أعاد تقرير جديد لبعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان ملف الدعم الخارجي لحرب السودان إلى صدارة الاهتمام الدولي، بعدما وثّق وجود شبكات عابرة للحدود أسهمت في توفير مقاتلين وأسلحة وذخائر وتدريب وتكنولوجيا عسكرية ودعم لوجستي لمليشيا الدعم السريع، في وقت حذرت فيه البعثة من أن هذا الدعم الخارجي يعزز القدرات العسكرية ويزيد من حجم الأضرار التي تلحق بالمدنيين.
وفي تقريرها الصادر في 3 سبتمبر 2026، قالت البعثة إن لديها *"أسباباً معقولة للاعتقاد"* بأن شبكة دعم عابرة للحدود استفادت منها مليشيا الدعم السريع، وشملت أسلحة ومعدات عسكرية ومساعدات لوجستية وتدريباً وأفراداً أجانب.
وأشار التقرير إلى أن شركات خاصة ووسطاء ومجندين يعملون عبر عدة دول، بينها *الإمارات العربية المتحدة وكولومبيا وتشاد وليبيا والصومال*، سهّلوا أجزاء من منظومة الدعم، مع استخدام نقاط عبور ومراكز لوجستية في تشاد وجنوب شرق ليبيا وبوصاصو في الصومال لنقل أفراد ومعدات وإمدادات إلى مناطق خاضعة لسيطرة مليشيا الدعم السريع في السودان.
الإمارات في مسار شبكة الدعم
وتبرز الإمارات في التقرير باعتبارها إحدى الدول التي قالت البعثة إن *كيانات خاصة ووسطاء ومجندين يعملون منها أو عبرها* ارتبطوا بعناصر من شبكة الدعم الخارجي لمليشيا الدعم السريع.
وتستخدم البعثة في توصيفها لغة قانونية احترازية، إذ لا تقدم في التقرير حكماً قضائياً نهائياً بأن الحكومة الإماراتية نفسها قدمت الأسلحة أو وجهت العمليات، وإنما تتحدث عن أدلة تربط *أفراداً وكيانات موجودة في الإمارات بعناصر من ترتيبات الإمداد والدعم*.
وبحسب التقرير، فإن الأدلة التي جمعتها البعثة تشير إلى أن هذه الشبكات أسهمت في تعزيز قدرة مليشيا الدعم السريع على مواصلة عملياتها العسكرية في دارفور وكردفان ومناطق أخرى من السودان.
وهنا تكمن أهمية التقرير سياسياً وقانونياً؛ إذ لم يعد النقاش الدولي يقتصر على وجود دعم خارجي للحرب، وإنما أصبح مرتبطاً بتحديد *الشبكات والأفراد والكيانات والمسارات التي ساعدت على وصول السلاح والمقاتلين والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية إلى دارفور*.
ما الذي وثقته الأمم المتحدة بشأن المقاتلين الأجانب؟

من أبرز ما كشفه التقرير توثيق نشر ما يصل إلى *2000 متعاقد عسكري كولومبي سابق*، شارك بعضهم بصورة مباشرة في تشغيل المسيّرات القتالية والمدفعية والأسلحة المتقدمة إلى جانب مليشيا الدعم السريع في دارفور وكردفان.
وتقول البعثة إن هؤلاء المقاتلين لم يقتصر دورهم على المشاركة القتالية، بل ارتبط بعضهم بتقديم مهارات عسكرية وتقنية متقدمة، وهو ما ساعد على تعزيز القدرات العملياتية لمليشيا الدعم السريع.
وتتقاطع هذه النتائج مع تحقيق سابق أجرته منظمة هيومن رايتس ووتش، قالت فيه إن متعاقدين عسكريين كولومبيين مروا عبر منشآت عسكرية إماراتية قبل نشرهم في السودان، وإن الأدلة التي جمعتها المنظمة تشير إلى دور لشركة *المجموعة العالمية للخدمات الأمنية (GSSG)*، ومقرها أبوظبي، في عملية التجنيد والنقل.
الفاشر وزمزم.. أين يظهر أثر الدعم الخارجي؟
ربطت بعثة تقصي الحقائق بين الدعم الخارجي وقدرات مليشيا الدعم السريع العملياتية في دارفور، مشيرة إلى أن هذا الدعم أسهم في تعزيز عملياتها، بما في ذلك العمليات التي شهدتها منطقة زمزم ثم الهجوم على مدينة الفاشر.
وقالت البعثة إن الأحداث التي شهدتها الفاشر تضمنت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني وجرائم دولية، وإن بعض السلوكيات التي وثقتها البعثة حملت *سمات الإبادة الجماعية*.
وكانت البعثة قد خلصت في تقرير سابق إلى وجود مؤشرات على ارتكاب مليشيا الدعم السريع أعمالاً تدخل في نطاق الجرائم ضد الإنسانية، كما خلصت في تقريرها بشأن الفاشر إلى أن بعض الانتهاكات تحمل سمات الإبادة الجماعية.
وقالت البعثة إن المدنيين يدفعون الثمن الأكبر للدعم الخارجي للمليشيا، في ظل الهجمات التي نفذتها ضد المدن والمنازل والمستشفيات والمدارس والأسواق وأماكن النزوح بل حتى القتل لأسباب إثنية.
ماذا قالت الإمارات؟

رفضت الإمارات ما ورد من اتهامات، وأكدت أنها *لم تقدم أسلحة أو معدات عسكرية لأي طرف في السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023*، كما نفت تقديم دعم عسكري أو لوجستي أو مالي أو سياسي لمليشيا الدعم السريع.
وأكدت أبوظبي في ردها على التقرير تمسكها بالقانون الدولي وبالآليات الأممية للتحقيق في الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.
هيومن رايتس ووتش.. أدلة إضافية على شبكة التجنيد
قبل التقرير الأممي بأشهر، نشرت هيومن رايتس ووتش تحقيقاً موسعاً حول تجنيد مقاتلين كولومبيين وإرسالهم إلى السودان.
وقالت المنظمة إنها قابلت متعاقدين عسكريين كولومبيين ومصادر أخرى، وراجعت سجلات ووثائق رسمية، وفحصت صوراً ومقاطع فيديو وحددت مواقع جغرافية لمنشآت ومسارات مرتبطة بالعملية.
وخلصت المنظمة إلى أن الأدلة تشير إلى أن شركة مقرها أبوظبي لعبت دوراً في تجنيد متعاقدين كولومبيين ونقلهم إلى السودان، وأن بعضهم مر بمنشآت عسكرية إماراتية قبل وصوله إلى مناطق القتال.
كما دعت المنظمة الحكومات إلى التحقيق في دور الأشخاص والكيانات التي تتوافر ضدها أدلة موثوقة بشأن تقديم مساعدة عسكرية لمليشيا الدعم السريع، وإلى فرض عقوبات على المسؤولين عن الانتهاكات إذا أثبتت التحقيقات مسؤوليتهم.
من التوثيق إلى المساءلة
المسألة الأهم في التقرير الأممي لا تتمثل فقط في كشف طرق انتقال الأسلحة والمقاتلين، وإنما في الإشارة إلى *التزامات قانونية تقع على الدول المرتبطة بسلاسل الإمداد*.
وتقول البعثة إن الدول المرتبطة بهذه الشبكات مطالبة بممارسة العناية الواجبة، والتحقيق في شبكات المرتزقة والإمداد غير المشروع ووقفها عندما تعمل من أراضيها أو تمر عبرها، إضافة إلى منع الانتهاكات وتنفيذ حظر الأسلحة المفروض من الأمم المتحدة.
وهذا لا يعني أن التقرير أصدر حكماً قضائياً ضد الإمارات أو أي دولة أخرى، لكنه يفتح الباب أمام *تحقيقات أوسع لتحديد المسؤوليات الفردية والمؤسسية والدولية*، خصوصاً إذا أمكن إثبات أن جهات أو أفراداً قدموا بصورة واعية ومباشرة مساعدات ساعدت على ارتكاب جرائم دولية.
أمجد فريد: الأدلة تضع الإمارات أمام مسؤولية سياسية

وفي السودان، قوبل التقرير بترحيب من أصوات سياسية رأت فيه دعماً للرواية السودانية بشأن الدور الخارجي في استمرار الحرب.
وقال مستشار رئيس مجلس السيادة للشؤون السياسية والخارجية، د. أمجد فريد، إن تقرير بعثة تقصي الحقائق وثق، بحسب تقديره، حجم التورط الإماراتي في استمرار الحرب والانتهاكات ضد المدنيين.
ويتعامل هذا الموقف مع التقرير باعتباره دليلاً سياسياً على الدور الإماراتي، الذي يتحدث عن أفراد وكيانات وشبكات مرتبطة بالإمارات ضمن منظومة دعم عابرة للحدود.
هل نحن أمام مرحلة جديدة؟
التقرير الأممي لا يمثل حكماً قضائياً، لكنه يرفع مستوى التوثيق الدولي بشأن البنية التي تساعد على استمرار الحرب.
فبعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع القتال، لم تعد الأسئلة الدولية تدور فقط حول الانتهاكات التي تقع داخل السودان، وإنما حول *من يزوّد بالسلاح، ومن يوفر المقاتلين، ومن يدربهم، وكيف تصل التكنولوجيا العسكرية إلى ساحات القتال، ومن يتحمل المسؤولية عندما تمر هذه العمليات عبر أراضي دولة أو تستخدم شركات مسجلة فيها*.
وتزداد أهمية هذه الأسئلة في ظل تأكيد الأمم المتحدة أن الدعم الخارجي لم يؤد إلى حماية المدنيين، بل ساهم في تعزيز القدرات العسكرية وتوسيع نطاق الحرب.
ماذا يمكن أن يحدث بعد التقرير؟
أوصت بعثة تقصي الحقائق الدول بوقف شبكات الإمداد غير المشروعة وتنفيذ حظر الأسلحة، كما دعت إلى تعزيز التعاون والتحقيق في المسؤولين عن الانتهاكات.
وتشير هذه التوصيات إلى أن المسار المقبل يمكن أن يشمل مزيداً من التحقيقات بشأن الشركات والوسطاء والأفراد المشاركين في شبكات نقل الأسلحة والمقاتلين، إلى جانب بحث إمكانية فرض عقوبات على الجهات التي تثبت مسؤوليتها عن خرق العقوبات أو المساهمة في الانتهاكات.
كما يضع التقرير مجلس الأمن والدول المؤثرة أمام سؤال أوسع: هل ستبقى قضية الدعم الخارجي للحرب في السودان مجرد ملف سياسي متنازع عليه، أم تتحول إلى مسار دولي أكثر جدية لتحديد المسؤوليات ومحاسبة المتورطين؟
بين الاتهام والنفي.. ما الذي ثبت حتى الآن؟

المؤكد وفق التقرير الأممي هو وجود *شبكات دعم عابرة للحدود* ساعدت في توفير مقاتلين وأسلحة وتدريب وتكنولوجيا ودعم لوجستي لمليشيا الدعم السريع، وأن البعثة وجدت صلات بين عناصر من هذه الشبكات وأفراد وكيانات في دول في مقدمتها الإمارات.
والمؤكد كذلك أن البعثة وثقت استخدام مقاتلين أجانب وتقنيات عسكرية متقدمة، بما في ذلك المسيّرات، وأنها حذرت من تأثير هذه الشبكات على استمرار الحرب وتصاعد مخاطرها على المدنيين.
وهنا تحديداً تكمن أهمية التقرير الجديد: فهو ينقل النقاش من مستوى الاتهامات العامة حول "الدعم الخارجي" إلى مستوى أكثر تحديداً يتعلق *بالشبكات والأفراد والكيانات ومسارات الإمداد*، ويفتح الباب أمام أسئلة قانونية وسياسية حول مسؤولية كل طرف عن الدور الذي لعبه في استمرار الحرب.
الخلاصة
بعد سنوات من الحرب، بات واضحاً أن الصراع السوداني لم يعد شأناً داخلياً خالصاً؛ فالسلاح والتكنولوجيا والمقاتلون والدعم اللوجستي يعبرون الحدود، بينما يتحمل المدنيون داخل السودان تبعات هذه الحرب.
ويمنح التقرير الأممي الأخير المجتمع الدولي قاعدة أكثر تفصيلاً للتحقيق في شبكات الإسناد الخارجي.
وبالنسبة للإمارات، فإن ورود أفراد وكيانات مرتبطة بها ضمن شبكة الدعم التي وثقتها البعثة يمثل *تطوراً مهماً في مسار التوثيق الدولي، لكنه يجعل الخطوة التالية أكثر أهمية: الوصول إلى أدلة تحدد طبيعة العلاقة بين هذه الكيانات والسلطات الرسمية، ومدى العلم بالأنشطة، وحجم الدعم، وإسهامه في ارتكاب انتهاكات للقانون الدولي، عندها فقط يمكن أن ينتقل الملف من **التوثيق والاتهامات المتبادلة إلى تحديد المسؤوليات والمساءلة القانونية*.