صدى الحقيقة

من شمبات.. البرهان يرفع سقف الرسائل: لا عودة إلى ما قبل الحرب والقصاص عنوان المرحلة المقبلة

من شمبات.. البرهان يرفع سقف الرسائل: لا عودة إلى ما قبل الحرب والقصاص عنوان المرحلة المقبلة
تقارير
25 Jul 2026 👁 109
صدى الحقيقة – قراءة تحليلية
صدى الحقيقة – قراءة تحليلية
شارك الخبر:

لم تكن زيارة رئيس مجلس السيادة الانتقالي، القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان، إلى منطقة شمبات بمدينة الخرطوم بحري، مجرد حضور لأداء صلاة الجمعة أو مناسبة اجتماعية عابرة، بل حملت كلماته عقب الصلاة جملة من الرسائل السياسية والعسكرية والمجتمعية، في توقيت بالغ الحساسية من مسار الحرب في السودان.

ومن قلب شمبات، إحدى مناطق الخرطوم التي شهدت معارك عنيفة خلال الحرب، اختار البرهان أن يوجه رسائل واضحة بشأن مستقبل المعركة، ومصير الدعم السريع، والمرحلة التي يرى أن السودان مقبل عليها، واضعاً عناوين رئيسية تتراوح بين *الحسم العسكري، والقصاص، واستعادة الحقوق، وحماية مؤسسات الدولة، وتوحيد الجبهة الداخلية*.

الرسالة الأولى: الحرب لم تنتهِ في خطاب البرهان

أبرز ما حمله خطاب البرهان هو التعهد بطرد قوات الدعم السريع، والتأكيد على عدم السماح بتكرار التجربة التي وصفها بالقاسية.

هذه الرسالة تعني أن القيادة العسكرية لا تنظر إلى الحرب باعتبارها مجرد مواجهة تنتهي بانتهاء العمليات العسكرية، وإنما باعتبارها تجربة يجب أن تترك وراءها ترتيبات تمنع تكرارها مستقبلاً.

وعندما يقول البرهان إن هذه التجربة لن تتكرر، فإن الرسالة الأوسع تبدو مرتبطة بمستقبل الدولة نفسها، وبضرورة إعادة تنظيم المشهد الأمني والعسكري بما يضمن عدم نشوء قوة موازية قادرة على تهديد مؤسسات الدولة أو فرض واقع جديد بقوة السلاح.

الرسالة الثانية: لا تسوية قبل حسم ملف المسؤولية

في حديثه عن القصاص لدماء السودانيين واسترداد الحقوق، يضع البرهان ملف المساءلة في قلب المرحلة المقبلة.

فالرسالة هنا لا تتعلق فقط بالمعركة العسكرية، وإنما بما سيأتي بعدها. وبحسب هذا الخطاب، فإن انتهاء القتال لا يعني إغلاق ملفات الانتهاكات أو تجاوز ما حدث، بل إن مسألة محاسبة المسؤولين واسترداد الحقوق ستظل حاضرة في المشهد.

وهذا يرفع سقف التوقعات بشأن مرحلة ما بعد الحرب، ويطرح في الوقت نفسه سؤالاً حول طبيعة الآليات التي ستُستخدم لتحقيق العدالة، وكيف يمكن التوفيق بين مطلب القصاص وبين ضرورة بناء دولة قادرة على تجاوز الحرب ومداواة جراح المجتمع.

الرسالة الثالثة: شمبات ليست مجرد موقع عسكري

اختيار شمبات لإطلاق هذه الرسائل يحمل دلالة رمزية.

فالمنطقة التي أشاد البرهان بصمود سكانها ودعمهم للقوات المسلحة، شهدت خلال الحرب واحدة من صور المعاناة التي عاشتها مناطق واسعة من العاصمة.

لكن البرهان لم يتحدث عن شمبات باعتبارها ساحة معارك فقط، بل استحضر تاريخها في نشر العلم والمعرفة والتكافل وإغاثة المحتاجين.

وهنا تبدو الرسالة واضحة: *السودان الذي يريد البرهان استعادته ليس مجرد أرض تُحسم فيها المعارك، وإنما مجتمع له ذاكرة وقيم ومؤسسات يجب أن تعود إلى أداء دورها*.

ومن هذه الزاوية، يصبح استحضار تاريخ شمبات محاولة لربط معركة استعادة الدولة بمعركة استعادة المجتمع أيضاً.

الرسالة الرابعة: الشعب هو السند الحقيقي

جدد البرهان تأكيده أن الشعب السوداني هو السند الحقيقي والركيزة الصلبة للبلاد ولصون مؤسساتها الوطنية.

وهذه الرسالة تبدو موجهة إلى الداخل والخارج في آن واحد.

فعلى المستوى الداخلي، تؤكد القيادة العسكرية أن استمرار الدولة لا يعتمد فقط على القوة العسكرية، وإنما على الدعم الشعبي والالتفاف حول مؤسسات الدولة.

أما على المستوى الخارجي، فهي رسالة بأن المؤسسة العسكرية ترى نفسها في مواجهة تهديد يستهدف الدولة ومؤسساتها، وأن المعركة، وفق هذا التصور، تتجاوز الصراع بين طرفين عسكريين إلى صراع على شكل الدولة ومستقبلها.

الرسالة الخامسة: مواجهة ما يسميه البرهان بالمهددات الخارجية

لم يكتفِ خطاب البرهان بالحديث عن الدعم السريع، بل دعا إلى التصدي لما وصفه بالمهددات الخارجية التي تستهدف وحدة السودان وسيادته واستقراره.

وهذه إشارة مهمة في قراءة الخطاب، لأنها تؤكد أن القيادة السودانية تنظر إلى الحرب من زاوية تتجاوز البعد الداخلي، وترى أن للسياق الإقليمي والدولي دوراً في الأزمة.

ومن هنا تأتي دعوته إلى التكاتف والتعاضد بين مكونات المجتمع، باعتبار أن الحفاظ على وحدة البلاد وسيادتها يتطلب جبهة داخلية متماسكة في مواجهة ما يعتبره تهديدات خارجية.

الرسالة السادسة: الدين حاضر في خطاب المرحلة

استحضر البرهان في حديثه دعوات المشايخ ورجال الدين، وثمن تضرعهم من أجل تطهير السودان وخلاصه ممن يريدون النيل منه وسيادته.

ويكشف ذلك عن حضور البعد الديني والروحي في الخطاب السياسي للمرحلة الحالية، خصوصاً في ظل حجم المأساة التي خلفتها الحرب.

لكن الرسالة الأهم هنا هي محاولة استنهاض البعد المعنوي للمجتمع، إلى جانب البعد العسكري، في معركة يرى البرهان أنها تتطلب الصبر والتماسك والإيمان بقدرة البلاد على تجاوز محنتها.

من شمبات.. إلى مرحلة ما بعد الحرب

ربما تكون الرسالة الأهم التي حملها خطاب البرهان هي أن المرحلة المقبلة، وفق رؤيته، لن تكون مجرد عودة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل الحرب.

فالتعهد بعدم تكرار التجربة، والحديث عن القصاص واسترداد الحقوق، والتشديد على حماية مؤسسات الدولة، كلها مؤشرات على أن ما بعد الحرب سيكون مختلفاً عن ما قبلها.

لكن السؤال الأكبر سيظل مرتبطاً بكيفية ترجمة هذه الرسائل إلى واقع سياسي وقانوني ومؤسسي.

فإنهاء الحرب يحتاج إلى أكثر من الانتصار العسكري؛ يحتاج إلى بناء دولة قادرة على احتواء آثار الصراع، وإعادة النازحين، وإعمار المدن، واستعادة الخدمات، وتحقيق العدالة، ومعالجة الأسباب التي قادت إلى الانفجار.

الخلاصة: شمبات.. رسائل حرب ورسائل دولة

من شمبات، جمع البرهان في خطابه بين أكثر من عنوان: *الحسم العسكري، القصاص، استرداد الحقوق، حماية مؤسسات الدولة، توحيد الجبهة الداخلية، ومواجهة التدخلات الخارجية*.

لكن الرسالة الأبعد تبدو في قوله إن التجربة لن تتكرر.

فإذا كان هذا التعهد يعني أن الدولة السودانية لن تسمح مستقبلاً بوجود قوى عسكرية موازية لمؤسساتها، فإن ما بعد الحرب سيكون أمام اختبار تاريخي لإعادة بناء المنظومة الأمنية والسياسية على أسس تمنع تكرار الصراع.

وفي المقابل، فإن نجاح هذه الرؤية لن يُقاس فقط بما يحدث في ميادين القتال، وإنما بما سيحدث بعد توقف الرصاص.

فالسودان يحتاج، إلى جانب استعادة الأرض، إلى استعادة الإنسان؛ وإلى جانب حماية المؤسسات، إلى إعادة بناء الثقة؛ وإلى جانب الحديث عن القصاص، إلى تأسيس عدالة قادرة على طي صفحة الحرب دون أن تطوي حقوق الضحايا.

ومن شمبات، التي تحدث البرهان عن تاريخها في العلم والتكافل والصمود، بدت الرسالة وكأنها تتجاوز اللحظة العسكرية الراهنة إلى سؤال المستقبل:

*هل تكون نهاية الحرب بداية لسودان جديد، لا تتكرر فيه تجربة الحرب نفسها، أم أن البلاد ستظل تدور في الحلقة ذاتها؟*

ذلك هو الاختبار الأكبر الذي ستكشف عنه الأيام المقبلة.