صدى الحقيقة

بعد عزل كريم خان.. المحكمة الجنائية الدولية أمام اختبار أصعب: هل تنتصر العدالة أم تتسع أزمة الثقة؟

بعد عزل كريم خان.. المحكمة الجنائية الدولية أمام اختبار أصعب: هل تنتصر العدالة أم تتسع أزمة الثقة؟
تقارير
24 Jul 2026 👁 29
صدى الحقيقة – تقرير خاص
شارك الخبر:

دخلت المحكمة الجنائية الدولية، الجمعة، مرحلة جديدة من تاريخها، بعدما صوّتت الدول الأعضاء على عزل المدعي العام كريم خان من منصبه، في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ المحكمة، على خلفية اتهامات بسوء سلوك جنسي، ينفيها خان بشدة. وبحسب مصادر دبلوماسية نقلت عنها وكالة «رويترز»، صوّت 82 من أصل 125 دولة عضواً لصالح إبعاده. كما أكدت وكالة «أسوشييتد برس» أن ممثلي الدول الأعضاء صوتوا على عزل خان بعد نحو عامين من ظهور الاتهامات بحقه.

ويضع القرار المحكمة أمام مرحلة بالغة الحساسية، ليس فقط بسبب خروج مدعٍ عام قاد المؤسسة خلال السنوات الأخيرة، وإنما لأن قضية عزله جاءت في ظل انقسام دولي حاد حول المحكمة ودورها، ولا سيما بعد تحركات مكتب الادعاء في ملفات دولية شديدة الحساسية، من بينها الحرب في غزة، وما تبعها من ضغوط وانتقادات من الولايات المتحدة وإسرائيل.

وكان خان قد نفى الاتهامات الموجهة إليه، فيما وصف فريقه القانوني الإجراءات التي قادت إلى التصويت بأنها غير قانونية وغير عادلة إجرائياً، واعتبر أنها لا تستند إلى أدلة كافية. وفي المقابل، قالت مصادر دبلوماسية إن القرار جاء بعد مسار تأديبي خلص إلى وجود سوء سلوك، بينما أعلنت دول بينها هولندا وفرنسا والنرويج تأييدها لإبعاده.

من المساءلة إلى أزمة الثقة

يتجاوز عزل كريم خان شخص المدعي العام إلى اختبار أوسع لمصداقية المحكمة الجنائية الدولية. فالمؤسسة التي تأسست على مبدأ محاسبة مرتكبي الجرائم الدولية، أياً كانت مواقعهم، باتت مطالبة الآن بإثبات أن قواعد المساءلة تنطبق عليها بالقدر نفسه الذي تطالب به الآخرين.

ومن هذه الزاوية، يرى مؤيدو قرار العزل أن إخضاع أعلى مسؤول ادعاء في المحكمة للمساءلة يمثل تأكيداً على أن أحداً ليس فوق القانون، وأن الحفاظ على ثقة الضحايا والعاملين في المؤسسة يتطلب التعامل بحزم مع أي انتهاكات محتملة.

في المقابل، فإن الجدل حول الإجراءات والأدلة التي سبقت القرار لن ينتهي بمجرد التصويت، خصوصاً أن خان أنكر الاتهامات، فيما أثار فريقه القانوني اعتراضات على المسار الذي قاد إلى عزله. وهنا تكمن إحدى أهم تداعيات القضية: هل استطاعت المحكمة أن تضمن في محاسبتها لمسؤولها السابق المعايير نفسها من العدالة الإجرائية التي تدعو إليها في القضايا التي تنظر فيها؟

السياسة حاضرة.. لكن إلى أي مدى؟

يصعب فصل أزمة كريم خان عن السياق السياسي المحيط بالمحكمة. فقد واجهت المحكمة خلال الفترة الأخيرة ضغوطاً متزايدة، خصوصاً بعد تحركات الادعاء في ملف الحرب في غزة، وطلب إصدار أوامر توقيف بحق مسؤولين إسرائيليين، وهو ما أثار غضب إسرائيل والولايات المتحدة.

وفي الوقت ذاته، فرضت واشنطن عقوبات على مسؤولين في المحكمة، وجددت انتقاداتها للمؤسسة ورفضها لاختصاصها في قضايا تتعلق بمواطنين أمريكيين وإسرائيليين.

هذا السياق جعل قضية عزل خان محلاً لقراءات متباينة. فهناك من يرى أن القضية يجب أن تُقرأ باعتبارها ملفاً تأديبياً مستقلاً لا علاقة له بالسياسة، وأن أي محاولة لربط العزل بملفات المحكمة الدولية قد تضعف جوهر المساءلة نفسها.

في المقابل، يرى آخرون أن توقيت الأزمة، والضغوط السياسية التي تعرضت لها المحكمة، يجعلان من الصعب تجاهل البيئة الدولية التي جرى فيها عزل المدعي العام، حتى لو كانت الاتهامات الموجهة إليه منفصلة من حيث المبدأ عن الملفات السياسية التي تعامل معها مكتبه.

هل انتهت القضية بعزل خان؟

رغم انتهاء مصير كريم خان داخل المحكمة، فإن تداعيات القضية لم تنتهِ. فقرار العزل يفتح الباب أمام مرحلة انتقالية واختيار مدعٍ عام جديد، في وقت تحتاج فيه المحكمة إلى الحفاظ على استمرارية عملها واستقلالها، وإقناع العالم بأن تغيير القيادة لن يؤثر على مسار القضايا التي تنظر فيها.

وفي هذا السياق، أكدت تقارير «رويترز» أن عزل خان لا يعني تلقائياً إلغاء أوامر التوقيف الصادرة عن المحكمة، إذ إن إلغاء تلك الأوامر من اختصاص قضاة المحكمة وليس المدعي العام.

وهذا يعني أن الملفات التي فتحت خلال ولاية خان ستظل قائمة، وأن المحكمة ستواصل عملها وفق الإجراءات القانونية المعتمدة، بغض النظر عن التغيير الذي طرأ على رأس جهاز الادعاء.

المعركة الحقيقية على صورة العدالة الدولية

المفارقة التي تواجه المحكمة اليوم هي أنها مطالبة بإثبات أمرين في وقت واحد: أنها قادرة على محاسبة مسؤوليها، وأن قراراتها لا تخضع للضغوط السياسية.

فالقول إن أحداً ليس فوق القانون يفقد جزءاً من قوته إذا شكك الرأي العام في نزاهة الإجراءات، كما أن الحديث عن استقلال المحكمة يصبح أكثر صعوبة إذا بدا أن قراراتها تتأثر بالمناخ السياسي الدولي.

ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام المحكمة لن يكون فقط في اختيار خليفة كريم خان، وإنما في استعادة الثقة وتعزيز الشفافية وتحصين مؤسساتها من أي ضغوط، سواء جاءت من الداخل أو الخارج.

اختبار ما بعد كريم خان

قد يطوي عزل كريم خان صفحة من تاريخ المحكمة الجنائية الدولية، لكنه يفتح في الوقت نفسه صفحة أكثر تعقيداً.

فالمحكمة التي خرجت من أزمة قيادة غير مسبوقة مطالبة الآن بأن تثبت أن المؤسسات أقوى من الأفراد، وأن العدالة لا تتوقف على شخص المدعي العام، وأن المساءلة يمكن أن تتم دون أن تتحول إلى أداة سياسية.

وفي عالم تتزايد فيه الشكوك حول قدرة المؤسسات الدولية على محاسبة الأقوياء، فإن مستقبل المحكمة سيتحدد إلى حد كبير بقدرتها على تجاوز هذه الأزمة، لا بمجرد تغيير المدعي العام، وإنما بإقناع العالم بأن العدالة الدولية يمكن أن تكون مستقلة ونزيهة في آن واحد، وأن القانون لا يُستخدم فقط لمحاسبة الآخرين، بل يُطبق أيضاً على من يتولون مهمة تطبيقه.

وهكذا، فإن عزل كريم خان قد يكون نهاية لمسيرة مدعٍ عام، لكنه بالتأكيد ليس نهاية الجدل حول المحكمة الجنائية الدولية؛ بل ربما يكون بداية الاختبار الأصعب في تاريخها: كيف تحافظ على مصداقيتها وهي تواجه في الوقت نفسه أزمة داخلية وضغوطاً سياسية خارجية؟

المصدر: صدى الحقيقة