لم تكن كأس العالم هي التي صنعت أسطورة ليونيل ميسي. فعندما وصل إلى الدوحة، كان قد أنجز تقريبًا كل ما يمكن للاعب كرة القدم أن يحلم به: ألقاب كثيرة، أرقام قياسية، كرات ذهبية، ومكانة تاريخية جعلته واحدًا من أعظم لاعبي اللعبة.
لكن في الأرجنتين كانت القصة مختلفة. هناك، لم يكن المطلوب من ميسي أن يكون أفضل لاعب في العالم فقط، بل أن يصبح بطلًا يشعر الناس بأنه واحد منهم، يعيش أفراحهم وانكساراتهم، ويغضب عندما يشعر أن منتخب بلاده تعرض للظلم.
ولهذا احتاج ميسي إلى سنوات طويلة حتى يقطع المسافة بين صورة النجم العالمي وصورة البطل الذي أراده الأرجنتينيون.
مارادونا.. المقارنة التي لاحقت ميسي
كان دييغو أرماندو مارادونا أكثر من لاعب كرة قدم بالنسبة إلى الأرجنتينيين. كان شخصية شعبية ومتمردة، يتحدث بصوت مرتفع، يدخل في المعارك، ويعبر عن غضبه بلا تردد.
أما ميسي فكان مختلفًا تمامًا. هادئًا وقليل الكلام، يفضل أن تترك قدماه الحديث عنه داخل الملعب، بعيدًا عن الصراعات والتصريحات الحادة.
لذلك لم تكن المقارنة بين الرجلين مرتبطة بالأهداف والبطولات فقط، بل بالشخصية أيضًا. كان الجمهور يريد من ميسي أن يمنح المنتخب شيئًا يتجاوز موهبته، وأن يشعر بأنه يحمل القميص كما يحملونه في قلوبهم.
2014.. بداية الجرح
جاء مونديال البرازيل 2014 ليمنح ميسي فرصة الوصول إلى المجد مع المنتخب، لكنه خسر النهائي أمام ألمانيا.
لم تتوقف القصة عند ذلك. ففي كوبا أميركا 2015، خسرت الأرجنتين النهائي أمام تشيلي، ثم تكرر السيناريو بعد عام واحد في نهائي كوبا أميركا المئوية أمام المنتخب نفسه.
ثلاثة نهائيات كبرى، وثلاثة إخفاقات تركت آثارًا عميقة على ميسي وعلاقته بالجمهور.
ومع كل خسارة، كانت المقارنة مع مارادونا تعود إلى الواجهة، وكان السؤال نفسه يتكرر: هل يستطيع ميسي أن يمنح الأرجنتين ما منحها إياه مارادونا؟
«لماذا يريدون قتلك يا أبي؟»
وصل الضغط إلى داخل منزل ميسي نفسه.
في عام 2016، روى اللاعب أن ابنه تياجو، الذي كان يبلغ الرابعة، شاهد مقاطع فيديو على «يوتيوب» ثم سأله باستغراب: «لماذا يريدون قتلك في الأرجنتين؟».
كان السؤال البريء كاشفًا لحجم الحملة التي تعرض لها والده. فالطفل لم يفهم كيف يمكن للاعب يعرفه العالم باعتباره واحدًا من أعظم لاعبي كرة القدم أن يتحول إلى هدف لهذا القدر من الغضب في بلده.
وبعد خسارة نهائي كوبا أميركا 2016، وصل ميسي إلى نقطة الانهيار. خرج من الملعب محطمًا، ثم أعلن اعتزاله اللعب الدولي.
وقال وقتها: «لقد حاولت كثيرًا، لكنني لم أستطع تحقيق ذلك».
بدا القرار لحظة استسلام أمام سنوات من الضغط، لكنه لم يكن نهاية علاقة ميسي بالمنتخب. بعد فترة قصيرة، عاد إلى صفوف الأرجنتين، لتبدأ مرحلة جديدة من مسيرته الدولية.
2019.. ميسي يخرج عن صمته
كانت كوبا أميركا 2019 واحدة من أبرز محطات التحول في شخصية ميسي.
بعد خروج الأرجنتين أمام البرازيل، لم يكتفِ اللاعب بالحديث عن أخطاء فريقه. انتقد التحكيم، واعترض على قرارات رأى أنها أثرت في البطولة، ووجه انتقادات حادة إلى اتحاد أميركا الجنوبية لكرة القدم «كونميبول».
ثم طُرد في مباراة تحديد المركز الثالث أمام تشيلي، لكنه واصل انتقاداته، معلنًا أنه لا يريد أن يكون جزءًا من منظومة وصفها بالفساد.
كانت تلك صورة مختلفة عن ميسي الذي اعتاد الصمت. فقد أصبح أكثر استعدادًا للتعبير عن غضبه والدخول في مواجهة عندما يرى أن منتخب بلاده تعرض للظلم.
ولهذا كانت تلك المرحلة مهمة في علاقته بالجمهور الأرجنتيني. بدأ كثيرون يرون أن اللاعب لا يكتفي بارتداء القميص، بل أصبح مستعدًا للدفاع عنه خارج الملعب أيضًا.
قطر 2022.. لحظة التحول الكبرى
في كأس العالم 2022، ظهر ميسي بشخصية أكثر حدة، خصوصًا في ربع النهائي أمام هولندا.
كانت المباراة مشحونة منذ البداية، وزادت تصريحات المدرب الهولندي لويس فان خال من التوتر. سجل ميسي من ركلة جزاء واحتفل أمام فان خال، قبل أن تتصاعد الأجواء بعد المباراة.
وخلال مقابلة تلفزيونية، وجه ميسي عبارته الشهيرة إلى الهولندي فوت فيغورست: «إلى ماذا تنظر أيها الأحمق؟ اذهب من هنا».
لم تكن العبارة وحدها هي المهمة، بل ما عكسته من تحول في شخصية اللاعب. فقد أصبح ميسي أكثر صراحة، وأقل استعدادًا للوقوف متفرجًا أمام الاستفزاز.
ثم جاءت المباراة الأهم.
وصلت الأرجنتين إلى النهائي أمام فرنسا، وخاض ميسي واحدة من أهم مباريات مسيرته، قبل أن يرفع كأس العالم أخيرًا.
عندها سقط آخر حاجز في علاقته بالجمهور.
من أفضل لاعب إلى بطل الأرجنتين
بعد التتويج في قطر، لم يعد ميسي بحاجة إلى الإجابة عن السؤال الذي طارده سنوات طويلة: هل يستطيع أن يكون بطل الأرجنتين؟
لقد أصبح بطل العالم.
الأهم من ذلك أن صورته تغيرت داخل بلاده. لم يعد اللاعب الذي يخضع للمقارنة في كل بطولة، ولا النجم الذي يُنظر إليه باعتباره أسطورة برشلونة أكثر من كونه رمزًا للمنتخب.
أصبح قائد الجيل الذي أعاد كأس العالم إلى الأرجنتين بعد انتظار دام 36 عامًا.
2026.. ميسي لا يبحث عن الاعتراف
عندما وصل ميسي إلى مونديال 2026، كان الوضع مختلفًا تمامًا.
لم يعد بحاجة إلى إثبات أنه يستحق مكانته في تاريخ المنتخب. لقد حسم الأمر قبل أربع سنوات.
ومع عودة الانتقادات والاتهامات التي رافقت الأرجنتين خلال البطولة، حافظ ميسي على شخصيته الجديدة، مدافعًا عن فريقه ومؤكدًا أن ما حققوه لم يكن هدية من أحد، وأنهم يثبتون داخل الملعب قدرتهم على المنافسة والفوز.
كان هذا الموقف امتدادًا لمسيرة طويلة من التحول؛ من لاعب يفضل الصمت إلى قائد لا يتردد في التعبير عن موقفه عندما يتعلق الأمر بمنتخب بلاده.
المعركة لم تكن مع مارادونا
في النهاية، لم تكن معركة ميسي الحقيقية مع مارادونا.
كانت مع صورته في أذهان الجمهور.
كان عليه أن يثبت أنه ليس مجرد عبقري جاء من برشلونة، بل أرجنتيني يشعر بقميص بلاده، ويعيش خساراته كما يعيش انتصاراته.
احتاج إلى سنوات من الألم والخسارة والانتقادات. احتاج إلى الاعتزال ثم العودة. واحتاج إلى أن يتعلم متى يتحدث ومتى يواجه.
ثم جاءت كأس العالم.
وعندما رفعها، لم يكن قد أضاف لقبًا جديدًا إلى سجله فقط، بل أغلق آخر ملف مفتوح في قصته مع الأرجنتين.
ميسي لم يصبح أسطورة لأنه فاز بكأس العالم، ولم يصبح بطلًا لأنه حاول أن يكون مارادونا. لقد صنع لنفسه مكانًا خاصًا، وحين شعر الأرجنتينيون أخيرًا أنه واحد منهم، اكتملت أسطورته.