلطة أساساً للبقاء.

انقلاب النيجر لم يكن حدثاً منفرداً

صورة داخل التقرير

لا يمكن قراءة ما يجري في نيامي بمعزل عن التحولات التي شهدتها منطقة الساحل خلال السنوات الأخيرة.

فمالي وبوركينا فاسو سبقتا النيجر إلى الانقلابات العسكرية، وأصبحت الدول الثلاث تمثل كتلة سياسية وأمنية جديدة في غرب أفريقيا، بعد أن أعلنت خروجها من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا «إيكواس»، وشكلت تحالف دول الساحل.

وقدمت الحكومات العسكرية الثلاث هذا التحالف باعتباره إطاراً لاستعادة القرار السيادي والتعاون المشترك في مواجهة الجماعات المسلحة، بالتوازي مع تقليص العلاقات العسكرية والسياسية مع فرنسا والدول الغربية وتعزيز العلاقات مع روسيا.

لكن المفارقة أن الدول الثلاث تواجه المشكلة الأمنية ذاتها تقريباً: جماعات مسلحة عابرة للحدود، مساحات واسعة يصعب على الجيوش السيطرة عليها، حدود رخوة، وخسائر عسكرية ومدنية متواصلة.

وبالتالي، فإن ما يحدث في النيجر لا يخص النيجر وحدها.

فإذا كان الهجوم مجرد تحرك محدود وتمكنت السلطات من احتوائه سريعاً، فقد يكون أثره الإقليمي محدوداً. أما إذا اتضح وجود انقسام أوسع داخل الجيش أو ظهرت وحدات أخرى مترددة في دعم القيادة، فإن تداعيات ذلك ستصل مباشرة إلى مالي وبوركينا فاسو، ليس فقط لأن الدول الثلاث تشكل تحالفاً سياسياً وعسكرياً، وإنما لأن أي اهتزاز في إحدى حلقاته قد يعيد طرح السؤال حول قدرة نموذج الحكم العسكري في الساحل على الاستمرار.

مالي وبوركينا فاسو.. هل ينتقل القلق؟

تراقب باماكو وواغادوغو ما يحدث في نيامي بعين مختلفة عن بقية العواصم الأفريقية.

فالأنظمة العسكرية في الدول الثلاث تشترك في سردية سياسية واحدة تقريباً: الجيش جاء لإنقاذ الدولة من فشل الحكومات المدنية، وإنهاء النفوذ الخارجي، وإعادة بناء القدرات العسكرية الوطنية.

لكن هذه السردية تعتمد في جوهرها على نتيجة واحدة: تحقيق تحسن ملموس في الأمن.

وإذا استمرت الهجمات المسلحة أو انتقلت الضغوط إلى داخل الجيوش، فقد تبدأ هذه المعادلة في إنتاج أثر عكسي؛ إذ يمكن أن يتحول العبء الأمني المستمر من مصدر لتبرير بقاء العسكريين في السلطة إلى مصدر للتذمر داخل المؤسسة العسكرية نفسها.

وهذا لا يعني أن سيناريو الانقلاب في نيامي سيتكرر تلقائياً في باماكو أو واغادوغو، لكنه يجعل أداء الجيوش الثلاثة في مواجهة التحديات الأمنية أكثر ترابطاً من السابق.

فنجاح النيجر في احتواء التمرد المحتمل سيعزز صورة التماسك داخل تحالف دول الساحل، بينما اتساع الأزمة قد يضعف الثقة في قدرة الأنظمة العسكرية على إدارة المعركة التي بنت جزءاً كبيراً من شرعيتها السياسية عليها.

روسيا بدل الغرب.. تحالف تحت الاختبار

منذ انقلاب 2023، قطعت النيجر مسافة واسعة عن شركائها الغربيين، خصوصاً فرنسا، واتجهت إلى تعزيز علاقاتها مع روسيا، في تحول شابه ما حدث في مالي وبوركينا فاسو.

وكان هذا التحول جزءاً من إعادة صياغة كاملة للسياسة الخارجية والأمنية في دول الساحل، لكنه لم ينه التهديد المسلح.

وهنا تظهر واحدة من أكثر المفارقات أهمية في المشهد الحالي: التحالفات الخارجية تغيرت، لكن التحدي الأمني الأساسي لم يتغير بالسرعة نفسها.

فالجماعات المرتبطة بالقاعدة والدولة الإسلامية ما زالت قادرة على تنفيذ عمليات في مناطق مختلفة، بما فيها محيط العاصمة، بينما تواجه القوات الحكومية صعوبات في تأمين مناطق شاسعة وحدود طويلة.

ومن ثم فإن الاختبار الحقيقي للسلطات العسكرية لن يكون في قدرتها على تغيير الشركاء الدوليين فقط، وإنما في قدرتها على تحويل هذا التغيير إلى مكاسب أمنية ملموسة على الأرض.

اليورانيوم.. الوجه الآخر للأزمة

صورة داخل التقرير

وفي الخلفية يقف عامل اقتصادي وجيوسياسي لا يقل أهمية: اليورانيوم.

فالنيجر دولة غنية باليورانيوم والنفط والذهب، وظل اليورانيوم لعقود محوراً رئيسياً لعلاقتها بفرنسا وأوروبا. لكن العلاقة دخلت مرحلة صدامية بعد الانقلاب، وتصاعدت معها رغبة السلطات الجديدة في إعادة السيطرة على الموارد الطبيعية.

واستولت السلطات النيجرية على أصول شركة أورانو الفرنسية العاملة في قطاع اليورانيوم، فيما أظهر مرسوم صدر الأسبوع الماضي إعادة تخصيص تراخيص استخراج كانت مملوكة سابقاً لشركتي أورانو وجوفي إكس إلى شركات مدعومة من الدولة.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية تتجاوز الاقتصاد الداخلي؛ إذ كانت النيجر مورداً مهماً للوقود النووي إلى أوروبا، وكانت توفر، عند تشغيل عملياتها بكامل طاقتها، نحو 15% من إمدادات اليورانيوم التي تعتمد عليها شركة أورانو.

وبذلك تتقاطع في النيجر ثلاثة مسارات في وقت واحد: صراع أمني مع الجماعات المسلحة، وإعادة تشكيل للتحالفات الدولية، وإعادة توزيع للسيطرة على الموارد الاستراتيجية.

السؤال الأكبر: أزمة سلطة أم أزمة جيش؟

قد تنجح السلطات في احتواء هجوم السبت كما أعلنت، وقد يتضح خلال الساعات أو الأيام المقبلة أن التحرك كان محدوداً ولم يمثل انقساماً واسعاً داخل المؤسسة العسكرية. لكن أهمية الحدث لا تتوقف على نتيجته المباشرة.

فإذا تأكدت مشاركة جنود قادمين من مناطق تشهد قتالاً عنيفاً، فإن ذلك يطرح تساؤلاً جوهرياً حول العلاقة بين القيادة العسكرية والوحدات الميدانية، وحول ما إذا كانت الخسائر المتراكمة والضغط الأمني بدأ أنهما ينتجان تململاً سياسياً داخل الجيش.

وفي المقابل، فإن قدرة تياني على إعادة فرض السيطرة بسرعة، والحفاظ على ولاء الوحدات العسكرية، ومنع تكرار مثل هذه التحركات، ستكون اختبارًا حقيقيًا لمدى تماسك النظام.

الأهم أن النيجر لم تعد حالة منفصلة عن محيطها. فهي جزء من منظومة سياسية وأمنية جديدة في الساحل تضم مالي وبوركينا فاسو، وكل واحدة من هذه الدول تنظر إلى الأخرى باعتبارها جزءاً من تجربة واحدة في الحكم العسكري وإعادة بناء التحالفات.

لذلك، فإن ما حدث في نيامي قد ينتهي إلى مجرد تمرد محدود جرى احتواؤه، لكنه قد يكون أيضاً جرس إنذار مبكراً بشأن الضغوط التي بدأت تتراكم داخل النموذج العسكري الجديد في الساحل.

وفي الحالتين، ستبقى المعادلة الأساسية واحدة: ما لم تتمكن حكومات النيجر ومالي وبوركينا فاسو من تحقيق تحسن أمني ملموس، فإن الفجوة بين الوعود التي رافقت الانقلابات والواقع الميداني ستظل مصدراً محتملاً لاضطرابات جديدة، داخل المجتمعات أو داخل الجيوش نفسها.

المصدر: صدى الحقيقة