حين تُستهدف محطة كهرباء، لا تنطفئ المصابيح وحدها؛ تتعطل المياه، وتتأثر المستشفيات، وتتوقف مصالح الناس، وتزداد معاناة أسر أنهكتها الحرب حتى باتت أبسط مقومات الحياة حلماً مؤجلاً. لذلك فإن استهداف البنية التحتية للكهرباء في المرخيات والمناقل ليس مجرد تطور عسكري عابر، بل ضربة مباشرة للحياة اليومية للسودانيين، ولما تبقى من قدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية.
خلال أيام قليلة، اتسعت دائرة الهجمات المنسوبة إلى مليشيا الدعم السريع المتمردة لتشمل محطات كهرباء في ولايات الجزيرة وسنار والقضارف والنيل الأبيض، قبل أن تصل إلى محطة المرخيات التحويلية بأم درمان، التي خرجت عن الخدمة بعد تعرضها لهجوم بطائرة مسيّرة في 27 أكتوبر. وفي اليوم التالي، أفادت تقارير باستهداف منشآت للطاقة والوقود في المناقل ومدينة هيا. وأعلنت السلطات السودانية أن الأضرار طالت الشبكة القومية وأدت إلى انقطاعات واسعة في الكهرباء.
ما يجعل هذه الهجمات أكثر خطورة أنها لا تقف عند حدود المحطة المستهدفة. فالكهرباء ترتبط بالمياه والصحة والتعليم والاتصالات، وأي انقطاع ممتد يمكن أن يحوّل معاناة المواطنين إلى أزمة إنسانية أشد قسوة. وفي بلد يعيش ملايين من أبنائه تحت وطأة النزوح والفقر وتراجع الخدمات، فإن تدمير منشآت الطاقة يضاعف الأعباء على من لا يملكون وسائل بديلة، ويجعل المرضى وأصحاب الاحتياجات الخاصة والأسر محدودة الدخل الأكثر تضرراً.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: أين الموقف الدولي الحاسم من استهداف المرافق التي يعتمد عليها المدنيون في حياتهم اليومية؟
في بيان صدر في 28 أكتوبر، أعرب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية عن قلقه إزاء استمرار هجمات المسيّرات على البنية التحتية المدنية في السودان، وأكد ضرورة حماية مرافق الكهرباء والمياه بموجب القانون الدولي الإنساني. وهي رسالة مهمة من حيث المبدأ، لكنها تبدو أقل من حجم الكارثة حين يواجه السودانيون سلسلة متتابعة من الهجمات التي تهدد استقرار الشبكة الكهربائية والخدمات المرتبطة بها.
لا يعني ذلك أن الأمم المتحدة لم تتخذ موقفاً أشد في مناسبات أخرى؛ فقد أدان مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، في 23 أكتوبر تصاعد هجمات الطائرات المسيّرة في السودان، محذراً من آثارها المدمرة على المدنيين والمنشآت الحيوية. غير أن الفجوة بين التحذير العام والاستجابة العملية تظل موضع تساؤل مشروع: ماذا بعد القلق والإدانة؟ وكيف يمكن منع تكرار استهداف المرافق التي لا غنى عنها لبقاء السكان؟
إن حماية الأعيان المدنية ليست منّة من أطراف الحرب، ولا مطلباً سياسياً قابلاً للتفاوض؛ إنها التزام يفرضه القانون الدولي الإنساني. ويجب ألا تُوجَّه الهجمات إلى الأعيان المدنية، كما ينبغي اتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية السكان من آثار العمليات العسكرية. أما إذا كانت منشأة ما موضع ادعاء بشأن استخدامها العسكري، فإن ذلك لا يرفع عنها تلقائياً الحماية القانونية، بل يستلزم تقييماً دقيقاً وفق قواعد القانون الدولي.
ومن هنا، فإن المطلوب من الأمم المتحدة يتجاوز إصدار بيانات القلق. المطلوب توثيق الهجمات والتحقق من ملابساتها، وتحديد المسؤوليات على أساس الأدلة، والضغط من أجل وقف استهداف البنية التحتية المدنية، ودعم جهود إصلاح المحطات المتضررة، وضمان وصول الفرق الفنية إلى مواقع العمل بأمان. كما أن على المجتمع الدولي أن يتعامل مع استمرار هذه الهجمات باعتباره تهديداً مباشراً لحياة المدنيين، لا مجرد تفصيل إضافي في حرب طويلة.
وفي الداخل، تظل الأولوية العاجلة إعادة التيار الكهربائي بأسرع ما يمكن، وحماية المحطات وخطوط النقل، ووضع بدائل تضمن استمرار المياه والخدمات الصحية عند وقوع الانقطاعات. فإعادة الإعمار تبدأ أحياناً من حماية ما لم يُدمّر بعد، ومن منع الحرب من ابتلاع ما تبقى من البنية الأساسية.
لا يحتاج السودانيون إلى تعاطف لفظي جديد بقدر حاجتهم إلى إجراءات توقف استهداف مقومات حياتهم. ولا يكفي أن يُقال إن الكهرباء والمياه يجب أن تكونا خارج دائرة الصراع، إذا ظلت المحطات تتعرض للهجمات تباعاً، بينما تتسع دائرة العجز عن توفير الخدمات.
إن صمت العالم ليس شرطاً لوقوع الكارثة، لكن الاكتفاء بالقلق بعد وقوعها يطرح سؤالاً عن جدوى الحماية التي ينتظرها المدنيون
فالكهرباء ليست امتيازاً سياسياً، ولا محطةً يمكن تعويضها بكلمات التضامن؛ إنها شريان حياة لملايين الناس. والسودانيون لا يطلبون أكثر من حقهم في الماء والضوء والعلاج، ومن موقف دولي يجعل حماية هذا الحق التزاماً عملياً، لا عبارة تتكرر في البيانات كلما انطفأت مدينة جديدة.