يعيش المواطن السوداني اليوم واحدة من أقسى المحن الاقتصادية في تاريخه الحديث؛ فالحرب الممتدة منذ أكثر من ثلاث سنوات لم تكتفِ بحصد الأرواح وتدمير البنى التحتية، بل أفرزت كارثة معيشية خانقة تطحن كرامة الإنسان وتقضم لقمة عيشه يومًا بعد يوم. لقد فقد الجنيه السوداني قيمته مقابل الدولار الأمريكي. هذا الانهيار المدوّي في قيمة العملة لم يكن مجرد رقم على شاشة الصرف، بل تُرجم فورًا إلى ارتفاع جنوني في أسعار السلع الأساسية؛ إذ ارتفع سعر جوال السكر من 380 ألف جنيه إلى 470 ألفًا، وقفزت أسعار الدقيق بنحو 70 في المائة. وإذا بحث المواطن البسيط عن أسعار كل المنتجات الغذائية، يجد أنه عاجز عن توفير وجبة غذاء لمن يعول. وتخيّل أن كيلو العدس وصل إلى 17 ألف جنيه، وأن طلب الفول لشخص واحد وصل إلى ما يقارب 15 ألف جنيه. هل نحن بالفعل في السودان؟!
وفي خضم هذه الكارثة، يتصدر الخبز قائمة المعاناة اليومية؛ فهو قوت الفقراء الأول، وسلعة لا غنى عنها لملايين الأسر السودانية. لقد وصل سعر رغيفين إلى ألف جنيه (بمعنى أن رغيفًا واحدًا أصبح سعره 500 جنيه). هل نحن في السودان من الأحياء، أم نحن من الأموات؟ هذه الأرقام تكشف عن حجم المأساة التي يعيشها السودانيون.
إن هذا الوضع الكارثي يستدعي حلولًا جذرية لا ترقيعية، ومن أبرزها إعادة النظر في منظومة إنتاج الخبز برمتها. لماذا نُصرّ على استيراد القمح ونحن نملك كنزًا غذائيًا وطنيًا ألا وهو الدخن؟ إن الدخن يتفوق غذائيًا بنسبة بروتين أعلى مقارنة بالقمح، فضلًا عن فوائده الصحية المتعددة؛ إذ يساهم في تنظيم مستويات السكر في الدم بفضل بطء هضمه وامتصاصه، كما يساعد في خفض ضغط الدم وتعزيز كفاءة الجهاز الهضمي، ويتميز بخلوه من الجلوتين الذي يسبب حساسية لكثير من الناس. وقد دعا الباحثون منذ سنوات إلى استبدال القمح بالدخن كهدف استراتيجي، مشيرين إلى أن الاتجاه إلى الدخن يحقق معالجة قضية استراتيجية تواجه السودان، ويساعد في قلب الميزان التجاري إلى موجب وتحقيق ثبات في سعر الصرف، بل ويقود إلى تخفيض أسعار الخبز. فلماذا لا نتحرك؟ لماذا نترك مصير غذاء شعبنا رهينًا لاستيراد القمح الذي يستنزف العملات الأجنبية ويجعلنا تحت رحمة تقلبات الأسواق العالمية؟
ومن الحلول العاجلة أيضًا أن تفتح الحكومة الجمارك على كل الأصناف بصورة عامة دون استثناء، حتى تنهار الأسعار في السوق المحلي؛ لأن ارتفاع تكلفة الاستيراد هو أحد الأسباب الرئيسية لغلاء السلع. ويعني انخفاض قيمة الجنيه مقابل العملات الأجنبية ارتفاع تكلفة الاستيراد، كما أن زيادة أسعار الوقود تؤدي إلى ارتفاع تكلفة النقل والتشغيل، مما ينعكس مباشرة على أسعار السلع والخدمات. فإذا ألغت الحكومة الرسوم الجمركية أو خفضتها إلى الحد الأدنى، فإن ذلك سيؤدي إلى تدفق السلع وزيادة المعروض، وبالتالي انخفاض الأسعار بشكل تلقائي. وقد سبق أن أصدر رئيس الوزراء كامل إدريس أوامر بخفض أسعار السلع الأساسية وتخفيض الرسوم الجمركية عليها، لكن هذه الأوامر لم تُترجم إلى واقع ملموس على الأرض. والسؤال الذي يطرح نفسه: ما فائدة الحكومات في كل العالم إذا لم تسهّل على الشعوب المعيشة؟ إن الحكومة وُجدت لخدمة الشعب، لا لتحميله أعباءً إضافية فوق ما يحمله من هموم.
إن ما يزيد الطين بلة أن حكومة الأمل برئاسة الدكتور كامل إدريس، التي جاءت حاملةً وعودًا بتحسين معيشة المواطن ومحاربة الفقر، لم تفِ بتعهداتها، بل يبدو أن يدها في الماء البارد ويد الشعب في النيران. لقد وعدت الحكومة بدعم الشرائح الضعيفة وتحقيق العدالة الاجتماعية، وأكد رئيس الوزراء أن دعم وتحسين مستوى المعيشة للشرائح الضعيفة يمثل أهم أولويات حكومة الأمل، لكن الواقع يصرخ بخلاف ذلك؛ فالمواطن يغرق في بحر من الغلاء، بينما تظل القرارات حبرًا على ورق. وإذا كانت حكومة الأمل عاجزة عن رفع معاناة الشعب، بل زادت منها، فالأجدر بالدكتور كامل إدريس أن يرحم هذا الشعب المنهك ويقدم استقالته مسبَّبة، والسبب هو الفشل في رفع المعاناة عن كاهل المواطن. فالكرسي لا يستحق التمسك به إذا كان ثمنه جوعًا وفقرًا ودماءَ الناس وأحلامَهم ، والشعب الذي ضحى من أجل الحرية لا يمكن أن يقبل بمزيد من التضحيات دون مقابل!!
*آخر المداد*
إن الساعة تدق والحلول موجودة، لكنها تحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية. فلنغلق باب استيراد القمح، ونفتح أبواب إنتاج الدخن واستخدام دقيق الدخن، ولنفتح الجمارك لكل المنتجات لأجل أن يحدث انهيارٌ في الأسعار ويرتفع التنافسُ بين التجار في البيع بسعر زهيد، ولأجل أن تفيض الأسواق بالسلع، ولنضع مصلحة الشعب فوق كل اعتبار، وإلا فإننا جميعًا ذاهبون إلى الهاوية. إن قرارات التعنت من الحكومة في رفع قيمة الجمارك وإغلاق بعض الأصناف من الاستيراد ربما تصل بالشعب إلى مرحلة غير مسبوقة. وبعد ذلك، بكل تأكيد، قد تنكر الحكومة أنها هي السبب الذي أوصل البلاد إلى مثل هذه المرحلة من غضب الشعب المتوقع أن يصل إليها. ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد. فستذكرون ما أقول لكم، وأفوّض أمري إلى الله؛ إن الله بصير بالعباد.