*مقدمة:*
نبات الكركدي، ذلك الكنز الأحمر الذي يزين الصحارى السودانية، ليس مجرد نبات عابر في تاريخ السودان، بل هو جزء من هويته وتراثه. يُعرف علمياً باسم Hibiscus sabdariffa، وينتمي إلى عائلة الخبازية، وهو نبات عشبي حولي يُزرع أساساً من أجل كأساته الحمراء الزاهية التي تُستخدم في تحضير المشروب الشعبي المعروف بفوائده الصحية الجمة. يتصدر السودان المشهد العالمي في زراعة وإنتاج الكركدي، ليس فقط بكمياته، ولكن بجودته الفائقة التي جعلت منه “الذهب الأحمر” للسودان، ووضعته في مقام الأول بين منتجي هذه النبتة المباركة.
*أهمية الكركدي للإنسان والصحة العامة:*
يمثل الكركدي أكثر من مجرد مشروب منعش، فهو دواء ووقاية وغذاء متكامل. تُستخدم هذه الثمرة الوردية، وهي الجزء التجاري الأساسي، في تحضير العصائر والمربى والهلام والشراب، كما تدخل في صناعة التوابل وتلوين الأغذية بشكل طبيعي. أما أهميته الصحية، فهي محور اهتمام الباحثين حول العالم، إذ يحتوي الكركدي على مركبات نشطة بيولوجياً، أبرزها الأنثوسيانين، وهي صبغات طبيعية تمتلك خصائص قوية كمضادات للأكسدة.
تتجلى فوائد الكركدي الصحية في قدرته على خفض ضغط الدم المرتفع، والمساهمة في تنظيم مستويات السكر والكوليسترول في الدم، مما يجعله حليفاً قوياً في مكافحة أمراض القلب والسكري. كما أظهرت الدراسات أن له تأثيرات مضادة للالتهابات والبكتيريا والفطريات، بل وخصائص مضادة للسرطان. في ظل تزايد الوعي الصحي عالمياً، يرتفع الطلب على هذا المشروب الطبيعي، مما يجعله سلعة استراتيجية ذات قيمة غذائية واقتصادية كبرى.
*مواقع الزراعة والإنتاج العالمي:*
يُزرع الكركدي في عدة بقاع من العالم، لكن السودان يظل الأكثر تميزاً، حيث تتركز زراعته في ولايتي كردفان ودارفور، وهما المصدر الأساسي لأفضل أنواع الكركدي في العالم. تنتشر زراعته أيضاً في مناطق النيل الأزرق. أما في دولة الصين التي تزرع كل منتجات العالم بموجب التعديل الوراثي (G.M.O)، فإن طرق الزراعة هناك تختلف، حيث تبدأ بزراعة البذور في المشاتل خلال شهري مارس وأبريل، ثم تُنقل إلى الأرض في مايو، ويتم الحصاد في أواخر نوفمبر وحتى يناير، والنبات حولي – من الزراعة إلى الحصاد أقرب إلى العام الكامل.
في مصر، يُزرع الكركدي بشكل أقل بكثير مقارنة بالسودان، قد لا يساوي ولو 7% من الإنتاج والجودة السودانية. بينما في الصين يحظى الكركدي بشعبية كبيرة كمشروب تقليدي، خاصة في المناسبات والأفراح الشعبية. ورغم ذلك، فإن السودان يُعتبر أحد أكبر منتجي الكركدي في أفريقيا والعالم، بجودة تتفوق بشكل كبير على غيره، وهو ما يجعله الخيار الأول للعديد من الأسواق العالمية، خاصة في عموم أوروبا ودولة ألمانيا التي تستورد ما يقارب 100% من الإنتاج السوداني.
*السودان… الأكثر إنتاجاً والأفضل جودة:*
على الرغم من أن الصين وتايلاند تُعدان من أكبر المنتجين من حيث الحجم، إلا أن السودان يتفوق بجودة منتجه الفائقة. يتميز الكركدي السوداني بلونه الأحمر القاني وطعمه الحامضي المميز، وهو ما يجعله الأكثر طلباً في الأسواق العالمية. وخلافاً للمنتج الصيني الذي قد يعاني من تفاوت في الجودة وعمليات التجفيف، والمنتج التايلاندي الذي يتمتع بجودة جيدة لكنه يختلف في النكهة، يظل الكركدي السوداني هو الأكثر نقاءً وتميزاً. وهذا يضع السودان في موقع الريادة ليس من حيث الكمية فقط، بل والأهم من حيث السمعة والجودة التي أثبتتها المعامل العلمية والتحاليل الكيميائية والطبية، مما يعزز مكانته كمركز عالمي لهذا المنتج الثمين.
*آخر المداد*
أولاً: نرفض تصدير منتجات السودان الزراعية في شكلها الخام، وشخصياً، بصفتي صناعياً، أطالب بأن يُقفل باب تصدير الكركدي نهائياً في شكله الخام، وأن يتم إنتاجه في شكل منتجات مصنَّعة لمستويات صناعية متعددة، بما فيها العصير السائل، حتى نرفع من قيمة الناتج القومي، وحتى لا تتلاعب بنا بعض الدول التي تستورد منا الكركدي ثم تختم عليه بعبارة “صُنع في الدولة الفلانية”، وهي تسرق مجهود ثرواتنا بمبالغ زهيدة جداً. ويقع العيب الأكبر على من يهربون محصول الكركدي
لبعض الدول مقابل حفنة من المال بالعملة المحلية، فالعيب في المقام الأول في بعض أبناء السودان ممن يساهمون في تهريب المنتجات أو بيع المنتجات السودانية في شكل خام. بينما لو قفل باب تصدير الصمغ العربي والكركدي فقط، تأكدوا بأنه في خلال شهور قليلة جداً سيبكي كل العالم ويطلب العفو والسماح من السودان، لكن هيهات هيهات من يسمع لنا أو من يقرأ ما يفيد البلاد. ألا هل بلغت، اللهم فاشهد، فستذكرون ما أقول لكم، وأفوض أمري إلى الله، إن الله بصير بالعباد.