صدى الحقيقة

بين ضجيج النقد وصمت الإنجاز.. السودان يبحث عن حكومة تُقاس بالأفعال

بين ضجيج النقد وصمت الإنجاز.. السودان يبحث عن حكومة تُقاس بالأفعال
تقارير
18 Jul 2026 👁 59
صدى الحقيقة: تقرير تحليلي
شارك الخبر:

أعاد المقال الذي كتبه وزير الثقافة والإعلام والسياحة خالد الإعيسر بعنوان "بالواضح: نحن وزراء لا تخيفهم الأصوات النشاز" فتح باب النقاش حول طبيعة العلاقة بين السلطة والإعلام في مرحلة دقيقة من تاريخ السودان، إلا أن أهمية المقال تتجاوز حدود الرد على الانتقادات أو الدفاع عن أداء الحكومة، لتطرح سؤالاً أكثر جوهرية يتعلق بكيفية إدارة الدولة في مرحلة ما بعد الحرب.

فالتحدي الحقيقي الذي تواجهه الدولة اليوم لا يتمثل في القدرة على تقديم المرافعات أو تفسير أسباب التعثر، بل في الانتقال من مرحلة شرح الأزمات إلى مرحلة إنتاج الحلول، ومن خطاب الدفاع عن الماضي إلى بناء الثقة بالمستقبل. فالحكومات لا تُقاس فقط بحجم التحديات التي ورثتها، وإنما بقدرتها على تحويل تلك التحديات إلى سياسات واضحة ونتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

الحكومة بين إرث الماضي وتحديات الحاضر

لا خلاف على أن الحكومة الحالية تسلمت واقعاً بالغ التعقيد، في ظل تراكمات سياسية واقتصادية امتدت لعقود، قبل أن تأتي الحرب لتضيف أعباءً غير مسبوقة على مؤسسات الدولة، وتستنزف الموارد، وتعطل قطاعات واسعة من الاقتصاد والخدمات.

كما أن فترة زمنية محدودة لا تكفي لمعالجة أزمات متراكمة بهذا الحجم، إلا أن صعوبة المهمة لا يمكن أن تتحول إلى مبرر دائم لتفسير التعثر، فالشعوب لا تقيس الحكومات فقط بحجم الأزمات التي ورثتها، بل بقدرتها على تحويل تلك الأزمات إلى برامج تعافٍ ونتائج ملموسة.

فالمواطن الذي يواجه تحديات المعيشة والخدمات لا يبحث فقط عن معرفة أسباب الأزمة، بل ينتظر رؤية واضحة لكيفية الخروج منها.

من الدفاع السياسي إلى إدارة الدولة

وفي مراحل الأزمات، تميل الحكومات غالباً إلى الدفاع عن نفسها أمام الانتقادات، لكن إدارة الدولة الحديثة تتطلب تجاوز هذا النمط إلى بناء منظومة تقوم على المعلومات والشفافية وقياس الأداء.

فالاعتراف بحجم التحديات يمثل بداية صحيحة، لكنه لا يكفي، إذ تحتاج الدولة إلى مشروع تعافٍ واضح يقوم على:

• أهداف محددة وقابلة للقياس.

• خطط زمنية معلنة.

• تقارير دورية عن مستوى التنفيذ.

• توضيح أسباب النجاح أو التعثر.

فالحكومة التي تطلب من المواطنين الصبر مطالبة في المقابل بمنحهم حق المعرفة، لأن الثقة لا تُبنى بالخطابات، وإنما بالمعلومات والنتائج.

الإنجاز هو أقوى رد على الانتقاد

تواجه الحكومات في مختلف دول العالم انتقادات مستمرة، لكن الفارق بين الحكومات القوية والضعيفة يكمن في طريقة التعامل معها.

فالرد الأكثر تأثيراً ليس البيانات الدفاعية ولا المعارك الإعلامية، بل القدرة على تقديم إنجازات تجعل الواقع نفسه يتحدث.

وفي الحالة السودانية، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة إدارة التوقعات، بحيث يعرف المواطن ما الذي تعمل الحكومة على تحقيقه، ومتى يمكن قياس النتائج. فالوزارات لا تُقاس بعدد التصريحات، وإنما بما تنتجه من أثر في حياة الناس.

اختبار الالتزام بقياس الأداء

عند تشكيل الحكومة، أعلن رئيس مجلس الوزراء عن إخضاع الوزراء للتقييم وقياس الأداء المستمر، وهو مبدأ يمثل تحولاً مهماً في فلسفة إدارة الدولة، باعتبار أن المنصب العام مسؤولية مرتبطة بالنتائج وليس امتيازاً سياسياً.

هذا الإعلان وجد ترحيباً باعتباره مدخلاً لإعادة بناء ثقافة مؤسساتية جديدة، تقوم على أن استمرار المسؤول في موقعه يجب أن يكون مرتبطاً بما يحققه من إنجاز.

لكن الانتقال من إعلان المبدأ إلى تطبيقه يتطلب خطوات عملية، من بينها نشر مؤشرات الأداء، وإجراء مراجعات دورية، وربط التقييم بالقدرة على الإنجاز، حتى لا يبقى الأمر مجرد شعار إداري.

الإعلام.. شريك في الرقابة لا خصم للدولة

في ظل غياب المجلس التشريعي، تصبح الصحافة والإعلام أحد أدوات الرقابة المهمة في المجتمع، لكن هذا الدور يفقد قيمته عندما يتحول النقد إلى تشهير أو أحكام مسبقة.

فالمساءلة المهنية لا تهدم المؤسسات، بل تساعد على إصلاحها، كما أن حماية الدولة لا تعني تحصين المسؤولين من النقد، وإنما حماية المؤسسات من الفوضى والارتجال.

وفي المقابل، فإن الحكومة تتحمل مسؤولية كبيرة في توفير المعلومات، لأن غياب البيانات يخلق مساحة واسعة للشائعات والتفسيرات المتضاربة.

فالشفافية ليست نقطة ضعف للحكومات، بل مصدر قوة، لأنها تنقل النقاش العام من دائرة الانطباعات إلى دائرة الحقائق.

نحو عقد جديد بين الدولة والإعلام

يحتاج السودان في هذه المرحلة إلى علاقة مؤسسية جديدة بين الحكومة والإعلام، تقوم على التوازن:

الحكومة تقدم المعلومات، وتقبل التقييم، وتوضح سياساتها.

والإعلام يمارس دوره الرقابي بالدقة والمهنية والإنصاف.

فلا السلطة تملك حق مصادرة النقد، ولا الإعلام يملك احتكار الحقيقة، وإنما الحقيقة تُبنى من خلال الأدلة والمعلومات والحوار المسؤول.

الدولة لا تنهض بالمرافعات

إن الدول لا تنهار بسبب مقال ينتقد مسؤولاً، ولا تتعافى بسبب خطاب دفاعي يبرر الإخفاقات، بل تنهار عندما يصبح الجدل بديلاً عن الفعل، وتنهض عندما يصبح الأداء معيار الحكم.

السودان اليوم أمام اختبار حقيقي: هل ينتقل من مرحلة إدارة الأزمات إلى بناء دولة المؤسسات؟

فالمرحلة المقبلة لن تحتاج إلى مزيد من المرافعات، بقدر حاجتها إلى خطط واضحة، وشفافية كاملة، ومسؤولين يدركون أن المناصب العامة تُقاس بما تتركه من أثر.

فالإنجاز هو الحجة الأقوى، والثقة هي رأس المال السياسي لأي حكومة، والدولة التي تُدار بالنتائج لا بالشعارات هي وحدها القادرة على استعادة ثقة مواطنيها والعبور نحو الاستقرار.

المصدر: صدى الحقيقة