اختُتمت في العاصمة الأوغندية كمبالا، الجمعة، أعمال الجولة السادسة والثلاثين لاجتماعات واضعي السياسات لآلية شرق أفريقيا للتعاون الأمني «إيساف»، بمشاركة الدول الأعضاء، وسط نقاشات ركزت على قضايا الأمن والاستقرار في الإقليم، والتحديات التي تواجه دول المنطقة، إلى جانب تطورات الأوضاع في السودان وانعكاساتها الأمنية والإنسانية.
وترأس وفد السودان إلى الاجتماعات الفريق الركن معتصم عباس التوم، نائب رئيس هيئة الأركان للعمليات، فيما أصدرت الاجتماعات عدداً من القرارات المتعلقة بالشؤون الأمنية والترتيبات الإدارية للآلية والقضايا المرتبطة بأمن واستقرار إقليم شرق أفريقيا.
السودان يضع الدعم الخارجي لمليشيا الدعم السريع أمام «إيساف»
وفي كلمته أمام الاجتماع، أكد ممثل وزير الدفاع السوداني أن بعض الدول الأعضاء ما تزال تقدم أشكالاً مختلفة من الدعم إلى **مليشيا الدعم السريع**، معتبراً أن استمرار هذا الدعم يتعارض مع الأهداف والمبادئ الأساسية التي أنشئت آلية شرق أفريقيا للتعاون الأمني من أجلها.
وأشار إلى أن الأهداف الجوهرية للآلية تقوم على تضافر الجهود المشتركة بين دول الإقليم لإحلال السلام والأمن، وتعزيز التعاون في مواجهة التحديات الأمنية، والالتزام بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء.
ودعا الدول التي تقدم الدعم إلى **مليشيا الدعم السريع** إلى الكف عن هذا النهج، محذراً من أن استمرار تقديم الدعم لن تقتصر آثاره على السودان وحده، وإنما يمكن أن تمتد تداعياته إلى أمن واستقرار الدول المجاورة والإقليم بصورة عامة.
ويعكس الموقف السوداني رغبة واضحة في نقل قضية الدعم الخارجي لمليشيا الدعم السريع من إطار الاتهامات السياسية المتبادلة إلى مستوى المؤسسات الإقليمية، باعتبار أن استمرار تدفق الدعم إلى المليشيا يطيل أمد الحرب ويزيد من تعقيد فرص فرض سلام ستنعكس آثاره الأمنية ليس على السودان فحسب وإنما على كل الإقليم.
الحرب السودانية.. أزمة تتجاوز حدود الخرطوم
وتفرض الحرب المستمرة في السودان منذ أبريل 2023 تحديات أمنية وإنسانية واسعة على المنطقة، في ظل امتداد آثارها إلى دول الجوار عبر موجات النزوح واللجوء، وحركة التجارة والحدود، والتحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن المخاوف من انتقال تداعيات الصراع إلى مناطق أخرى.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الدور الذي يمكن أن تضطلع به المنظمات والآليات الأفريقية في التعامل مع الأزمة السودانية، خصوصاً تلك التي تمتلك أطراً للتعاون الأمني بين دول المنطقة.
ويرى السودان أن معالجة الأزمة تتطلب احترام سيادته ووحدة أراضيه، ووقف أي أشكال للدعم الخارجي الذي يسهم في استمرار القتال، إلى جانب دعم الجهود الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار.
السودان يتولى رئاسة «إيساف» في 2027
وفي تطور مهم، أقر اجتماع كمبالا بالإجماع تولي السودان رئاسة آلية شرق أفريقيا للتعاون الأمني «إيساف» لعام 2027، مع استضافة السودان لاجتماعات الآلية، مراعاةً للظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.
ويمثل القرار أهمية سياسية وأمنية بالنسبة للخرطوم، باعتباره يؤكد استمرار حضور السودان داخل المنظومة الإقليمية، رغم الظروف التي فرضتها الحرب.
كما أن تولي السودان رئاسة الآلية في 2027 يمنحه فرصة للمساهمة بصورة أكبر في صياغة أجندة التعاون الأمني في شرق أفريقيا، والدفع نحو تعزيز العمل المشترك لمواجهة التحديات التي تواجه دول الإقليم.
إعفاء السودان من العقوبات المالية
وفي جانب آخر، قرر الاجتماع عدم فرض عقوبات على السودان بسبب المتأخرات المالية المستحقة عليه، في خطوة تعكس مراعاة الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد وتأثير الحرب على مؤسسات الدولة ومواردها.
ويكتسب القرار أهمية بالنسبة للسودان، لأنه يسمح باستمرار مشاركته الفاعلة في أنشطة الآلية دون أن تشكل الالتزامات المالية عائقاً أمام دوره داخل المنظمة.
إشادة بقدرات السودان الجوية
وأشاد المجلس بجاهزية السودان لتقديم الدعم والمقدرات الجوية اللازمة للمساعدات الإنسانية في المنطقة.
ويأتي هذا الموقف في وقت تواجه فيه دول شرق أفريقيا تحديات إنسانية متزايدة، الأمر الذي يجعل القدرات اللوجستية والجوية عاملاً مهماً في إيصال المساعدات إلى المناطق التي يصعب الوصول إليها.
كما يحمل الأمر دلالة على استمرار النظر إلى السودان باعتباره دولة تمتلك إمكانات ومقدرات يمكن أن تسهم في منظومة العمل الإنساني والأمني الإقليمي، رغم الظروف التي يعيشها.
قمة مرتقبة في أوغندا
وأوصى اجتماع واضعي السياسات الأمنية بعقد قمة لآلية شرق أفريقيا للتعاون الأمني في أوغندا بنهاية العام الحالي، بما يوفر منصة أوسع أمام قادة دول الآلية لمناقشة قضايا الأمن والاستقرار والتحديات المشتركة التي تواجه المنطقة.
ومن المنتظر أن تكتسب القمة أهمية إضافية في ظل استمرار الحرب السودانية، وما ترتب عليها من تداعيات إنسانية وأمنية واقتصادية.
رئاسة 2027.. فرصة للسودان لتعزيز حضوره الإقليمي
ويأتي اختيار السودان لرئاسة «إيساف» في مرحلة شديدة الحساسية من تاريخه، حيث يخوض الجيش السوداني حرباً ضد **مليشيا الدعم السريع**، بينما تتواصل الجهود السياسية والإقليمية والدولية للوصول إلى سلام واستقرار يعيد الأمن في السودان ويزيح شبح إمتداد النزاع لدول الإقليم.
وفي ظل هذه الظروف، تمثل رئاسة السودان للآلية في 2027 فرصة لتعزيز حضوره داخل المؤسسات الأفريقية، والتأكيد على رؤيته بشأن قضايا الأمن الإقليمي، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
كما يمكن للخرطوم أن تستخدم موقعها داخل الآلية للدفع باتجاه تعزيز التعاون الأمني بين دول شرق أفريقيا، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود، ودعم الاستقرار، ومنع تحول الصراعات الداخلية إلى أزمات إقليمية ممتدة.
وتبرز أهمية اجتماع كمبالا في أنه وضع الحرب السودانية ضمن أجندة مؤسسة أمنية إقليمية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى موقف أفريقي أكثر فاعلية تجاه الأزمة.
وبينما تستعد الخرطوم لتولي رئاسة «إيساف» في 2027، فإن التحدي الأكبر أمامها سيكون تحويل هذا الحضور الإقليمي إلى دور عملي يخدم أمن السودان واستقرار المنطقة، ويعزز فرص السلام، ويضع حداً لأي دعم خارجي لمليشيا الدعم السريع من شأنه إطالة أمد الحرب وتعقيد مسار التسوية.