صدى الحقيقة

مطلوب حذف ثلاثة أصفار من الجنيه السوداني..

جلال الدين محمد ابراهيم
جلال الدين محمد ابراهيم
✍️ الصفر البارد
05 Jul 2026 • 👁 147
شارك الخبر:

في خضم الأزمات المتلاحقة التي يعيشها السودان، برزت العملة الوطنية كأحد أكبر الضحايا، حيث انهارت قيمة الجنيه السوداني انهياراً تاريخياً أمام العملات العالمية، خاصة الدولار الأمريكي. لقد وصل الحال بالجنيه إلى أن أصبحت قيمة الورقة النقدية أقل من تكلفة الورق والحبر المستخدمين في طباعتها، وهو مؤشر خطير يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه البلاد. ومن هنا، تبرز ضرورة ملحة لإعادة هيكلة العملة الوطنية من خلال حذف ثلاثة أصفار من قيمتها الحالية، في خطوة اقتصادية وقانونية من شأنها أن تعيد الاعتبار للجنيه السوداني وتُسهِّل التعاملات المالية.

إن فكرة حذف الأصفار من العملة ليست وليدة اللحظة، بل هي إجراء اقتصادي معروف استخدمته العديد من الدول التي مرت بظروف تضخمية مشابهة، مثل تركيا والبرازيل والأرجنتين وروسيا، وكذلك ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، حين فقدت عملتها قيمتها وتم حذف ثلاثة أصفار منها. والفكرة ببساطة تعني أن المليون جنيه سوداني يصبح ألف جنيه فقط، والألف جنيه الحالي يصبح جنيهاً واحداً.

وحسب استشارة تمت بيني وبين العالم الاقتصادي البروفيسور عصام عبد الوهاب بوب، فإنه هو شخصياً أمنّ بأن هذا المطلب (بشطب الأصفار الثلاثة) يعتبر مهماً جداً في هذه الظروف، بل قال إنه مخرج أساسي لحالة الاقتصاد الحالي ولما بعد الحرب، مما سوف يساهم في جذب الاستثمارات الخارجية بقوة، وينشط الإنتاج المحلي بقدرة هائلة، ويضبط الحركة البنكية، وحتى أسلوب المحاسبة يصبح أقل تكلفة وبكل سهولة. بكل تأكيد، هذا التعديل يعيد ترتيب الأرقام بشكل يجعل التعامل معها أكثر سهولة وعملية.

إن الواقع الحالي يجعل حمل النقود مهمة شاقة ومرهقة. تخيل أنك تريد شراء سيارة قيمتها 450 مليون جنيه، وهو مبلغ يطلقه بعض التجار على أنه “مليار بالقديم”. لو طلب منك البائع أن تحضر المبلغ نقداً، فستحتاج إلى عربية (دفار) لنقل الأموال، وهذا مشهد سخيف يعكس عبثية الوضع الحالي. حتى البنوك تعاني من هذا الأمر، حيث تتكدس خزائنها بأكوام ضخمة من الأوراق النقدية التي لا تساوي قيمتها حتى أجر العمال الذين يحملونها أو العدّادين الذين يعدونها.

الأمر لا يتوقف عند صعوبة الحمل والنقل، بل يمتد ليشمل سهولة التزوير. فالعملات ذات الفئات الكبيرة والرقم الصفري الطويل تكون أكثر عرضة للتلاعب من قبل جهات أجنبية معادية تطبع العملة السودانية بكميات كبيرة لشراء المنتجات السودانية بأسعار بخسة. هذه الممارسات تضرب الاقتصاد الوطني في مقتل، وتزيد من حدة التضخم، وتُفقِد العملة ثقة المواطنين والمستثمرين. ولذلك، فإن إعادة طباعة عملة جديدة بحذف الأصفار سيكون بمثابة إغلاق للباب أمام هذه الممارسات غير المشروعة.

*لنضرب مثلاً من واقع السوق اليومي:*

كيلو الطماطم يساوي 15 ألف جنيه! عندما تسمع هذا الرقم، تظن أن الطماطم قد زرعت في كوكب زحل وجلبت بواسطة ( المركبة الفضائية الصينية “شنتشطاو) “! لكن الحقيقة أن الشغلة نفسها والشغلانية هي هي، فقط الأرقام أصبحت مبالغاً فيها بشكل لا يتناسب مع القيمة الحقيقية.

ان المنطق والعقلانية يقتضيان أن نترك هذه المبالغة في التحدث بالأرقام الفلكية التي لا تعكس قيمة حقيقية.

إن عملية حذف الأصفار هي عملية قانونية بحتة، تقلل من كمية الأوراق المتداولة وتُطلق القيمة الشرائية للجنيه دون أن تؤثر على القوة الشرائية الفعلية للمواطن. فإذا كان لديك 1000 جنيه حالياً، فسيكون لديك بعد الحذف جنيه واحد فقط، لكن هذا الجنيه الجديد سيكون له نفس القوة الشرائية للألف جنيه القديم. والفرق هنا أنك ستحمل ورقة واحدة بدلاً من عشرة أوراق من فئة المائة، وهذا يخفف العبء على المواطن والتاجر والبنك على حد سواء.

من المتوقع أن يكون لهذه الخطوة (إذا تمت) أثر إيجابي على إجمالي الناتج القومي المرتقب بعد انتهاء الحرب، حيث ستساعد في تبسيط العمليات الحسابية في الميزانيات والخطط التنموية، وتسهل عمليات الاستيراد والتصدير، وتعزز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب في العملة السودانية. كما أن العملة الجديدة ستكون أكثر صعوبة في التزوير، خاصة إذا صاحبتها تقنيات أمنية حديثة تجعل من المستحيل تقليدها.

كما يجب أن يتم فقط طباعة أعلى قيمة بحيث تصبح هي فئة الـ (100 جنيه)، لأن الإحساس العام المعروف لكل شعوب العالم هو أن الورقة النقدية إذا كانت تحتوي على أصفار كثيرة، مثل ما يحدث الآن في الورقة النقدية للجنيه، فهذا دليل فشل اقتصاد كلي وانهيار حتى مستويات التفكير الاقتصادي، التي تظهر في شكل وعدد الأصفار المكتوبة في ورقة العملة مثل (الألف جنيه والخمسمائة) التي لم يعد لها قيمة في نظر الشعب.

*آخر المَدَاد*

في الختام، إن حذف ثلاثة أصفار من الجنيه السوداني ليس مجرد إجراء شكلي، بل هو خطوة استراتيجية نحو إصلاح نقدي شامل يعيد للعملة الوطنية مكانتها وهيبتها. هي دعوة للعقلانية والمنطق في التعامل مع الأرقام، وتحرير المواطن من عناء المفهوم الخاطئ الاقتصادي، مع إيقاف حمل أكوام من الأوراق التي لا تساوي شيئاً، وإعادة بناء اقتصاد قوي قادر على الصمود في وجه التحديات. إنه الوقت المناسب لنتخذ هذا القرار الجريء، فالسودان يستحق عملة تعكس قيمته الحقيقية وتليق بمستقبله المشرق. ألا هل بلّغت؟ اللهم فاشهد، فستذكرون ما أقول لكم، وأفوّض أمري إلى الله، إن الله بصير بالعباد.

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.