في عام 1943، وبينما كان يقبع في زنزانة سجن تابع للغستابو النازي، كتب اللاهوتي الألماني (ديتريش بونهوفر) نصًّا صادمًا سُمّي لاحقًا باسم (نظرية الغباء ) . كان بونهوفر قد رأى بأم عينه كيف تحوّل بلده، بلد المفكرين والشعراء، إلى غوغاء يصفقون لهتلر الدكتاتور القاتل . وخلص إلى استنتاج مفاده أن الخطر الحقيقي لم يكن الشر وحده، بل الخطر الفعلي على الدول والشعوب هو ( الغباء ) الذي جعل الشر ممكنًا. يفتتح العالم (بونهوفر ) مقاله بجملة صارت من أشهر ما كُتب في هذا الباب : – (الغباء عدوّ للخير أخطر من الشر نفسه .) ،، والحجة بسيطة لكنها عميقة ، فان الشر يمكن فضحه ومقاومته ومواجهته بالقوة عند الضرورة ، ، لكن الغباء لا يمكن مواجهته لأن صاحبه لا يسمع ولا يقتنع ولا يرتدع. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية في الغباء .
يفرّق بونهوفر تفريقًا حاسمًا بين الغباء والجهل ،، ذلك الان الجهل هو نقص في المعرفة ، وهو حالة قابلة للعلاج بالتعليم والتوعية والزمن. أما الغباء في نظره فليس ( عيبًا فكريًا ) على الإطلاق، بل هو ( عيب إنساني ) يتعلق بالشخصية والاختيار الأخلاقي. قد يكون المرء عالمًا واسع الاطلاع وقد يحمل شهادات اكاديمية عليا و لكنه غبي ! ! ، وقد يكون بسيطًا أميًا لكنه حكيم. الغباء إذًا ليس مشكلة عقلية، بل مشكلة شخصية للفرد والمجتمع .
*وكل صانع محتوى غبيّ له متابعون أكثر غباءً منه*
على سبيل المثال، في مواقع مثل ( تيك توك ) ، تجد أن هناك أشخاصًا لهم متابعون يصل عددهم إلى أكثر من مليون شخص، وبعضهم إذا فحصت المحتوى الذي يقدمونه تجده محتوى ينم عن فقر عقلي، ولا يرقى إلى أن يلتف حوله كل هذا العدد؛ لكن لأن المحتوى (غبي) فهو يصبح مثل المغناطيس، لا يجذب إلا برادة الصدى من المعادن حين تمرر المغناطيس على أكوام التراب.
*وهنا مربط الفرس الاستسلام*
وهي عملية استسلام الإرادة ، والتخلي عن الاستقلالية الفكرية، والانصياع الأعمى لمجموعات أو الاستسلام لشعارات رنانة فاسدة ،، بحيث ان تصبح بعض المجتمعات مجرد ( قطيع من الانعام ) تتبع زعماء بعض ألاحزاب او زعما مذاهب اغبيا يقودنهم الي المجهول او الي الإفلاس الفكري والانتاجي والتخلف وهم في قمة السعادة بذلك الغباء ،، و المصيبة الادهي انك لا يمكن ان تجد احد غبيا يعترف بنفسه انه غبي ،،ولو عرف الشخص الغبي انه غبي ! ! لكانت هذه هي اول خطوة له نحو الذكاء .
ويذهب العالم الاماني (بونهوفر ) إلى ما هو أبعد: حيث اثبت بان الغباء ليس ظاهرة فردية، بل هي في معظم الأحيان ظاهرة و ( مشكلة اجتماعية) متعمقه تنتشر بسرعة الضوء حين تتصاعد قوة سياسية غبية فتُسلب الناس استقلالهم الداخلي الفكري والانتاجي ويدفعون ثمناً لذلك بوعيهم النقدي. ويصل إلى صياغة مذهلة: ( قوة الواحد تحتاج غباء الآخر) ،، و الغبي في يد السلطة يصبح ( أداة بلا إرادة ) ، قادرًا على ارتكاب أي شر دون أن يرى فيه شرًا ،، وهذا بالضبط ما حدث في ألمانيا النازية، ولا يزال يحدث أمام أعيننا في أنحاء كثيرة من العالم.
*الأمثلة على تصرفات الحكومات الغبية – لا الجاهلة*
كثيرة ومروعة. فقد غزت روسيا القيصرية ونابليون وهتلر روسيا تباعًا ، رغم أن كل سابق قد مُني بكارثة، فتكرار الخطأ نفسه ليس جهلًا بل هو غباءً في أصفى صوره. للغباء ، وفي السودان عليك ان تتابع تاريخ مليشيات الدعم السريع ومجموعة ( ال دقلو ) لتفهم مدى خطورة الغباء ومدى من يحاول ان يتمرد ويفكر بانها عبقرية وانه قادر على استلام البلاد في يومين او ثلاثة ، فانظر الي النتائج كيف قاد الغباء من كان محترما بين الناس واصبح مجرد كلب يلهث بين دول الشر ليكون له قيمة .
*أمثلة عن الغباء الأمريكي المعتق*
ومن مصائب الغباء الأمريكي وغباء القيادة الامريكية الحالية وفي العصر الحديث، نجد (إدارة ترامب ) تصف ان التغير المناخي، وهو أخطر تهديد يواجه الكوكب، بأنه ( خدعة صينية ! ! ) ، في إنكار غبي لقضية علمية مثبتة. وحكومة نتنياهو تتبنى استراتيجية اغتيال قادة حماس، وهي استراتيجية أثبتت فشلها على مدى عشرين عامًا، فكل قائد يُغتال يخلفه آخر أكثر قوة وعزمية على نسف الدولة الصهيونية ! ! ، وانتهى الأمر بهجوم السابع من أكتوبر الذي كسر ردع إسرائيل. بل إن الكاتب الإسرائيلي ( يورام دوري ) وصف أداء حكومة نتنياهو بأنه ( تجسيد للغباء ) وتطبيق لنظرية الغباء العالمي ، وقال إنه اضطر لمراجعة قاموس العبرية ليجد أن تعريف الغباء أقل مما يليق بأداء الحكومة. وفي الولايات المتحدة، أقرّ الجمهوريون في ( قانون التخفيضات ) وهو من اجل منح استثناءات مالية للولايات التي لديها أعلى معدلات الخطأ في برامج المساعدات الغذائية، أي أنهم كافأوا الفشل الإداري بدلًا من معاقبته، في قرار وصفته السناتور (كلوبوشار ) بأنه ( الأكثر إرباكًا وغباء ) .
*آخر المداد*
أعلاه هذه ليست أخطاء جهلاء يفتقرون إلى المعلومات. هذه قرارات تفتقر إلى العقل والإرادة والشجاعة الأخلاقية. وهذا ما أراده الألماني (بونهوفر ) أن الغباء ليس نقصًا في المعرفة يمكن تعويضه بالتعليم، بل هو تخٍلٍّ في الشخصية يمكن أن يصيب أعلى مستويات حملة الشهادات العاليا الاكاديمية او رجلا السلطة في اعلى مقام للسلطة . ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يصيب أمة ليس الجهل ، بل أن يحكمها أغبياء ، أو أن يستسلم شعبها لغباء يلبسه ثوب اليقين ،، الا هل بلغت ،، اللهم فاشهد ،، فستذكرون ما أقول لكم وافوض امري الي الله ان الله بصير بالعباد.