صدى الحقيقة

رهاب الحوار.. هل يخشى السودانيون السلام أم ما بعده؟

المقداد عمر صالح
المقداد عمر صالح
✍️ هموم وطن
12 Oct 2026 • 👁 21
شارك الخبر:

أصاب أستاذنا عثمان ميرغني كبد الحقيقة حين نقل النقاش من سؤال جدوى الحوار إلى سؤال الخوف من نتائجه. فالمشكلة في السودان لم تكن يوماً ندرة المبادرات السياسية، ولا عجز النخب عن الجلوس حول الطاولات، وإنما عجزها عن الاطمئنان إلى ما قد تسفر عنه تلك الطاولات. كل طرف يريد حواراً يضمن له ما يطمح إليه، وسلاماً لا ينتقص من مكاسبه، وتسوية لا تجبره على مراجعة حساباته. وحين لا تأتي النتائج وفق ما يشتهي، يصبح الحوار نفسه موضع اتهام.

لكن، هل يمكن حقاً أن يكون الجميع رابحاً من الحوار؟

الإجابة، في تقديري، نعم؛ ولكن ليس بالمعنى الذي يجعل الحوار صفقة يخرج منها كل طرف بما دخل طالباً، وإنما بالمعنى الذي يجعل الوطن أكبر من خسائر الأطراف ومكاسبها. فالحوار الناجح لا يضمن للأحزاب مواقع في السلطة، ولا يمنح القوى السياسية صكوكاً مفتوحة للاحتفاظ بنفوذها، بل يفتح الباب أمام توافق يحمي الدولة ويمنح السودانيين فرصة لاستعادة حياتهم.

وهنا تكمن المفارقة السودانية: نختلف على الوطن، ثم نختلف على طريقة إنقاذه، ثم نختلف على من يملك حق تحديد مستقبله. وفي كل مرة، تتحول المخاوف السياسية إلى جدران عالية، حتى يبدو التنازل عن موقف حزبي وكأنه خسارة وطنية، بينما قد يكون التمسك به هو الخسارة الأكبر للجميع.

لقد كشفت تجارب الانتقال السياسي أن الخوف لا يأتي دائماً من الحوار ذاته، بل من الأسئلة التي يفرضها: من يحكم؟ ومن يراقب؟ وكيف تُوزع المسؤوليات؟ وما مصير من يخسر السلطة؟ وهل يستطيع الجميع العمل في ظل قواعد عادلة لا تتغير بتغير موازين القوة؟

هذه أسئلة مشروعة، ولا يكفي الرد عليها بالقول إن الحوار رابح للجميع. فالطمأنينة السياسية لا تُبنى بحسن النوايا وحده، وإنما بضمانات واضحة، وقواعد معلنة، وآليات تنفيذ ورقابة، والتزام لا يسمح لأي طرف بأن يتحول إلى خصم وحكم في آن واحد.

ولعل أخطر ما يواجه أي حوار سوداني هو أن تدخله الأطراف بعقلية المنتصر والمهزوم قبل أن يبدأ. فمن يرى الحوار وسيلة لإقصاء خصمه لن يطمئن إلى نتائجه، ومن يخشى أن يفقد امتيازاته سيبحث عن أسباب لتعطيله، ومن يعتقد أن قوته الراهنة تمنحه حق فرض شروطه قد لا يرى حاجة إلى تقديم تنازلات أصلاً.

لكن السودان، بعد سنوات الحرب والدمار والنزوح، لم يعد يحتمل ترف هذه الحسابات. فهناك مواطن لا يعنيه كثيراً اسم التحالف الذي سيتصدر المشهد بقدر ما يعنيه أن يجد الدواء، وأن يعود إلى منزله، وأن يحصل أبناؤه على التعليم، وأن يعرف أن الغد لن يكون نسخة أخرى من الخوف والجوع والفقد.

ولذلك، فإن الحوار الذي لا يضع هذه الأولويات في مركزه قد يتحول إلى نقاش بين النخب حول مستقبل السلطة، بينما يظل أصحاب المصلحة الحقيقيون في السلام خارج الغرفة.

أتفق مع الأستاذ عثمان ميرغني في أهمية رسم سيناريوهات واضحة لمآلات الحوار؛ فالسياسة التي تترك النتائج للغموض تفتح الباب للشائعات والمخاوف وسوء الظن. غير أن السيناريوهات لا ينبغي أن تكون كلها وردية، ولا أن تفترض أن كل المآلات ستكون حميدة بالضرورة. المطلوب هو عرض الاحتمالات بصدق، وتحديد المخاطر، ووضع الضمانات التي تجعل الاختلاف قابلاً للإدارة، لا سبباً للانفجار.

فالحوار ليس طريقاً بلا عقبات، ولا وصفة سحرية تنهي التناقضات بمجرد إعلان انطلاقه. إنه عملية شاقة، قد تكشف خلافات أعمق مما كان متوقعاً، لكنها تمنح الأطراف فرصة لمعالجتها بدلاً من تركها تتراكم حتى تنفجر في وجه الجميع.

المعضلة ليست أن يخسر طرف سياسي جولة تفاوضية، بل أن يخسر السودان فرصة بناء دولة لا يحتاج فيها أحد إلى السلاح كي يُسمع صوته، ولا إلى احتكار السلطة كي يضمن مستقبله.

في النهاية، لا أظن أن السودان يحتاج إلى حوار يطمئن السياسيين وحدهم؛ إنه يحتاج إلى حوار يطمئن المواطنين إلى أن دماءهم لن تتحول إلى أوراق تفاوض، وأن السلام لن يكون مجرد استراحة بين حربين، وأن الدولة المقبلة لن تكون غنيمة يتقاسمها المتفاوضون.

أما رهاب الحوار، فلن تعالجه الدعوات إلى الجلوس حول الطاولة وحدها، بل تعالجه الشفافية والضمانات والاعتراف المتبادل بحق الاختلاف، والاستعداد لقبول نتائج لا يختارها طرف بمفرده.

فهل نريد حواراً يحمينا من خسائر السياسة، أم حواراً ينقذ السودان من خسائر الحرب؟ هنا يبدأ الفرق بين تسوية تُرضي الأطراف مؤقتاً، واتفاق يؤسس لمستقبل يستحقه السودانيون.

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.