ما الذي يجعل العالم ينتفض لمشهد، ثم يعتاد مشهداً أكثر فظاعة؟ وكيف يمكن لبلد أن يظل ينزف كل هذا الوقت، بينما تتحول مآسي أهله إلى أخبار تتزاحم في الشاشات، قبل أن يبتلعها خبر جديد؟
في السودان، يبدو أن الموت نفسه أصبح مضطراً إلى تكرار المشهد حتى يلفت الانتباه. مجزرة هنا، وقرية أُفرغت من سكانها هناك، وأسر تهرب من جحيم القتال، وأطفال يحملون من الخوف ما يفوق أعمارهم. وفي كل مرة، نعود إلى السؤال ذاته: أين العدالة؟ ولماذا يبدو طريقها أطول من طريق الرصاص؟
لم تعد انتهاكات مليشيا الدعم السريع المتمردة مجرد اتهامات تتردد في الخطاب السياسي؛ فقد وثقت جهات أممية انتهاكات جسيمة ارتكبتها المليشيا، ولا سيما في دارفور، شملت القتل والعنف الجنسي والتهجير القسري. وما جرى في الفاشر أعاد إلى الواجهة حقيقة موجعة: أن المدني السوداني قد يجد نفسه وحيداً في مواجهة الموت، وأن النجاة من المعركة لا تعني بالضرورة النجاة من آثارها.
لكن ما يؤلم أكثر من فظاعة الجريمة أن تتحول إلى واقعة عابرة في ذاكرة العالم. يصدر بيان، وتُعلن إدانة، وتُعقد جلسة، ثم تمضي الأيام بينما يظل الضحايا في انتظار حق قد لا يصل. وكأن المطلوب من السودانيين أن يكتفوا بالحزن، وأن يتعلموا التعايش مع الفقد، وأن يقبلوا بأن تكون العدالة وعداً مؤجلاً إلى أجل غير معلوم.
ليس من العدل أن يُطلب من أم فقدت أبناءها أن تنسى، ولا من أسرة هُجّرت من منزلها أن تبدأ من الصفر وكأن شيئاً لم يحدث، ولا من طفل رأى الموت بعينيه أن يستعيد شعوره بالأمان بمجرد أن تتغير الأخبار. فالجرائم لا تنتهي حين يتوقف الحديث عنها، والضحايا لا يستعيدون حقوقهم لأن العالم انتقل إلى أزمة أخرى.
وهنا تكمن المعضلة: إذا كان السلاح قادراً على فرض الأمر الواقع، فمن الذي يعيد الاعتبار للقانون؟ وإذا كانت الإدانات لا تمنع تكرار المأساة، فما قيمتها إن لم تتحول إلى إجراءات تحمي المدنيين وتحاسب المسؤولين؟
إن المطالبة بمحاسبة مليشيا الدعم السريع المتمردة على الانتهاكات المنسوبة إليها، وفق الأدلة والإجراءات القانونية، ليست دعوة إلى الانتقام، بل دفاع عن حق السودانيين في ألا يصبحوا أهدافاً مباحة. فالعدالة لا تعني استبدال جريمة بأخرى، ولا تبرر معاقبة الناس بسبب انتماءاتهم؛ إنها تعني أن يعرف كل من يرتكب جريمة أن هناك قانوناً لن يسقط بالتقادم السياسي، وأن دم الضحية لا يفقد قيمته لأن القاتل يملك السلاح.
والسودان، الذي أنهكته الحرب، لا يحتاج إلى مزيد من الخطب بقدر ما يحتاج إلى موقف يعيد للإنسان مكانته. يحتاج إلى عالم يرى في الطفل السوداني طفلاً يستحق الحياة، وفي النازح إنساناً له حق العودة والأمان، وفي الضحية صاحب حق لا مجرد صورة تستدعي التعاطف لساعات.
قد تختلف القوى السياسية حول السلطة، وقد تتباين الحسابات بشأن التسويات والتحالفات، لكن ثمة خطاً لا ينبغي أن تسمح السياسة بتجاوزه: حياة المدنيين وكرامتهم. وحين تصبح دماء الأبرياء تفصيلاً في حسابات المصالح، فإن الخطر لا يقتصر على السودان؛ بل يمتد إلى معنى العدالة نفسه.
**إن أكثر ما يحتاجه السودانيون اليوم ليس أن يبكي العالم معهم، بل أن يثبت لهم أن حياتهم تستحق الحماية، وأن جرائم الحرب لا تُمحى بتغير المواقف، وأن دماءهم ليست أرخص من أن تستحق العدالة.**