سؤال للجميع: لماذا في معظم دول العالم الثالث (إلا من رحم ربي) غالباً نجد من يصل إلى المناصب العليا في تلك الدول لا يملكون أدنى مؤهلات القيادة، بل ولا يمتلك أغلبية المسؤولين منهم رصيداً من الإنجاز العلمي أو العملي، بينما نجد أمثال هؤلاء، عديمي الفائدة، دوماً في سباق للوصول إلى قيادة الحكومات في العالم الثالث؟ وبالتالي فإن معظم العالم الثالث تتم إدارته من العقول الفارغة من المحتوى الإنتاجي، ولذلك أصبحت تلك الدول (عالم ثالث – بل ربما عالم سابع لا قيمة له بين دول العالم) بسبب أمثال هذه الشخصيات التي هي في سباق للمناصب من أجل المال ورفع الشخصية، ولا علاقة لهم بمعنى الإنجازات أو الإنتاج.
أخطر المواقع والوظائف في بعض دول العالم الثالث هي المواقع الوسطى، مثل المستشارين ومديري المكاتب والسكرتاريات، وكل من يلتصق بأصحاب المناصب الرفيعة، خاصة «كسّارين التلج» منهم. فهم من يلخبط ويعوس عوسة عجيبة. وعندنا مثال في السودان في عهد الرئيس البشير: مدير مكتبه طه الحسين، «دا باع السودان وباع البشير زاتو بثمن بخس!». والعجيب في أمر التعيين في بعض دول العالم الثالث لهذه المناصب والوظائف هو أسلوب قبيح فيه غباء وجهل، ولا يعتمد على الكفاءات؛
لأنهم في الأصل لا يعرفون ما هي الكفاءة. وبالتالي فإن التعيينات تتم بأسلوب: «هذا قريبي، وذلك صديقي، وذلك لديه مصالح شخصية، أو هذا من جهتي وقبيلتي». وهنا مربط فشل الدول والحكومات في العالم الثالث! وهذا هو سبب التخلف وانهيار الاقتصاد وتدمير دول العالم الثالث بصورة أساسية، بينما يبقى العلماء وأصحاب الخبرات العملية الحقيقية على قارعة الطريق، يشاهدون دولهم تغرق في الفساد والفقر والجهل. فلا يكون أمامهم إلا الهجرة، ويرفعون دولاً أخرى بخبراتهم، بينما في بلادهم لا مجال لهم لتقديم ما ينفع الدولة أو الشعب!
وكأن العلم والخبرة أصبحا عيباً يجب أن يتوارى عن الأنظار. هذه هي المصيبة الكبرى: أن يصبح الفاسد في القمة، وأن يظل الشريف والأمين المقتدر في القاع. والمشهد لا يقتصر على دولة بعينها، بل هو مشهد العالم الثالث بأسره. فحسب الإحصاءات العالمية، دول العالم الثالث هي أغنى الدول بالموارد الطبيعية والثروات التي لا تُحصى، ومع ذلك هي أفقر دول العالم وأكثرها تخلفاً في الإنتاج والصناعة والاقتصاد. والسبب بسيط: 95% ممن يصلون إلى مناصب قيادية لا يضيفون قيمة إيجابية للدولة أو للشعب، بل هم من يسعون إلى رفع أنفسهم مادياً، ويرفعون أرصدتهم المالية والعقارية في زمن قياسي، حتى يصبح بعضهم من أصحاب المليارات في البنوك الأوروبية والأجنبية، بينما بلادهم تعاني من المرض والجوع والفقر.
*الصين ابتعدت 50 سنة ضوئية في التطور*
في المقابل، قدمت الصين درساً بليغاً للعالم. فقد فرضت منع نشر أي إعلانات للفنانين، وخاصة الفنانات (وما يُعرف لدينا باسم «القونات»)، ومنعت نشر أي منشورات أو صور في الإعلانات على الطرق أو في الوسائط الإلكترونية. ثم تحولت كل الإعلانات والصور في شوارع الصين إلى نشر صور العلماء والمخترعين
وأصحاب الإنجازات غير المسبوقة. تخيل أنك كلما شاهدت صورة في الشارع وعلى اللوحات الضخمة («اليوني بول») ستجدها صورة لعالم أو مخترع صيني قدم إنجازات رفعت دولة الصين إلى الأمام، وقدّم إنجازاً علمياً أو اقتصادياً رفع به مكانة الشعب والدولة. هذا هو الفرق الحقيقي بين من يبني ومن يهدم، وبين من يهتم بالفارغ ومن يهتم بتطوير من يحمل الجهل والغباء على حساب طمس العلماء وأهل الخبرة وإبعادهم عن إدارة شؤون الدولة.
في بعض دول العالم الثالث، كلما كان الشخص غبياً أو لا قيمة إنجازية فكرية أو عملية له، سبحان الله، سرعان ما يصعد إلى أعلى المقامات ويصبح أشهر من نارٍ على علم. وهذا هو قمة التخلف الذي أصاب دول العالم الثالث بالتخلف في الإنتاج والصناعة والاقتصاد. فالمعادلة مقلوبة: الجدارة لا تصنع القيادة، بل العلاقات والمحسوبية والفساد هي التي تصنعها.
وشاهد عزيزي القارئ في بعض بلاد العالم الثالث: فإن وجدت شخصاً صعد إلى أعلى المناصب بسرعة البرق، بينما ليس له إنجاز غير الكذب والنفاق وسرقة أموال الشعب وإصدار القرارات التي تسحق الشعوب وتصنع الفقر، فاعلم وقتها أن أمثال هذا الشخص هم سبب تعاسة الدول والشعوب. إنهم «الحرامي في راسو ريشة»، وهي في الحقيقة علامة على فراغ الرأس وخلو الوفاض. ولن تنهض أمة يحكمها أهل الغباء أو الجهل وعدم الخبرة، بينما يقف العلماء وأهل الخبرة على بابها ينتظرون! Waiting in vain
*آخر المداد*
عنوان هذا المقال يختصر مثلاً شعبياً سودانياً يكشف التخلف والانحطاط الذي أصاب بعض المسؤولين في دول العالم الثالث، إلا من رحم ربي. وعبارة «الحرامي في راسو ريشة» تعني أن هناك لصاً أو فاسداً ولكنه متخفٍ، ولكن عندما يسمع عبارة «الحرامي في راسو ريشة» فإنه بصورة لا إرادية يتحسس رأسه ويمسح على رأسه بصورة لا شعورية، أو يحتج على هذا المقال بصفة خاصة!! ويظن أننا قصدناه لأنه هو من في رأسه ريشة. ألا، هل بلغت؟ اللهم فاشهد. فستذكرون ما أقول لكم، وأفوض أمري إلى الله؛ إن الله بصير بالعباد.