هل أخطأ إنفانتينو في قراءة العالم.. أم أن العالم هو الذي اكتشف أخيراً طريقة إدارته؟!
لم تكن الأزمة التي انفجرت داخل الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بسبب مشروع بيع جزء من الحقوق التجارية لكأس العالم مجرد خلاف إداري حول صفقة استثمارية، بل بدت أقرب إلى لحظة كاشفة هزت صورة المؤسسة التي ظلت لعقود تقدم نفسها باعتبارها الحارس الأول لاستقلال كرة القدم عن السياسة والمال.
فخلال أيام قليلة، وجد رئيس "فيفا" جياني إنفانتينو نفسه في قلب عاصفة غير مسبوقة؛ اعتذار رسمي للاتحادات الوطنية، وسحب للمشروع، وتمرد داخل المؤسسة، وانسحاب دعم من اتحادات أوروبية، وتشكيك في قيادته قبل أشهر من انتخابات الرئاسة. أما السؤال الذي يفرض نفسه اليوم فهو: كيف وصل إنفانتينو إلى هذه النقطة؟
الصفقة التي كسرت الثقة
الخطأ الأول لم يكن في فكرة البحث عن استثمارات جديدة بحد ذاتها، وإنما في الطريقة التي أُدير بها المشروع.
فالخطة التي استهدفت بيع 20% من كيان جديد لإدارة الحقوق التجارية لكأس العالم، بقيمة تقدر بنحو 4.2 مليارات دولار، طُرحت دون مشاورات واسعة مع الاتحادات القارية وكبار مسؤولي "فيفا"، وهو ما اعتبره كثيرون تجاوزاً لأسس الحوكمة التي طالما طالب الاتحاد الدولي الآخرين باحترامها. وسرعان ما تحولت المبادرة إلى أزمة ثقة أجبرت إنفانتينو على التراجع والاعتذار.
عندما ظهر اسم ترامب

لكن الأزمة لم تتوقف عند حدود الإدارة.
فمع الكشف عن أن المستثمر الرئيسي المقترح يرتبط بشركة يقودها جوشوا كوشنر، شقيق جاريد كوشنر صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، انتقل الجدل من الاقتصاد إلى السياسة، وأصبح السؤال المطروح داخل أروقة كرة القدم: هل أصبحت أكبر بطولة رياضية في العالم هدفاً لرؤوس الأموال المرتبطة بالنفوذ السياسي الأمريكي؟
ولا توجد حتى الآن أدلة تثبت أن ترامب سعى شخصياً للسيطرة على الحقوق التجارية لكأس العالم، أو أن الصفقة صُممت لخدمة مصالحه المباشرة. لكن مجرد ظهور هذه الأسماء في المشروع كان كافياً لإثارة مخاوف واسعة، لأن كرة القدم ظلت تاريخياً تحاول الابتعاد عن أي انطباع بوجود نفوذ سياسي أو عائلي داخل قراراتها.
علاقة وثيقة أصبحت عبئاً
منذ سنوات، لم يُخفِ إنفانتينو علاقته الوثيقة بالرئيس الأمريكي، وظهر معه في أكثر من مناسبة، كما تعرض لانتقادات من منظمات حقوقية اعتبرت مواقفه أقرب إلى الدعم السياسي، بما يتعارض مع مبدأ الحياد الذي ينص عليه النظام الرياضي الدولي.
وربما لم تكن تلك العلاقة تمثل مشكلة عندما كانت تحقق مكاسب تنظيمية لكأس العالم، لكنها تحولت مع مرور الوقت إلى عبء سياسي، خصوصاً عندما أصبح أي قرار يصدر عن "فيفا" ويقترب من دوائر ترامب يُقرأ باعتباره امتداداً لهذه العلاقة.
حياد الفيفا... بين النص والواقع
لطالما رفع "فيفا" شعار "إبعاد السياسة عن كرة القدم"، حتى إنه عاقب اتحادات وطنية بسبب تدخل حكوماتها في شؤون اللعبة.
لكن بطولة كأس العالم الأخيرة في الولايات المتحدة فتحت باباً واسعاً للتساؤلات حول مدى تمسك الاتحاد الدولي بهذا المبدأ.
فقد تعرضت البطولة لانتقادات بسبب قيود الدخول التي أثرت على بعض الإعلاميين والجماهير، كما أثار الظهور البارز للرئيس الأمريكي في مشهد التتويج، وما رافقه من تجاوز للبروتوكول المعتاد، نقاشاً واسعاً حول حدود الفصل بين السياسة وكرة القدم. كذلك أثارت تقارير إعلامية جدلاً بشأن تدخلات في بعض القرارات الانضباطية مثل قضية لاعب المنتخب الأمريكي المطرود، وهي مزاعم أصبحت جزءاً من الانتقادات الموجهة إلى قيادة إنفانتينو، رغم بقاء تفاصيلها محل نقاش.
ولم يكن هذا الجدل ليأخذ هذا الحجم لولا أن كثيرين شعروا بأن "فيفا" لم تبدِ الصرامة نفسها التي أظهرتها في ملفات مشابهة مع دول أخرى.
أزمة حوكمة أم أزمة استثمار
في جوهرها، تبدو الأزمة الحالية أزمة حوكمة قبل أن تكون أزمة مالية.
فالاعتراض الأكبر لم يكن على استقطاب المستثمرين، وإنما على غياب الشفافية، وتجاوز المؤسسات، واتخاذ قرار استراتيجي بهذا الحجم دون توافق واسع.
ولهذا جاءت الانتقادات من أوروبا وأمريكا الشمالية وآسيا، ومن داخل "فيفا" نفسها، وهو ما دفع الاتحاد في النهاية إلى الاعتراف بوجود أخطاء والتعهد بمراجعة آليات اتخاذ القرار.
هل بدأ العد التنازلي؟

رغم أن إنفانتينو لا يزال يحتفظ بدعم مؤثر من اتحادات أفريقيا وآسيا ودول تعتمد على برامج تمويل "فيفا"، فإن الأزمة الحالية أضعفت صورته باعتباره رئيساً لا يُهزم.
فالتمرد الذي بدأ داخل المؤسسة تجاوز حدود الخلاف التقليدي مع الاتحاد الأوروبي، ليصل إلى شخصيات نافذة داخل "فيفا"، وهو تطور لم يكن مألوفاً خلال سنوات حكمه.
ما بعد العاصفة
ربما ينجح إنفانتينو في تجاوز هذه الأزمة، وربما يفوز بولاية جديدة إذا لم يظهر منافس قادر على توحيد الاتحادات ضده. لكن الضرر الأكبر وقع بالفعل.
فالأزمة لم تكشف فقط عن تعثر صفقة استثمارية، بل كشفت هشاشة التوازن الذي حاول رئيس "فيفا" الحفاظ عليه بين السياسة والاقتصاد والرياضة.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم هو: هل ينجو إنفانتينو؟
بل: هل تستطيع "فيفا" استعادة صورتها كمؤسسة مستقلة، بعدما أصبحت قراراتها تُقرأ بعدسة السياسة بقدر ما تُقرأ بعدسة كرة القدم؟