في السودان، لا تنتهي الحرب عند صوت الرصاص، ولا تتوقف آثارها عند البيوت التي هُدمت، والمدن التي أُفرغت من سكانها، والأسر التي تفرقت بين النزوح واللجوء. ثمة حرب أخرى تدور في صمت، لا يسمع الناس أصواتها، ولا تظهر خسائرها دائماً في الصور القادمة من ميادين القتال؛ إنها الحرب التي تخوضها النفوس المنهكة، والقلوب المثقلة بالخوف، والعقول التي لم تجد فرصة كافية لاستيعاب ما حدث.
وفي العاشر من أكتوبر، حين يحتفل العالم باليوم العالمي للصحة النفسية، تبدو المناسبة بالنسبة إلى السودانيين أكثر من مجرد يوم للتوعية باضطرابات القلق والاكتئاب والضغوط النفسية. إنها فرصة للنظر إلى جرح واسع تركته الحرب في حياة الملايين، جرح لا تكفي لعلاجه العودة إلى المنازل، ولا تنهيه الهدن المؤقتة، ولا تمحوه الأيام بمجرد مرورها.
حرب داخل البيوت وخلف الوجوه
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، عاش السودانيون تجارب قاسية تتجاوز قدرة الإنسان العادي على الاحتمال. أُجبرت أسر على مغادرة منازلها في ساعات، وفقدت عائلات أحباءها، وتحولت أماكن كانت تمنح الأمان إلى مصادر للخوف. وهناك من شاهد بيته يُنهب أو يُدمّر، ومن انقطعت أخباره عن أقارب وأصدقاء، ومن اضطر إلى بدء حياته من الصفر في مدينة غريبة أو بلد بعيد.
لكن أكثر ما يستحق الانتباه أن هذه التجارب لا تنتهي بالضرورة عندما ينجو الإنسان من الخطر المباشر.
قد يغادر النازح منطقة القتال، لكنه يحمل معه أصوات الانفجارات في ذاكرته. وقد يجد اللاجئ سقفاً يأويه، لكنه يظل منشغلاً بأفراد أسرته الذين تركهم خلفه. وقد يعود شخص إلى منزله، فيكتشف أن المكان الذي كان يمنحه الطمأنينة أصبح محاطاً بذكريات الفقد والخوف.
وهكذا تتسلل الحرب إلى تفاصيل الحياة اليومية: في النوم المتقطع، وفي القلق من الأخبار، وفي الخوف من المستقبل، وفي صعوبة التركيز، وفي الشعور بالعجز أمام واقع لا يملك الفرد السيطرة عليه.
ليس كل من عاش هذه الظروف مصاباً باضطراب نفسي، وليس كل حزن مرضاً يحتاج إلى تشخيص. فالخوف والحزن والغضب ردود فعل إنسانية مفهومة في مواجهة الكوارث. غير أن استمرار المعاناة، أو تحولها إلى أعراض تعطل الحياة والعمل والعلاقات، يجعل الدعم النفسي ضرورة لا ترفاً.
جيل كامل يدفع الثمن
إذا كانت الحرب قد أثقلت كاهل الكبار بمخاوف البقاء وتدبير المعيشة، فإن الأطفال يواجهون نوعاً آخر من الخسارة؛ خسارة الإحساس بأن العالم مكان آمن.
فالطفل الذي يسمع أصوات القصف، أو يشاهد والديه في حالة خوف مستمر، أو يفقد قريباً عزيزاً، قد لا يستطيع التعبير عن ألمه بالكلمات. وربما يظهر اضطرابه في صورة غضب مفاجئ، أو عزلة، أو تبول لا إرادي، أو كوابيس متكررة، أو تراجع في التحصيل الدراسي، أو تعلق شديد بأحد الوالدين.
وما يزيد المخاوف أن الحرب لم تعطل التعليم فحسب، بل أربكت أيضاً الروتين اليومي الذي يمنح الأطفال شعوراً بالاستقرار. فالمدرسة ليست مكاناً للتعلم وحده، وإنما مساحة للتفاعل الاجتماعي والانتماء وبناء الثقة بالنفس.
وحين يفقد الطفل المدرسة والأصدقاء والبيئة المستقرة في وقت واحد، فإن الخسارة تتجاوز ما يمكن قياسه بأيام الدراسة التي ضاعت.
أما الشباب، الذين يفترض أن يكونوا في مرحلة بناء المستقبل، فقد وجد كثير منهم أنفسهم أمام خيارات قاسية: النزوح، أو البحث عن عمل في ظروف صعبة، أو تحمل مسؤولية إعالة الأسرة، أو التخلي عن الدراسة والطموحات التي خططوا لها سنوات.
إن الخطر هنا ليس في أن جيلاً كاملاً سيصاب حتماً باضطرابات نفسية، فهذا استنتاج لا يمكن الجزم به، بل في أن استمرار الحرب والحرمان من التعليم والأمان والدعم قد يضاعف عوامل الخطر ويجعل التعافي أكثر صعوبة.
حين يصبح الصمت جزءاً من المعاناة
ثمة مشكلة أخرى لا تقل خطورة عن آثار الحرب نفسها، وهي الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى الصحة النفسية.
في بعض البيئات، لا يزال الإنسان الذي يتحدث عن خوفه أو انهياره النفسي مطالباً بأن يتماسك، وأن يصبر، وأن يخفي ضعفه عن الآخرين. وقد يُنظر إلى طلب المساعدة باعتباره علامة على العجز، أو يُختزل الألم كله في نصائح عامة من قبيل أن الأيام كفيلة بالنسيان.
لا شك أن الصبر والتكافل والإيمان ومساندة الأسرة والأصدقاء يمكن أن تكون مصادر مهمة للقوة. لكن هذه المصادر لا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن الرعاية المتخصصة عندما يحتاج إليها الإنسان.
فالمصاب بمرض جسدي لا يُلام لأنه طلب العلاج، وكذلك من يعاني نفسياً لا ينبغي أن يشعر بالخجل من طلب المساعدة.
والأخطر أن بعض الناس قد يبدون قادرين على مواصلة العمل والحديث والضحك، بينما يواجهون في داخلهم ضغوطاً شديدة لا يعرف عنها المحيطون بهم شيئاً. لهذا، فإن مطالبة الجميع بالتماسك الدائم قد تدفع المتألمين إلى مزيد من العزلة، بدلاً من تشجيعهم على التعبير عما يمرون به.
إننا بحاجة إلى ثقافة اجتماعية تفهم أن الاستماع إلى شخص متألم ليس ضعفاً، وأن الاعتراف بالحاجة إلى الدعم لا ينتقص من الكرامة، وأن الصحة النفسية جزء لا يتجزأ من صحة الإنسان.
من يحتضن الناجين؟
في ظل الحرب، لا يقتصر العبء على الأفراد، بل يمتد إلى الأسر التي تحاول احتواء أطفالها، وإلى المعلمين الذين يعملون في ظروف استثنائية، وإلى الأطباء والعاملين في المجال الإنساني الذين يواجهون معاناة الآخرين بينما يعيشون هم أيضاً ضغوطاً قاسية.
وهنا تبرز مسؤولية المؤسسات الصحية والجهات الإنسانية والمجتمع المدني في توفير خدمات دعم نفسي واجتماعي يمكن الوصول إليها، خصوصاً في مناطق النزوح والمجتمعات التي تفتقر إلى الخدمات الأساسية.
لكن الحديث عن الصحة النفسية في السودان ينبغي ألا يتوقف عند إنشاء مراكز متخصصة أو تنظيم حملات توعية موسمية. فالحاجة أكبر من ذلك، وتتطلب إدماج الدعم النفسي في خدمات الرعاية الصحية الأولية، وتدريب الكوادر على التعرف إلى الحالات التي تحتاج إلى مساعدة، وتوفير خدمات آمنة للأطفال والنساء والناجين من العنف، ودعم الأسر التي فقدت مصادر رزقها واستقرارها.
كما ينبغي الاهتمام بالعاملين في الخطوط الأمامية، وبالمتطوعين الذين يقدمون المساعدة للنازحين، وبالأشخاص الذين يتحملون مسؤوليات كبيرة في ظروف استثنائية، لأن قدرتهم على الاستمرار ليست بلا حدود.
ولا يمكن مطالبة الناس بالتعافي النفسي في بيئة تفتقر إلى الأمان والغذاء والسكن والرعاية الطبية. فالدعم النفسي مهم، لكنه يصبح أكثر فاعلية حين يترافق مع الاستجابة للاحتياجات الأساسية، واستعادة الشعور بالأمان، وإتاحة فرص التعليم والعمل والحياة الطبيعية.
الصحة النفسية ليست ترفاً مؤجلاً
قد يقول البعض إن السودان يواجه أولويات أكثر إلحاحاً: وقف الحرب، وتوفير الغذاء والدواء، وإعادة الخدمات، وإيواء النازحين. وهذه احتياجات لا خلاف على أهميتها، لكن وضع الصحة النفسية في مرتبة تالية لا يعني أنها أقل ضرورة، لأن آثارها تتداخل مع كل تلك الملفات.
فالإنسان الذي يعاني ضغوطاً نفسية شديدة قد يجد صعوبة في العمل أو الدراسة أو اتخاذ القرارات، والأسرة التي تعيش تحت وطأة الخوف المستمر تحتاج إلى ما يساعدها على استعادة توازنها، والطفل الذي فقد إحساسه بالأمان يحتاج إلى بيئة تحميه وتمنحه فرصة للنمو.
إن إعادة بناء السودان لا تعني ترميم الطرق والمستشفيات والمدارس وحدها، بل تشمل أيضاً ترميم الثقة والعلاقات الاجتماعية والشعور بالانتماء والقدرة على تصور مستقبل مختلف.
ولعل من أكبر الأخطاء أن ننتظر انتهاء الحرب تماماً قبل التفكير في آثارها النفسية، فالمعاناة لا تتوقف عند توقيع اتفاق، والتعافي لا يحدث تلقائياً بمجرد توقف إطلاق النار.
في يوم الصحة النفسية.. من حق السودانيين أن يتعافوا
في اليوم العالمي للصحة النفسية، لا يحتاج السودانيون إلى خطابات طويلة تخبرهم بأن الحرب قاسية؛ فهم يعرفون ذلك من تفاصيل حياتهم اليومية. ما يحتاجونه هو أن تُرى معاناتهم غير المرئية، وأن يجدوا من يستمع إليهم دون أحكام، وأن تتاح لهم خدمات تساعدهم على استعادة توازنهم، وأن تكون هناك سياسات تضع الإنسان في قلب جهود التعافي.
نحتاج إلى أب يسمع ابنه يتحدث عن خوفه فلا يسخر منه، وإلى أم تجد من يساندها في تحمل أعباء النزوح، وإلى مدرسة تمنح الأطفال بيئة آمنة، وإلى مؤسسات صحية لا تفصل بين الجسد والنفس، وإلى مجتمع يدرك أن مواساة المتألم ليست مجرد واجب أخلاقي، بل جزء من حماية نسيجه الاجتماعي.
ونحتاج، قبل كل شيء، إلى سلام يوقف إنتاج الخوف والفقد والنزوح، لأن الحديث عن الصحة النفسية في بلد يعيش الحرب لا يمكن فصله عن حق الناس في الأمن والكرامة والحياة المستقرة.
إن السودان الذي نحلم بتعافيه لا يحتاج إلى أجساد تنجو من الرصاص فحسب، بل إلى بشر يستطيعون النوم دون فزع، والأطفال الذين يذهبون إلى مدارسهم دون خوف، والأسر التي تخطط للغد دون أن يطاردها احتمال فقدان كل شيء من جديد.
فالحرب قد تترك آثارها على الجدران والطرقات، لكن أشد آثارها عمقاً تلك التي تستقر في نفوس الناس ولا تراها العين. وإذا كان وقف الحرب ضرورة لإنقاذ الحياة، فإن الاهتمام بالصحة النفسية ضرورة لحماية ما تبقى من هذه الحياة، ومنح السودانيين فرصة حقيقية للبدء من جديد.