ء
1
كان الثاني من سبتمبر عام 1898م والقرن التاسع عشر يلفظ أنفاسه الأخيرة، تترقب عواصمه في لندن صاحبة الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، وقاهرة الخديوي التي ظل شعبها المصري الباسل يرزح تحت وطأة العائلة الألبانية والاستعمار الإنجليزي غير المستتر. وظلت فرنسا قائدة الحرب الصليبية الأولى تترقب وتفرك أياديها على أحر من الجمر، ومعها إيطاليا أرض الكاثوليك الممهورة بالولاء الدامي تنتظر مع إسبانيا والبرتغال نتيجة آخر معارك الإسلام والوطنية والتحرر والاستقلال في العاصمة أم درمان، التي بُنيت بكبرياء الرجال ودماء المجاهدين.
بقية القصة معلومة وهي أن كل هؤلاء الأبطال السمر لم يتخلف منهم رجلٌ واحد، زحفوا خفافاً صوب جبل كرري، حيث نصب كتشنر باشا وونجت وبقية الضباط الغلاة المتمرسين أخطر وأبشع منظومة للمدافع التي تُلقي بحمم المقذوفات المحرمة دولياً وإنسانياً ولكن متى عرف الاستعمار شرف الخصومة واحترام الإنسانية؟
قُتل في ساعتين أكثر من 20000 قتيل ومثلهم من الجرحى لم تسجل مخابرات المستعمر حالة واحدة لميت قُدَّ قميصه من دُبر، كلهم بلا استثناء استقبلوا حمم العدو الغاصب بصدورعارية، وأعين تعانق نجيمات الفجر. وبعد يوم واحد من نتيجة المعركة أو بالأحرى المذبحة العالمية الأولى، تسامع العالم الإسلامي من طنجة إلى جاكرتا، بنبأ سقوط دولة المجاهدين في السودان وانطواء آخر راية خفاقة من رايات المغالبة والمنازلة بأسلحة تنتمي للماضي، وأنفس تخترق بأمجادها المستشرفة المستقبل وعاقبة المتقين.
كثيرون هم الذين كتبوا عن ذلك اليوم الدامي، ولكن أصدق الأقوال هي التي تأتي اختياراً وحقاً، والحق ما شهدت به الأعداء. ومن كلمات الحق هذه والحقيقة، ما سطره الضابط الصحفي ونستون تشرتشل المراسل الحربي ورئيس الوزراء البريطاني لاحقاً حين قال :
(إنهم أشجع من مشى على الأرض، لم نكن نحن الذين هزمناهم، بل حطمناهم بقوة السلاح الناري، ولكنهم كانوا يتقدمون في شجاعة وجسارة نادرة ليلقوا حتفهم مستهينين بالموت).
وأضاف في مقولة معبرة وتالية:
(إن المرء منا لا يملك إلا أن يحيي بسالة هؤلاء الجنود المهدويين، لأنهم بلا شك لا يقلون عن نظرائهم الذين كانوا تحت قيادة صلاح الدين الأيوبي بسالةً وإقداماً، ولا شك أن ريتشارد قلب الأسد لم يكن أشجع رجاله يفوق مستوى هؤلاء الرجال وخصوصاً عند الالتحام يداً بيد ورجلاً في مواجهة رجل).
2
الشهداء القادة الذين وثقت تضحياتهم وشهادتهم في هذا اليوم الكريم، نتشرف بإعلانهم كي تتشرف الأسر التي تنتمي لهم وينتمون إليها، بأن هؤلاء الأسلاف، كانوا يضيفون لتاريخ الإنسانية عزاً وشرفاً سودانياً كان يمشي بين الأقطار اختيالاً ، وما أبلغ اغتيال الشهداء في ميادين الفداء.
القائمة الذهبية لهؤلاء الليوث التي تستحق أن تكتب بماء العين ونقوش الذهب هي في المثال لا الحصر:
1_ الشهيد الأمير يعقوب (جراب الرأي) شقيق الخليفة.
2_ الشهيد الأمير محمد بن الإمام المهدي العريس (راجل الجبل).
3_ الشهيد الأمير الزاكي عثمان.
4_ الشهيد عثمان الدكيم.
5_ الشهيد محمد ود بشارة.
6_الشهيد الأمير أبو بسام.
7_ الشهيد مساعد إدريس (أمير الفلاتة).
8_ الشهيد عبدالرحمن تاماوي (أمير التامه).
9_ الشهيد قدح الدم.
10_الشهيد الغالي جودة.
11_ الشهيد عبد الرحمن علي (أمير البديرية).
12_الشهيد أزرق جبريل (أمير الفلاتة).
13_الشهيد الطاهر مكي (أمير البرقو).
14_ الشهيد عبد السيد موسى (أمير البرقو).
15_ الشهيد أحمد أبو جديري (أمير البرنو).
16_الشهيد دينا إبراهيم (أمير الجوامعة).
17_ الشهيد أحمد حمدان (أمير الحمر).
18_ الشهيد محمد ود نوباوي (أمير بني جرار).
19_ الشهيد عوض السيد قريش (أمير الكبابيش).
20_ الشهيد الأمير خير الله (أمير الكبابيش).
21_ الشهيد أبوبكر محمد الأمين (أمير الجميعاب).
22_ الشهيد جاد الله عيسى (أمير الزيداب).
23_ الشهيد أحمد حمدان العركي (أمير العركيين).
24_ الشهيد سليمان كشة (أمير سكان أم درمان).
3
وصل الخبر الحزين إلى مدينة أم درمان العاصمة الوطنية وقد انتصف النهار، خرجت مجموعة من النساء والصبيان والأطفال أرتالاً صوب الجبل يتفقدون قتلاهم والعويل الصامت يقطع القلوب والدموع المسكوبة كادت من تدافعها أن تبلل الشفاه الظامئة. وقد قتلت المأساة الهتاف في قلوب الصبيان والصبايا، وظلت أم درمان لأكثر من شهر كامل تدفن موتاها وتغطي جراح الآلاف بالملح والقطران.
كان منظر القبة المهدومة بالقصف تعصف بالقلوب المطمئنة، حتى ما عاد الناس يطيقون النظر إليها دعك من التحديق. وكما قيل إن أخطر ما في نهاية الدول أن تترك لعدوها كتابة تاريخها، وقد فعلوا وشوهوا تاريخ تلك الفترة المضيئة من تاريخنا برغم مافيها من أخطاء ومرارات. ومعركة كرري التي خرج فيها عشرات الآلاف وأغلبهم يعلم ما يملكه الجيش الغازي من أسلحة، تؤكد أكاذيب ظل الخونة يروجون لها من قلب المعركة إلى اليوم بأن الخليفة كان بلا رجال وأم درمان كانت بلا حماية وبلا فرسان.
4
فلتندثر الكتابات الآثمة ولتُحرق الصحائف المدفوعة الأجر، وليصب البوار كُتب المستشرقين وتلاميذهم، الذين ارتزقوا وظيفة ومقاماً بالكذب في حق هذه الأمة المجاهدة، وتلك الحقبة المشهودة بالمكارم والفضائل والبطولات. ويحق للشعب السوداني أن يهتف في وجه العملاء والخونة من المستشرقين والمستعربين والمستغربين والمستلبين
أولَئِكَ آبائي فَجِئني بِمِثلِهِم
إِذا جَمَعَتنا يا (حَقيرُ) المَجامِعُ
5
إن أصدق ما قيل في حق الفرسان والمنازلة والدم والشهادة
إذا كنت بالله مستعصما
فماذا يَضيرُك كيدُ العبيد؟
أخي:ستُبيد جيوش الظلام
ويُشرق في الكون فجر جديد
أخي: قد أصابك سهم ذليل
وغدرا رماك ذراع كليل
ستُبتَر يوماً فصبرٌ جميل
ولم يدمَ بعدُ عرين الأسود
أخي: قد سرت من يديك الدماء
أبت أن تُشلَّ بقيد الإماء
سترفع قربانها للسماء
مخضبة بوسام الخلود
أخي هل تُراك سئمت الكفاح ؟
وألقيتَ عن كاهليك السلاح
فمن للضحايا يواسي الجراح
ويرفع راياتها من جديد
أخي: إنني اليوم صلب المراس
أدكُّ صخور الجبال الرواسي
غدا سأشيحُ بفأسي الخلاص
رؤوس الأفاعي إلى أن تبيد
6
ومن غرائب الصدف ولطائف المماثلة أن ذكرى معركة كرري التاريخية المضمخة بدماء الشهداء، تأتي متزامنة مع ذكرى استشهاد الكاتب المجاهد والمجدد صاحب كتاب (المستقبل لهذا الدين) و(التصوير الفني في القرآن) وتفسيره البكر (في ظلال القرآن). وقد احتفينا قبل أيام برحيله وهو يلتفت صوب جلاده بكلماته المشرقات الخالدات:
(إن كلماتنا تظل عرائس من الشمع، حتى إذا متنا في سبيلها،كتبت لها الحياة،ودبت فيها الروح).
7
وأبلغ من كل ذلك في حق التضحية والشهداء من أجل تكون كلمة الله هي العليا قوله تعالى:
{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}.