في عالم اليوم، لم يعد التدوير (Recycling) ترفاً بيئياً ولا نشاطاً ثانوياً هامشياً، بل أصبح معياراً حاسماً لقياس تقدم الأمم ونجاح اقتصاداتها. الدول التي تفتقر إلى منظومة متكاملة لتدوير النفايات والمخلفات هي دول فاشلة صناعياً بكل المقاييس، لأنها ببساطة تهدر ثرواتها وتدفنها في الأرض، بينما تدفع بالعملة الصعبة لاستيراد ما كان يمكن إنتاجه محلياً من تلك المخلفات ذاتها.
السودان واحد من تلك الدول التي تحتاج إلى ثورة حقيقية في مجال إعادة تدوير المخلفات الانتاجية والعضوية – Organic بصفه خاصة ، ليس فقط لحماية البيئة، بل لإنقاذ الاقتصاد الوطني من الانهيار.
أهمية تدوير النفايات في بناء الاقتصاد
تكمن أهمية تدوير النفايات في كونه صناعة قائمة بذاتها، توفر فرص عمل هائلة، وتقلل الاعتماد على المواد الخام المستوردة، وتحمي البيئة من التلوث. فعندما نقوم بتدوير البلاستيك، على سبيل المثال، فإننا نحوّل نفايات تملأ الشوارع والمصارف وتخنق الأنهار ومجاري الصرف الصحي إلى منتجات جديدة قابلة للاستخدام أو التصدير. البلاستيك المعاد تدويره يمكن أن يتحول إلى أنابيب، وأكياس، وأدوات منزلية، ومواد بناء، وحتى ألياف نسيجية. هذا يعني أننا نوقف جزءاً كبيراً من فاتورة استيراد هذه المنتجات، وبالتالي نقلل الطلب على الدولار، مما ينعكس إيجاباً على قيمة الجنيه السوداني محلياً ودولياً.
تدوير المخلفات الزراعية العضوية
أما المخلفات الزراعية العضوية، فهي كنز حقيقي مهمل في السودان. بقايا المحاصيل، وقشور الفواكه والخضروات، ومخلفات الحيوانات ومخلفات المسالخ بصفه خاصة ، كلها يمكن أن تتحول إلى أسمدة عضوية عالية الجودة، أو إلى غاز حيوي (Biogas) يستخدم في توليد الكهرباء والطهي، أو إلى أعلاف مغذية للحيوانات. والأهم من ذلك، أن التلوث الناتج عن النفايات العضوية هو البيئة الخصبة لنمو الفيروسات والبكتيريا الضارة التي تسبب الأمراض العضال، وترفع فاتورة الدواء والعلاج إلى مستويات قياسية. إذا تمت معالجة هذه النفايات بالشكل الصحيح، فإننا لا ننتج فقط منتجات ذات قيمة اقتصادية، بل نقلل أيضاً من انتشار الأمراض، ونخفض فاتورة الاستيراد الدوائي بنسبة لا تقل عن 60%.
نموذج الربل والتحول من مستهلك إلى مصدر
تخيل فقط ما يمكن أن يحدث لو تم إعادة تدوير الربل الخاص بتصنيع لساتك السيارات (إطارات السيارات) في السودان. ملايين الإطارات المستعملة تُرمى سنوياً في الشوارع والمصارف والصحاري، وتتحول إلى قنابل بيئية موقوتة. لو تم جمعها وإعادة تدويرها، فإنها تتحول إلى مسحوق مطاطي (Crumb Rubber) يستخدم في رصف الطرق ويخلط مع الاسفلت ، و او يخلط مع الخرسانة في صناعة الأرضيات الرياضية، او في تصنيع منتجات مطاطية جديدة. هذا وحده يمكن أن يحوّل البلاد من مستهلك يدفع الدولار ثمناً لكل إطار مستورد، إلى مصدر ينتج ويصدر ويوفر العملة الصعبة.
مطلوب وزارة جديدة للصناعات التحويلية والتدوير
لا يمكن تحقيق هذا الحلم دون تأسيس وإقامة فرع وزارة متخصص للصناعات التحويلية وصناعة تدوير المنتجات التي تُرمى وتفسد البيئة. هذه الوزارة يجب أن تكون مهمتها الأساسية وضع استراتيجية وطنية شاملة، وتقديم الحوافز، وفتح قسم خاص يمنح الأرض الصناعية مجاناً لكل من يعمل في مجال تدوير وإعادة إنتاج المخلفات. فالدولة التي تريد النهوض صناعياً يجب أن تقدم التسهيلات الكاملة، وخاصة لمن يعمل في مجال تدوير النفايات العضوية، لأن هذا المجال هو مفتاح الصحة العامة والاقتصاد معاً وهوة الباب الذي يقفل اكثر من 70 % من المواد المستوردة مما يعني قفل الطلب العالي على الدولار ،، وارتفاع قيمة الجنيه السوداني الشرائية .
معضلة اختيار المسؤولين
وهنا يبرز سؤال مهم جداً: كيف يتم اختيار الوزراء في الحكومات وكيف يتم اختيار المسؤولين في الدولة ؟؟ ، ، إن لم يكن هذا الوزير او المسؤول أسطورة وخبره عالية في ارض الواقع في مجال الوزارة وبالنسبة للصناعية مطلوب خبرات صناعية متعددة ومتنوعة ، ويحمل خبرة عملية عالية التقنية ،، وغير ذلك فإنه سيكون عبئاً على القطاع بأكمله.
المشكلة في السودان أن 90% من المسؤولين ليسوا من أهل التخصص العميق. نريد وزيراً يعرف كيف تُصنع الأشياء، وكيف تُدار المصانع، وكيف تُفتح الأسواق المحلية والعالمية للمنتجات السودانية ،
وكيف تُدار سلاسل الإمداد. لا نريد حملة شهادات عليا اكاديمية والقاب ( بروف ودكتور الخ الخ ! ! ) و بينما يكون الكيس في الخبرة فارغاً بدون خبرات عملية وتاريخ إنجازات في ارص الواقع ! ! !، فهنا تكمن الكارثة الحقيقية في الاختيار. الشهادة وحدها لا تصنع وزيراً، بل التجربة والكفاءة والإنجاز هي المعايير الحقيقية. وهذا الشرط ينطبق على كل الوزراء والمسؤولين في كل دول العالم ،، و خاصة نطالب ان يطبق هذا الشرط في السودان والا لن تنهض الدولة ولن يرتفع شأن الاقتصاد ونظل دوما في اخر قائمة دول العالم في كل المجالات ( ونظل الطيش ،، وتضحك علينا الشعوب ) .
آخر المداد
إن بناء منظومة وطنية صناعية ذات خبرات عالية لتدوير النفايات والمخلفات ليس خياراً او رفاهية ، بل هي ضرورة وجودية.،، الدولة التي لا تدوّر نفاياتها والمخلفات هي دولة تنزف ثرواتها وتستورد فقرها وتصدر صحتها. ،، و السودان قادر على التحول من دولة مستهلكة إلى دولة مصدرة، إذا توفرت الإرادة السياسية، والقيادة الكفؤة، والتسهيلات الحقيقية للمستثمرين في هذا القطاع الحيوي. آن الأوان أن ننظر إلى النفايات لا كقمامة، بل كمواد خام تنتظر من يعيد اكتشافها ،،، الا هل بلغت ،، اللهم فاشهد ،، فستذكرون ما أقول لكم وافوض امري الي الله ان الله بصير بالعباد.