صدى الحقيقة

الجنائية الدولية: العقوبات الأميركية على القضاة تقوض سيادة القانون

الجنائية الدولية: العقوبات الأميركية على القضاة تقوض سيادة القانون
تقارير
18 Aug 2026 👁 43
صدى الحقيقة: تقرير تحليلي
شارك الخبر:

صعّدت الولايات المتحدة ضغوطها على المحكمة الجنائية الدولية، بفرض عقوبات جديدة على رئيسة المحكمة القاضية اليابانية *توموكو أكاني*، في خطوة اعتُبرت أحدث حلقات التصعيد الأميركي ضد المحكمة واختباراً جديداً لاستقلال القضاء الدولي وسيادة القانون.

وأعلنت الإدارة الأميركية، الثلاثاء 18 أغسطس 2026، إدراج أكاني على قائمة العقوبات، إلى جانب المدعي بالمحكمة عبد الله سيي، على خلفية ما وصفته واشنطن بمشاركتهما في جهود للمحكمة للتحقيق مع مسؤولين من دول لا تعترف باختصاصها. وتأتي العقوبات في سياق حملة أميركية متصاعدة ضد المحكمة منذ إصدارها مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت في نوفمبر 2024، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة.

وتفرض العقوبات الأميركية قيوداً مالية واسعة على المستهدفين، تشمل تجميد أي أصول لهم تقع ضمن الولاية الأميركية، وقطع الوصول إلى النظام المالي الأميركي، وهو ما يمكن أن يعرقل بصورة كبيرة تعاملاتهم المالية والعملية، حتى خارج الولايات المتحدة، نظراً للدور المحوري للنظام المالي الأميركي في المعاملات الدولية.

تصعيد يطاول رأس المحكمة

ويكتسب استهداف أكاني أهمية خاصة لكونها تتولى رئاسة المحكمة الجنائية الدولية، التي تأسست عام 2002 للنظر في أخطر الجرائم الدولية، بينها الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

ويأتي القرار بعد سلسلة عقوبات أميركية طالت خلال العام الماضي مسؤولين وقضاة ومدعين في المحكمة، في أعقاب تحركات المحكمة المتعلقة بالوضع في فلسطين، فضلاً عن تحقيقات سابقة شملت أفعالاً منسوبة إلى أفراد من القوات الأميركية في أفغانستان. والولايات المتحدة وإسرائيل ليستا طرفين في نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة ولا تعترفان باختصاصها القضائي.

وتقول واشنطن إن المحكمة تجاوزت حدود اختصاصها واستهدفت مسؤولين من دول لم توافق على ولايتها، بينما ترى المحكمة وأنصارها أن استقلالها القضائي لا يمكن أن يخضع للضغوط السياسية أو الاقتصادية التي تمارسها الدول على خلفية قرارات قضائية لا تحظى بقبولها.

قضاة المحكمة في مواجهة العقوبات

وكان ثلاثة من قضاة المحكمة الجنائية الدولية قد لجأوا في يونيو الماضي إلى القضاء الأميركي للطعن في العقوبات المفروضة عليهم، معتبرين أنها غير قانونية وتهدف إلى ممارسة ضغط خارج الإطار القضائي على القضاة ومعاقبتهم على قراراتهم القضائية.

والقضاة الثلاثة هم الكندية كيمبرلي بروست، والأوغندية سولومي بالونغي بوسا، والبنينية رين أديلايد صوفي ألابيني غانسو. وقالوا في الدعوى إن العقوبات تمثل محاولة للضغط عليهم وإكراههم بسبب قيامهم بمهامهم القضائية.

ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه المحكمة انتقادات وضغوطاً متزايدة من قوى دولية مختلفة، الأمر الذي أثار مخاوف حقوقية من أن تتحول العقوبات السياسية والاقتصادية إلى وسيلة لتقييد قدرة المؤسسات القضائية الدولية على أداء مهامها.

حقوقيون: استهداف القضاة يهدد العدالة الدولية

وفي أغسطس الجاري، رفعت أربع منظمات حقوقية أميركية، بينها هيومن رايتس ووتش ومركز الحقوق الدستورية، دعوى قضائية ضد إدارة الرئيس دونالد ترامب، معتبرة أن نظام العقوبات المفروض على المحكمة ومن يتعاون معها يمثل هجوماً على العدالة الدولية ويقوض الجهود الرامية إلى محاسبة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

وقالت المنظمات إن العقوبات لا تستهدف أفراداً بعينهم فحسب، وإنما يمكن أن تؤثر في قدرة المحكمة والمتعاونين معها على الوصول إلى العدالة، معتبرة أن الضغط على القضاة والمدعين والمحامين يضرب المبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام القانوني الدولي.

وأكدت المنظمات أن العقوبات تمثل، بحسب توصيفها، هجوماً على سيادة القانون واستقلال القضاة والمدعين والمحامين، محذرة من أن إضعاف المحكمة قد ينعكس على قدرة المجتمع الدولي على ملاحقة مرتكبي أخطر الجرائم عندما تفشل الأنظمة الوطنية في القيام بذلك.

معركة تتجاوز المحكمة

ولا تبدو المواجهة بين واشنطن والمحكمة الجنائية الدولية مجرد خلاف قانوني بشأن الاختصاص، بل تتخذ بعداً أوسع يتعلق بمستقبل منظومة العدالة الدولية وحدود قدرة المؤسسات القضائية على العمل بصورة مستقلة عن إرادة القوى السياسية الكبرى.

ويرى منتقدو العقوبات أن استهداف القضاة بسبب قرارات أو إجراءات قضائية يمكن أن يبعث برسالة خطيرة إلى القضاء الدولي مفادها أن القضاة قد يواجهون عقوبات سياسية واقتصادية إذا اتخذوا قرارات لا تتوافق مع مصالح دولة قوية.

وفي المقابل، تتمسك الإدارة الأميركية بموقفها الرافض لاختصاص المحكمة على مواطني الدول غير الأعضاء، وتتهمها بتجاوز حدود ولايتها القانونية. وقد وصف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو المحكمة بأنها مؤسسة "فاسدة" و"مسيسة بصورة قاتلة"، متعهداً بمواصلة الضغط عليها.

اختبار لسيادة القانون

ومع اتساع نطاق العقوبات ليشمل رئيسة المحكمة، تتجه المواجهة إلى مرحلة أكثر حساسية، إذ لم يعد الأمر مقتصراً على الخلاف حول قرار قضائي أو ملف بعينه، وإنما بات مرتبطاً بصورة مباشرة بمبدأ استقلال القضاء الدولي.

وتضع التطورات الدول الأعضاء في المحكمة أمام اختبار صعب: كيفية حماية مؤسسة قضائية أنشئت لملاحقة أخطر الجرائم الدولية، في وقت تواجه فيه ضغوطاً من قوى كبرى لا تعترف باختصاصها.

وبينما تواصل واشنطن حملتها ضد المحكمة، تزداد المخاوف من أن يؤدي استخدام العقوبات الاقتصادية والسياسية ضد القضاة والمدعين إلى خلق سابقة تجعل استقلال القضاء الدولي رهناً بميزان القوة السياسية، وهو ما تعتبره منظمات حقوقية تهديداً مباشراً لمبدأ سيادة القانون والمساءلة عن الجرائم الدولية.

وبذلك، فإن العقوبات الأميركية الجديدة لا تفتح فصلاً جديداً في الخلاف بين واشنطن ولاهاي فحسب، بل تضع منظومة العدالة الدولية برمتها أمام سؤال جوهري: "هل يمكن للقانون الدولي أن يظل مستقلاً عندما تصبح ممارسة القضاء نفسه سبباً للعقاب السياسي؟"

المصدر: صدى الحقيقة + وكالات