صدى الحقيقة

نهى تنتفض!!

آمنة السيدح
آمنة السيدح
✍️ تنظير
06 Sep 2026 👁 42
شارك الخبر:
ليس كل ما يحدث أمامنا في ميدان مزدحم يستحق أن يتحول إلى حكاية، لكن بعض اللحظات الصغيرة تكشف أشياء كبيرة. في ميدان العزيزية بمنطقة فيصل في الجيزة، كنا نتابع إحدى عمليات التفويج التي تنظمها لجنة الأمل للعودة الطوعية. حافلات تستعد للانطلاق، أسر تحمل أمتعتها، وجوه يعلوها التعب، وطلاب جامعات يتشبثون بفرصة العودة إلى مقاعد الدراسة وإلى الوطن. كان المشهد هادئاً ومنظماً. أعضاء اللجنة يتحركون بين العائدين، هنا لمعالجة مشكلة، وهناك لتسهيل إجراء، وهنا طالب جامعي لم يتمكن من التسجيل مسبقاً، فتجد اللجنة له حلاً حتى لا تضيع عليه فرصة العودة. ثم فجأة... ارتفع صوت امرأة وسط العائدين. كانت تحتج وتقول إن من يدفعون المال يُسمح لهم بحمل أمتعة إضافية، وكأن العودة أصبحت امتيازاً لمن يملك المال! في لحظة، تبدل المشهد. هرعت نهى محمد حاج إبراهيم، نائب رئيس لجنة النقل بلجنة الأمل للعودة الطوعية، إلى المكان. لم تدخل نهى في جدال، ولم تكتفِ بالنفي. كان سؤالها مباشراً: من الذي يأخذ المال؟ ومن الذي يسمح بالأمتعة الإضافية مقابل الدفع؟ طالبت المرأة بأن تسمي الشخص، وأن تحضر من تقصد. هنا بدأت الحكاية تتراجع. قالت المرأة إنها لا تعرف شخصاً بعينه، وإنما سمعت بذلك! وهنا فهمنا لماذا انتفضت نهى. لم تكن تنتفض دفاعاً عن نفسها، ولا عن موقعها في اللجنة، وإنما دفاعاً عن شيء أكبر.. ثقة المواطن. فحين تكون أمام أناس أنهكتهم الحرب، وأثقلتهم الغربة، ويحملون ما تبقى من حياتهم في حقائب، فإن مجرد شائعة عن استغلال حاجتهم يمكن أن تكون مؤذية بقدر الفعل نفسه. وقفت نهى أمام العائدين وقالتها بوضوح: العودة الطوعية مجانية. لا يدفع المواطن مليما مقابل عودته، والباب مفتوح لكل سوداني يريد العودة إلى وطنه. وحين سألناها بعد ذلك، قالت إن لجنة الأمل تعمل ليل نهار، وتطرق كل الأبواب من أجل إعادة السودانيين إلى بلادهم مجاناً، ولن تسمح لأحد بأن يستغل حاجة العائدين أو يأخذ منهم مالاً باسم اللجنة. وهنا يا سادتي ليست الحكاية حكاية نهى وحدها. إنها حكاية كرامة مواطن. العودة ليست تذكرة سفر فقط، وليست حمولة أمتعة، وليست فرصة للربح من وجع الناس. العودة حق... والكرامة حق... والوطن لا يُباع لمن يملك المال. ولذلك أعجبتني «نهى المنتفضة». فالإنسان قد يعمل بهدوء طوال الوقت، لكن هناك لحظات لا يصلح معها الهدوء. لحظات تحتاج إلى صوت يقول: لا. لا لاستغلال المحتاج. لا للمتاجرة بعودة الناس. ولا للشائعات التي تهدم عملاً كبيراً بُني من أجل الناس. وهكذا سادتي تواصل لجنة الأمل مهمتها، تفتح الطريق أمام السودانيين الراغبين في العودة، وتحاول أن تجعل رحلة الرجوع إلى الوطن رحلة كرامة لا رحلة معاناة. أما نهى، فقد انتفضت في اللحظة التي احتاج فيها الناس إلى من يقول الحقيقة بصوت مسموع، وفي زمنٍ كثرت فيه الأقاويل. سادتي ربما أصبحنا نحتاج إلى مزيد من الذين ينتفضون... خاصه حين تكون كرامة الناس على المحك.
تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.