صدى الحقيقة

الأسطورة عدنان مندريس… وصدى “الله أكبر” يعانق سماء تركيا..

جلال الدين محمد ابراهيم
جلال الدين محمد ابراهيم
✍️ الصفر البارد
28 Jun 2026 • 👁 60
شارك الخبر:

في تاريخ تركيا الحديث، تبرز شخصية عدنان مندريس كأحد أبرز الرموز التي تحدت إرث مصطفى كمال أتاتورك العلماني، وسعت لإعادة الروح الإسلامية إلى بلد كان يبتعد بخطى ثابتة عن هويته الدينية. فإذا كان أتاتورك قد أسس دولة علمانية جذرية وفصل الدين عن الدولة تمامًا، فإن مندريس جاء ليُحدث زلزالًا سياسيًا وروحيًا أعاد للأمة التركية صوتها الإيماني.

*أتاتورك والعلمانية المتطرفة*

لم تكن علمانية أتاتورك مجرد فصل للدين عن الدولة، بل كانت حملة منظمة ضد مظاهر الإسلام في الحياة العامة. من أبرز إجراءاته الجذرية منع رفع الأذان باللغة العربية عام 1932، واستبداله بترجمة تركية. كان هذا القرار بمثابة طعن في هوية الأمة المسلمة، إذ جرى التعامل مع اللغة العربية – لغة القرآن – وكأنها عائق أمام التقدم. لم تقتصر السياسة على تغيير لغة الأذان، بل امتدت لتشمل فرض القوانين التي تجرم تلاوته بالعربية، حتى في البيوت، معتبرة ذلك خرقًا للعلمانية الكمالية.

كانت رؤية أتاتورك أن تركيا يجب أن تنحو منحى أوروبيًا بحتًا، متخلصة من أي تراث إسلامي يعيق تقدمها الحضاري (حسب ما يزعم هو بعقله المتعفن الجاهل). هذا التوجه خلق انقسامًا حادًا بين الأغلبية المتدينة والنخبة العلمانية التي استأثرت بالسلطة.

*عدنان مندريس: عودة الأذان العربي*

عندما وصل حزب الديمقراطي بزعامة عدنان مندريس إلى الحكم عام 1950، كانت أولى ثمار الديمقراطية التركية هي استعادة الحرية الدينية التي طالما حُرم منها الشعب. في خطوة رمزية ذات أبعاد عميقة، أقرت حكومة مندريس رفع الحظر عن الأذان العربي في 16 يونيو/حزيران 1950، ليعود صدى “الله أكبر” يملأ سماء تركيا بعد 18 عامًا من المنع.

كان موقف مندريس واضحًا عندما قال إن استمرار منع الأذان العربي بعد كل هذه السنوات يشكل “تعصبًا ضد حرية الضمير”. هذا التوجه لم يكن مجرد إصلاح سياسي، بل كان إعلان صحوة إسلامية ورفضًا للهيمنة العلمانية، ونسفًا لفكرة فصل الدين عن الدولة التي أسسها أتاتورك. لقد مثلت فترة حكمه عودة تدريجية إلى الجذور الإسلامية، مما جعله بطلاً في عيون الملايين، وخصمًا لدودًا لدى عملاء الماسونية والعلمانية التي رأت في إصلاحاته تهديدًا لمبادئ الجمهورية.

*جيوب الخيانة والانقلاب العسكري*

لكن الصحوة التي قادها مندريس لم تمر بسلام. كانت “جيوب الخيانة” التي أشار إليها المقال تعمل في سرية، ممثلة في المؤسسة العسكرية والقضاء والنخبة العلمانية الفاسدة التي كانت متمسكة بإرث أتاتورك. لم يتحمل الجيش هذا الانتقاص من العلمانية، فالجيش التركي كان يقف بقوة مع علمانية الدولة، فدبر انقلابًا عسكريًا في 27 مايو/أيار 1960، أطاح بحكومة مندريس المنتخبة.

كان مصير الرئيس عدنان مندريس مأساويًا، إذ حوكم وأُعدم مع وزيريه في سبتمبر/أيلول 1961 في جزيرة إمرالي، في مشهد اعتبره الكثيرون “قسوة فظيعة وجريمة نكراء” وخيانة للديمقراطية. لقد تحول مندريس إلى شهيد في نظر أنصاره، بينما ظل في نظر العلمانيين رمزًا للخروج عن المبادئ الكمالية الأتاتوركية الفاسدة. لكن صوت الشعب التركي ارتفع في ضجر ضد حكومته، إلا أن الجيش فرض إرادته، مسجلاً بذلك سابقة تدخل عسكري في السياسة ظلت تتكرر لعقود حتى اليوم.

*من أردوغان إلى اليوم: معركة مستمرة*

اليوم، يواصل الرئيس رجب طيب أردوغان نفس المسار الذي بدأه مندريس، لكن بصمت وحنكة سياسية أعمق. يسعى أردوغان إلى نسف الفكر العلماني تدريجيًا، وإعادة تركيا إلى مكانتها كقوة إسلامية، مستلهماً أيام الخلافة العثمانية. تظهر سياساته في تعزيز التعليم الديني، ودعم مؤسسة الشؤون الدينية كأداة للنفوذ الداخلي والخارجي، ومحاولة إعادة تعريف الهوية الوطنية بعيدًا عن العلمانية المتطرفة.

ومع ذلك، لا تزال جيوب العلمانية تنادي بفصل الدين عن الدولة، ساعية إلى إرضاء المصالح الغربية والصهيونية العالمية كما يروج البعض. هذه المعركة الأيديولوجية بين العلمانية الأتاتوركية ودولة الإسلام بحكم ما أنزل الله، هي جوهر الصراع التركي اليوم، وهي امتداد طبيعي للصراع الذي بدأ مع مندريس. فكما قاومت النخبة العلمانية الفاسدة مندريس، ها هي اليوم تقاوم إصلاحات أردوغان، مما يجعل تركيا ساحة معركة دائمة بين هويتها الإسلامية وماضيها الأغبر الأتاتوركي العلماني.

*آخر المداد*

لكن يظل في النهاية عدنان مندريس أسطورة الصحوة التركية الأولى، وهو الرجل الذي كسر جدار الخوف وأعاد للأذان صوته العربي، ودفع حياته ثمنًا لجرأته في مواجهة جبروت العلمانية وفساد الماسونية والصهيونية العالمية، ووقف سدًا منيعًا، وصنع تركيا الحديثة التي يحاول أن يستكمل تأسيسها حاليًا أردوغان. رحم الله الشهيد عدنان مندريس، ألا هل بلغت اللهم فاشهد، فستذكرون ما أقول لكم، وأفوض أمري إلى الله، إن الله بصير بالعباد.

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.