صدى الحقيقة

في الذكرى الـ72 لعيد الجيش.. موجة تهانٍ غير مسبوقة للجيش وقيادته

في الذكرى الـ72 لعيد الجيش.. موجة تهانٍ غير مسبوقة للجيش وقيادته
الأخبار
15 Aug 2026 👁 17
صدى الحقيقة – الخرطوم
شارك الخبر:

من السيسي ورئيس الوزراء إلى القوى السياسية والأهلية وحركات الكفاح.. السودان يحتفي بجيشه في واحدة من أكثر مراحل الحرب حساسية

مرت أمس الذكرى الثانية والسبعون لعيد الجيش السوداني، الذي يوافق الرابع عشر من أغسطس، وسط مشهد احتفالي حمل هذه المرة دلالات سياسية ووطنية تتجاوز المناسبة العسكرية نفسها، في ظل الحرب المستمرة منذ أبريل 2023 والتطورات الميدانية التي شهدت خلال الأشهر الماضية تقدماً للقوات المسلحة والقوات المساندة لها في عدد من المحاور.

وشهدت المناسبة موجة واسعة من التهاني التي وُجّهت إلى رئيس مجلس السيادة، القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وإلى ضباط وضباط صف وجنود القوات المسلحة، بمشاركة رسمية وشعبية وسياسية وأهلية واسعة.

وشملت التهاني قيادات عربية، من بينها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، إلى جانب رئيس الوزراء السوداني الدكتور كامل إدريس، وأعضاء مجلس السيادة والحكومة، وقطاعات سياسية وأهلية، فضلاً عن حركات الكفاح المسلح والقوى المجتمعية في الولايات المختلفة.

وتأتي هذه التهاني في توقيت مختلف تماماً عن أعياد الجيش السابقة؛ إذ تحولت المناسبة من احتفال بذكرى وطنية وعسكرية إلى مناسبة تختزل مرحلة استثنائية يمر بها السودان، في ظل حرب تركت آثاراً واسعة على الدولة والمجتمع والاقتصاد.

عيد الجيش في ظل حرب لم تنتهِ

يأتي عيد الجيش هذا العام بينما لا تزال البلاد تواجه تداعيات الحرب بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، في وقت تمكنت فيه القوات المسلحة وحلفاؤها خلال الفترة الماضية من استعادة مواقع ومناطق استراتيجية، من بينها العاصمة الخرطوم، فيما تواصل العمليات العسكرية في عدد من الجبهات.

وكان رئيس الوزراء كامل إدريس قد أشاد في مناسبات سابقة بانتصارات القوات المسلحة والقوات المساندة، مؤكداً دعم الحكومة لها، كما وصف فك حصار كادوقلي في فبراير الماضي بأنه «انتصار استراتيجي وتاريخي».

كما أكد مجلس الأمن والدفاع في يوليو أن القوات المسلحة والقوات النظامية والقوات المساندة حققت انتصارات في عدد من جبهات القتال.

وفي المقابل، ما تزال الحرب مستمرة في أجزاء من البلاد، ولا تزال تداعياتها الإنسانية والأمنية والسياسية تلقي بثقلها على السودان.

تهانٍ تتجاوز المناسبة

اللافت في عيد الجيش الحالي أن التهاني لم تأتِ فقط باعتبارها مجاملة بروتوكولية بمناسبة وطنية، وإنما حمل بعضها إشارات واضحة إلى الدور الذي تؤديه القوات المسلحة في الحفاظ على مؤسسات الدولة ووحدة البلاد خلال الحرب، بما يجعلها بمثابة العمود الفقري لجسد البلاد.

وتكتسب تهنئة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أهمية خاصة بالنظر إلى العلاقات التاريخية بين البلدين، وإلى موقع الجيشين السوداني والمصري في معادلة الأمن الإقليمي.

كما أن تهنئة رئيس الوزراء السوداني والقيادات الحكومية تعكس موقف مؤسسات الدولة في المرحلة الحالية، فيما حملت تهاني القوى السياسية والأهلية وحركات الكفاح المسلح دلالة إضافية تتمثل في اتساع دائرة المساندة السياسية والمجتمعية للقوات المسلحة في هذه المرحلة.

لماذا تبدو التهاني هذا العام مختلفة؟

يصعب التعامل مع كثافة التهاني التي شهدتها المناسبة باعتبارها مجرد تكرار لما حدث في الأعياد السابقة.

فالجيش السوداني يخوض منذ أكثر من ثلاث سنوات حرباً واسعة، بينما تحولت المعركة إلى قضية مرتبطة ببقاء مؤسسات الدولة ووحدة الأراضي السودانية في الخطاب الرسمي والمؤيد للقوات المسلحة.

وكان البرهان قد أكد في أكثر من مناسبة أن قوة القوات المسلحة تستند إلى التفاف جميع قطاعات الشعب حولها، كما شدد في يوليو على أن الجيش ماضٍ في الحرب ضد مليشيا آل دقلو الإرهابية، مؤكداً رفض أي تسوية لا تحقق أمن السودانيين واستقرارهم.

ومن هنا يمكن فهم حالة الالتفاف التي أحاطت بعيد الجيش الحالي باعتبارها انعكاساً لطبيعة المرحلة نفسها.

الدعم الخارجي للمليشيا.. ملف حاضر في المشهد

ويأتي الاحتفاء بالجيش أيضاً في ظل اتهامات سودانية ودولية متكررة بوجود دعم خارجي لمليشيا آل دقلو تترأسه دولة الإمارات العربية المتحدة.

وقد وثقت منظمات حقوقية ودولية انتهاكات ارتكبتها هذه المليشيا في الحرب، فيما أثير على نطاق واسع ملف الدعم الخارجي والتسليح والتمويل الذي ساهم في إطالة أمد الصراع.

وهنا تكمن أهمية المشهد الحالي: فالقوات المسلحة لا تخوض الحرب باعتبارها صراعاً عسكرياً فقط، وإنما باعتبارها معركة للدولة والسيادة الوطنية، لذا ترى قطاعات واسعة من مؤيديها أن ما تواجهه هو تمرد مسلح مدعوم من الخارج.

من عيد عسكري إلى مناسبة وطنية جامعة

ربما تكون أهم دلالة في عيد الجيش الثاني والسبعين أن المناسبة تحولت، في ظل الحرب، إلى مساحة لإعادة التأكيد على مفهوم «جيش واحد.. شعب واحد».

وهذا الشعار ظهر بصورة متكررة في خطاب القيادة العسكرية خلال الحرب، باعتباره تعبيراً عن العلاقة بين القوات المسلحة والمجتمع.

وفي أبريل الماضي، أكد البرهان أن تلاحم الشعب مع القوات المسلحة يمثل جزءاً من تاريخ العلاقة بين الجيش والمجتمع، مستشهداً بمواقف الجيش خلال التحولات السياسية السابقة، ومؤكداً أن القوات المسلحة شريك أصيل للشعب في حماية الدولة.

هل كانت التهاني الأوسع في تاريخ عيد الجيش؟

من الصعب الجزم بأن تهاني الذكرى الـ72 هي الأوسع في تاريخ أعياد الجيش الـ71 السابقة، لكن يمكن القول إن المناسبة شهدت هذا العام حضوراً لافتاً ومتعدد المستويات للتهاني والمواقف المؤيدة للقوات المسلحة، وهو ما يعكس خصوصية الظرف الذي يمر به السودان.

فالمناسبة جاءت بعد سلسلة من التطورات العسكرية والسياسية، وفي وقت استعادت فيه مؤسسات الدولة نشاطها من الخرطوم، بينما تتواصل العمليات العسكرية في مناطق أخرى.

رسالة سياسية تتجاوز التهنئة

وراء هذا المشهد الاحتفائي رسالة سياسية واضحة: أن قطاعات واسعة من القوى السودانية ترى في القوات المسلحة المؤسسة الرئيسية القادرة على الحفاظ على الدولة في هذه المرحلة.

لكن الرسالة الأهم أمام قيادة الجيش لا تتوقف عند الاحتفال والانتصارات العسكرية، فبعد استعادة مناطق واسعة، تصبح الأسئلة التالية أكثر إلحاحاً:

كيف تُستعاد الحياة الطبيعية؟

كيف تُعاد الخدمات؟

كيف يعود النازحون؟

كيف تُحفظ حقوق المدنيين؟

كيف تتم إعادة بناء المؤسسات؟

وكيف يتحول الانتصار العسكري إلى استقرار سياسي ودولة قادرة على استيعاب جميع السودانيين؟

عيد الجيش.. اختبار للمرحلة المقبلة

والتهاني الواسعة التي أحاطت بالذكرى الـ72 تمنح القيادة العسكرية والسياسية دفعة معنوية كبيرة، لكنها في الوقت نفسه تضع أمامها مسؤولية أكبر.

فالسودانيون الذين وقفوا إلى جانب الجيش خلال الحرب ينتظرون في المقابل أن تقود الانتصارات العسكرية إلى السلام والأمن وإعادة الإعمار واستعادة الدولة والخدمات.

وهنا يصبح الاحتفال بعيد الجيش ليس فقط احتفاءً بما تحقق، وإنما مناسبة للتفكير في المرحلة التالية.

السودان أمام مفترق طرق

بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، يبدو السودان أمام مفترق طرق حاسم.

فإما أن تتحول الانتصارات العسكرية إلى فرصة لإعادة بناء الدولة وفتح الطريق أمام تسوية سياسية سودانية واسعة، وإما أن تستمر الحرب وتبقى البلاد عالقة في دائرة الاستنزاف.

ولهذا فإن عيد الجيش الثاني والسبعين جاء في لحظة تحمل مفارقة واضحة:

جيش يحتفل بانتصارات ميدانية كبيرة، وبلد لا يزال يبحث عن طريقه إلى السلام والاستقرار.

وتبقى قيمة هذه المناسبة، في نهاية المطاف، مرتبطة بما سيأتي بعدها.

فإذا كان الجيش قد خاض معركة بقاء الدولة، فإن المرحلة المقبلة ستكون معركة بناء الدولة.

عيد الجيش الـ72.. تهانٍ في زمن الحرب، ورسالة إلى المستقبل

لم تكن التهاني التي أحاطت بعيد الجيش هذا العام مجرد احتفال بذكرى تأسيس مؤسسة عسكرية؛ بل جاءت تعبيراً عن حجم التحول الذي طرأ على موقع القوات المسلحة في المشهد السوداني منذ اندلاع الحرب.

وبينما ينظر مؤيدو الجيش إلى الانتصارات الأخيرة باعتبارها استعادة لهيبة الدولة وسيادتها، يرى آخرون أن التحدي الحقيقي يبدأ بعد المعركة: كيف يتحول الانتصار إلى سلام، والالتفاف الشعبي إلى مشروع دولة، والتضحيات إلى مستقبل أكثر أمناً واستقراراً للسودانيين؟

وهذه هي المهمة الأكبر التي تنتظر قيادة الجيش والدولة في المرحلة المقبلة.

المصدر: صدى الحقيقة + وكالات