صدى الحقيقة

إجازة بلا أجر أم جهاز تنفيذي بلا فاعلية؟.. عودة موظفي الدولة بين القرار والواقع

المقداد عمر صالح
المقداد عمر صالح
✍️ كتابات حرة
09 Oct 2026 • 👁 21
شارك الخبر:

لم يعد الجدل حول عودة العاملين بأجهزة الدولة السودانية إلى مقار عملهم في الخرطوم مجرد مسألة إدارية تتعلق بالحضور والانصراف، بل أصبح اختباراً أوسع لقدرة الدولة على استعادة مؤسساتها، وإعادة تشغيل جهازها التنفيذي، وتحويل القرارات الحكومية من نصوص مكتوبة إلى خدمات يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

وجاء توجيه رئيس مجلس الوزراء رقم (71) لسنة 2026، الصادر في 8 أكتوبر، بشأن إجازات العاملين بالدولة، في أعقاب التوجيه السابق رقم (108) الذي دعا منسوبي أجهزة الدولة إلى التبليغ الفوري لمواقع عملهم. وبحسب ما نشرته وسائل إعلام سودانية، أكد التوجيه الجديد عدم وجود ما يمنع منح العاملين إجازات سنوية أو بدون أجر أو غيرها، وفقاً للقوانين واللوائح المنظمة للخدمة المدنية.

وهنا يبرز السؤال الذي يستحق النقاش: هل تمثل هذه الخطوة معالجة عملية للتحديات التي تواجه الموظفين في العودة إلى مواقع عملهم، أم أنها قد تفتح الباب أمام تقلص القوى العاملة المتاحة في مؤسسات تعاني أصلاً من صعوبات إعادة التشغيل؟

بين حق الموظف وواجب الدولة

لا يمكن النظر إلى الإجازة بدون أجر باعتبارها مجرد خيار إداري عابر، فهي تعني بالنسبة إلى الموظف توقف دخله طوال فترة الإجازة، في وقت يواجه فيه العامل السوداني ضغوطاً معيشية كبيرة، وتكاليف متزايدة للسكن والتنقل وتعليم الأبناء وتوفير الاحتياجات الأساسية.

أما الإجازة السنوية، فهي حق تنظمه اللوائح، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها عقوبة مقنّعة أو وسيلة لإجبار الموظف على اتخاذ قرار لا يتناسب مع ظروفه.

وفي المقابل، فإن الوظيفة العامة ليست امتيازاً منفصلاً عن واجباتها، بل مسؤولية ترتبط باستمرار المرافق العامة وخدمة المواطنين. ومن ثم، فإن تحقيق التوازن بين حقوق العاملين ومتطلبات المصلحة العامة يقتضي إدارة هذا الملف وفق قواعد واضحة، لا وفق قرارات عامة تترك التفاصيل للمؤسسات من دون معايير موحدة ومعلنة.

المعادلة الحقيقية ليست بين حضور الموظف وغيابه فحسب، بل بين حقه في ظروف عمل قابلة للاستمرار، وحق المواطن في الحصول على الخدمات التي تقوم الدولة من أجلها.

الجهاز التنفيذي.. الخطر الذي لا يظهر في كشوفات الحضور

قد يبدو السماح بالإجازات حلاً إدارياً لبعض الحالات التي يتعذر عليها العودة، لكنه قد يتحول إلى تحدٍ مؤسسي إذا اتسع نطاق الإجازات في وحدات حكومية لا تمتلك العدد الكافي من العاملين لتسيير أعمالها.

فالجهاز التنفيذي لا يُقاس بعدد الموظفين الذين يتلقون مرتباتهم، ولا بعدد الذين يعلنون استعدادهم للعودة، وإنما بقدرته على إنجاز المعاملات، وتنفيذ القرارات، وتقديم الخدمات، ومتابعة المشروعات، وتحصيل الإيرادات العامة، وإدارة شؤون المواطنين.

وعندما تتراجع القوى العاملة الفعلية في المؤسسات، قد تظهر آثار ذلك في تأخر المعاملات، وتباطؤ الإجراءات، وتعطل بعض الخدمات، وتزايد الضغط على الموظفين الموجودين في مواقع العمل. وهذه نتائج محتملة تستدعي الاستعداد لها، وليست حكماً مسبقاً بأن القرار سيؤدي إليها بالضرورة.

وتزداد أهمية المسألة في الوزارات والوحدات التي ترتبط أعمالها مباشرة بحياة المواطنين، مثل الصحة والتعليم والسجل المدني والأراضي والضرائب والجمارك والخدمات المحلية. ففي هذه القطاعات، لا يمكن التعامل مع نقص العاملين بالمنطق نفسه المستخدم في الوحدات التي يمكن تأجيل بعض مهامها أو إنجازها عن بُعد.

إن أي سياسة للإجازات لا تضع استمرارية الخدمات في مقدمة أولوياتها قد تنقل المشكلة من الموظف الذي تعذر عليه الحضور إلى المواطن الذي ينتظر خدمة لا يجد من يقدمها.

لماذا يصعب اختزال العودة في قرار إداري؟

من السهل إصدار توجيه يلزم العاملين بالتبليغ إلى مقار عملهم، لكن الأصعب هو تهيئة الظروف التي تجعل العودة ممكنة ومستدامة.

فالحرب وما ترتب عليها من نزوح وتضرر للمنازل والمؤسسات، إلى جانب تحديات السكن والمواصلات والخدمات الأساسية، تفرض واقعاً لا يمكن تجاهله عند تقييم قدرة العاملين على العودة. كما أن ظروف الموظفين ليست واحدة؛ فهناك من يستطيع الانتقال إلى الخرطوم، وهناك من فقد منزله أو استقر مع أسرته في ولاية أخرى، وهناك من ترتبط عودته بعودة المدارس أو توافر الخدمات الأساسية أو وجود الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي.

ولا يعني ذلك أن هذه الظروف تبرر الغياب المفتوح أو تعفي الجميع من واجباتهم، وإنما يعني أن نجاح أي قرار حكومي يحتاج إلى التمييز بين الممتنع عن أداء واجبه، والعاجز عن العودة لأسباب موضوعية، والموظف الذي يستطيع العمل لكنه يحتاج إلى ترتيبات انتقالية.

فالقرار الذي يطالب الموظف بالعودة من دون معالجة أسباب تعذر عودته قد يحقق استجابة شكلية، لكنه لا يضمن بالضرورة استعادة الأداء المؤسسي المطلوب.

ومن هنا، فإن السماح بطلبات الإجازات وفق اللوائح ينبغي أن يكون جزءاً من معالجة إدارية أوسع، لا بديلاً عن خطة واضحة لإعادة تشغيل المؤسسات الحكومية.

الإجازة بدون أجر.. حل فردي أم تكلفة مؤسسية؟

قد تمنح الإجازة بدون أجر الموظف الذي يتعذر عليه الالتحاق بعمله مساحة لتسوية ظروفه، كما قد تساعد المؤسسة على تنظيم أوضاع العاملين الذين لا يستطيعون العودة في المرحلة الراهنة.

لكن هذا الخيار يحمل آثاراً متعددة. فمن جهة، يتوقف دخل الموظف خلال الإجازة، وفق طبيعتها وضوابطها، بما قد يضعه أمام ضغوط معيشية إضافية. ومن جهة أخرى، قد تفقد المؤسسة مؤقتاً خبرات تحتاج إليها في تشغيل المرفق العام، خصوصاً إذا شملت الإجازات أصحاب الوظائف التخصصية أو القيادية أو التي يصعب تعويض شاغليها سريعاً.

كما أن التوسع في الإجازات قد يخلق تفاوتاً بين وحدات الدولة، إذا سمحت بعض المؤسسات بإجازات واسعة بينما فرضت مؤسسات أخرى قيوداً أكثر تشدداً، من دون مراعاة متقاربة لطبيعة العمل والظروف المحيطة به.

والأهم أن الإجازة بدون أجر لا ينبغي أن تصبح بديلاً دائماً عن إصلاح بيئة العمل أو معالجة اختلالات الخدمة المدنية. فالمؤسسة التي تعجز عن الاستفادة من كوادرها تحتاج إلى مراجعة أسباب التعثر، لا الاكتفاء بإبعاد المشكلة عن كشوفات الحضور.

ما المطلوب من الحكومة؟

إذا كانت الحكومة تسعى إلى استعادة فاعلية الجهاز التنفيذي، فإن المطلوب يتجاوز تنظيم الإجازات إلى وضع خطة عملية توازن بين انتظام العمل والظروف الواقعية للعاملين.

أولاً، تصنيف المؤسسات بحسب أهمية خدماتها، وتحديد الحد الأدنى من القوى العاملة اللازمة لتشغيل كل مرفق، بحيث لا تؤدي الإجازات إلى تعطيل الخدمات الحيوية.

ثانياً، وضع ضوابط موحدة وواضحة للنظر في طلبات الإجازات، مع مراعاة القوانين واللوائح، وتحديد الجهات المخولة بالموافقة، وآليات التظلم، منعاً للاجتهادات المتباينة أو الاستخدام التعسفي للصلاحيات.

ثالثاً، إجراء حصر دقيق للعاملين الذين عادوا إلى مواقعهم، والذين تعذر عليهم ذلك، مع التمييز بين أسباب الغياب، حتى تتمكن الدولة من تحديد احتياجاتها الفعلية من الكوادر، بدلاً من الاكتفاء بالأرقام الاسمية في سجلات الخدمة المدنية.

رابعاً، ربط العودة بخطة لتوفير الحد الأدنى من مقومات العمل، بما يشمل مقار العمل الصالحة، ووسائل الوصول إليها، والتنسيق بشأن الخدمات الأساسية، حيثما كانت هذه المتطلبات ضرورية.

خامساً، اعتماد حلول مرنة حيث تسمح طبيعة الوظيفة، مثل العمل عن بُعد لبعض المهام الإدارية، أو الترتيبات المرحلية، أو إعادة توزيع العاملين بين الوحدات، مع ضمان عدم المساس بجودة الخدمات وحقوق الموظفين.

وأخيراً، نشر مؤشرات دورية توضح مدى استعادة المؤسسات لنشاطها، وحجم المعاملات المنجزة، ومستوى توفر الخدمات، حتى لا يصبح نجاح السياسة الحكومية مرتبطاً بعدد الموظفين الذين حضروا إلى مكاتبهم فقط.

الإصلاح الإداري لا يبدأ بالإجازة ولا ينتهي بالعودة

إن قضية العاملين بالدولة تكشف عن تحدٍ أكبر يتعلق بمستقبل الخدمة المدنية السودانية، ودورها في مرحلة تتطلب إعادة بناء المؤسسات واستعادة الثقة في قدرتها على أداء وظائفها.

فالجهاز التنفيذي الفاعل لا يقوم على القرارات وحدها، كما لا يقوم على الموظفين وحدهم؛ إنه يحتاج إلى إدارة قادرة على التخطيط، وموارد تسمح باستمرار العمل، وقواعد عادلة تنظم العلاقة بين الموظف والمؤسسة، وآليات للمحاسبة تضمن أداء الواجبات وحماية الحقوق في الوقت نفسه.

ومن المهم ألا تتحول الإجازة بدون أجر إلى طريق غير مباشر لإخراج الكفاءات من الخدمة، كما ينبغي ألا تتحول الظروف الاستثنائية إلى مبرر لتعطيل مؤسسات الدولة أو التهاون في أداء الواجب العام.

والحكومة مطالبة بأن توضح للعاملين والمواطنين كيف ستوازن بين مقتضيات العودة إلى مقار العمل والظروف التي تحول دون عودة بعض الموظفين، وكيف ستضمن ألا تتأثر الخدمات الأساسية بأي نقص في القوى العاملة.

الخلاصة: الدولة تحتاج إلى موظفيها.. والموظفون يحتاجون إلى دولة فاعلة

في نهاية المطاف، لن يُقاس أثر توجيه الإجازات بعدد الطلبات التي ستُقبل أو تُرفض، وإنما بقدرته على المساهمة في حل مشكلة العودة إلى العمل من دون إضعاف المؤسسات أو الإضرار بحقوق العاملين.

فإذا استُخدم التوجيه ضمن خطة متكاملة، فقد يساعد على تنظيم الأوضاع القانونية والإدارية للموظفين الذين تحول ظروفهم دون العودة. أما إذا اقتصر الأمر على تبادل التوجيهات من دون معالجة العقبات الواقعية، فإن المشكلة ستظل قائمة، وقد تنتقل آثارها إلى أداء الجهاز التنفيذي ومستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.

السودان لا يحتاج إلى موظفين حاضرين في المكاتب فحسب، بل إلى مؤسسات تعمل، وخدمات تصل إلى الناس، وإدارة تدرك أن استعادة الدولة تبدأ من الجمع بين الانضباط والعدالة، وبين سلطة القرار ومسؤولية توفير شروط تنفيذه.

وهنا يبقى السؤال الأهم: هل تتحول هذه الخطوة إلى مدخل لإعادة تنظيم الخدمة المدنية ومعالجة أسباب تعثر العودة، أم تظل مجرد معالجة إجرائية لملف أكبر عنوانه استعادة فاعلية الدولة؟ الإجابة لن تحدد مصير الإجازات وحدها، بل ستكشف جانباً مهماً من قدرة الجهاز التنفيذي على النهوض بمسؤولياته في مرحلة استثنائية من تاريخ السودان.

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.