*مقدمة: الشعب يعاني من انهيار قيمة الجنيه امام الدولار وشـح وعــدم توفر الوقود*
تعيش العاصمة السودانية الخرطوم وعدد من الولايات، منذ أسابيع، على وقع أزمة وقود خانقة أعادت إلى الأذهان مشاهد الطوابير الممتدة أمام محطات الخدمة، وخنقت حركة النقل والاقتصاد، وضاعفت من معاناة مواطنين أنهكهم التضخم وتراجع القدرة الشرائية. وتتكدس مئات المركبات يوميًا أمام المحطات العاملة، بينما خلت محطات أخرى من المواد البترولية، وارتفع سعر جالون البنزين في السوق السوداء إلى نحو 90 ألف جنيه، مقارنة بنحو 60 ألف جنيه قبل أيام. ويتحول الانتظار في الطوابير إلى ساعات طويلة، وقد يمتد إلى ثلاثة أيام في بعض الحالات، وسط مشاهد تصفها وسائل الإعلام المحلية بأنها تعبير عن أزمة أعمق من مجرد شح في الإمدادات.
لكن المشكلة ليست في غياب الوقود من الأسواق العالمية فحسب، بل في السياسات التي تحكم استيراده. ففي يونيو الماضي، أصدر بنك السودان المركزي قرارًا يشترط على أي شركة ترغب في استيراد المحروقات إيداع 200 كيلوغرام من الذهب عيار 21 كشرط أساسي للحصول على شهادة استخراج الرخصة. وتهدف هذه الآلية، المعروفة إعلاميًا بـ«الذهب مقابل الوقود»، إلى ربط عمليات الاستيراد بموارد حقيقية تدعم الاحتياطي النقدي وتخفف الضغط على النقد الأجنبي. غير أن التطبيق العملي لهذا الشرط أدى إلى نتيجة معاكسة تمامًا لما كان مرجوًا، إذ استبعد من السوق معظم الشركات المتوسطة والصغيرة التي لا تملك القدرة المالية على توفير هذا الكم من الذهب، وحصر الاستيراد في عدد محدود من الشركات الكبرى.
وتتجلى خطورة هذا الاحتكار في الأرقام التي أعلنتها الشركات نفسها. فقد أرسلت 24 شركة سودانية تعمل في مجال النفط مذكرة إلى رئيس مجلس السيادة، طالبت فيها بمراجعة عاجلة لضوابط استيراد وتمويل الوقود، مشيرة إلى أن «الإجراءات والضوابط الحالية أضعفت المنافسة في سوق المنتجات البترولية وأحدثت اختلالات انعكست على استقرار الإمدادات والأسعار». وكشفت المذكرة أن حصر الاستيراد في عدد محدود من الشركات أدى إلى اتساع هوامش الأرباح في بعض الشحنات لتصل إلى نحو 7 ملايين دولار للشحنة الواحدة، في ظل فجوة سعر الصرف المخصص للاستيراد البالغ نحو 5,500 جنيه للدولار، مقابل سعر السوق الموازية الذي يصل إلى 8,900 جنيه للدولار. ! ! ( وهذه كارثة بمعني الكلمة على الشعب).
وهذه الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية ليست مجرد رقم اقتصادي، بل تنعكس مباشرة على تكلفة الاستيراد وأسعار السلع والخدمات. فالدولار، كما يوضح المتعاملون، أصبح شحيحًا إلى درجة أن الطلب عليه تصاعد بشكل جنوني من التجار وشركات البترول وحتى من أولياء الأمور الذين يضطرون إلى إرسال مصاريف دراسة أبنائهم في الجامعات المصرية بالدولار. وقد فرضت بعض الجامعات المصرية رسومًا إضافية بالدولار على الطلاب السودانيين، تصل إلى نحو 2000 دولار مقدماً، مع رسوم سنوية تبلغ 300 دولار، وهو ما يضع ضغطًا إضافيًا هائلًا على النقد الأجنبي في السودان، ويفتح الباب أمام استنزاف موارد البلاد لصالح الاقتصاد المصري، بينما تتراجع فرص الطلاب في استكمال تعليمهم. وكل ذلك بسبب قرار معالي وزير التعليم العالي بخصوص قفل فروع الجامعات السودانية في مصر ! ! ( وتخيل معي الي اين قاد الاقتصاد السوداني ذلك القرار ).
أما على مستوى القطاعات الإنتاجية، فقد كان أثر أزمة الوقود مدمرًا. فشركات التعدين، التي تمثل مصدرًا رئيسيًا للنقد الأجنبي، أصبحت تعاني من توقف مصانع كاملة عن الإنتاج بسبب قيود شراء الجازولين التي تفرضها وزارة النفط، والتي تلزم الشركات بالشراء حصريًا من أربع شركات مستوردة بعينها. كما تعطلت عمليات الترحيل والنقل، وارتفعت تعرفة المواصلات الداخلية، وتضررت سلاسل الإمداد الغذائي والزراعي، ما يهدد بموجة جديدة من ارتفاع الأسعار وتراجع الإنتاج.
والسؤال الأهم: أين وزارة الطاقة من كل هذا؟ لقد اكتفت الوزارة ببيانات تؤكد استقرار الإمدادات، في وقت تتكدس فيه السيارات أمام المحطات، وتعلن فيه الشركات أن القيود هي سبب الأزمة. والأعجب أن رئيس الوزراء دكتور كامل إدريس ظهر في زيارة لمحطة وقود في 30 سبتمبر الماضي ليعلن انتهاء أزمة الوقود بصورة تامة، مؤكدًا أنه (لا توجد أزمة وقود ) ، بينما كانت الطوابير تمتد أمام المحطات في اليوم نفسه. ! !
*آخر المداد*
إن الحل واضح ومباشر: افتحوا استيراد البترول لكل من يستطيع، وفق معايير فنية ومالية موحدة وشفافة، وألغوا شرط الـ200 كيلو ذهب الذي حول السوق إلى حكر على قلة، واستبدلوه بضمانات مالية مرنة تتناسب مع قدرات الشركات الوطنية.
إن استمرار هذا الوضع المأساوي يطرح سؤالًا مشروعًا على سعادة رئيس الوزراء: إلى أين تقود حكومة الأمل البلاد والشعب السوداني الصابر؟ وهل يستحق هذا الشعب أن يظل رهينة كل هذا الفشل ويضاف له طوابير الوقود وارتفاع الدولار ! ! ، أم أن الوقت قد حان للرد على هذا السؤال بوضوح، حتى يستريح الشعب من كثرة التفكير في الإجابة؟ الا هل بلغت ،، اللهم فاشهد . فستذكرون ما أقول لكم وافوض امري الي الله ان الله بصير بالعباد.
الخميس 8 أكتوبر 2026