قفل تصدير الصمغ العربي إلى كل دول العالم هو الرد على أكاذيب استخدام الكلور كسلاح كيميائي..
جلال الدين محمد ابراهيم
✍️ الصفر البارد
10 Sep 2026
•
👁 26
مقدمة
يمثل الصمغ العربي أكثر من مجرد سلعة تصديرية في الاقتصاد السوداني؛ فهو عصارة أشجار الأكاسيا التي تنمو في أراضي السودان، وورقة ضغط استراتيجية نادرة لا يمتلكها أي بلد آخر بنفس الجودة والكمية. فالسودان ينتج نحو 80% من الاحتياجات العالمية من هذه المادة الحيوية، التي تدخل في صناعة آلاف المنتجات اليومية من المشروبات الغازية والأدوية ومستحضرات التجميل والدهانات والمواد اللاصقة.
ورغم هذه المكانة الفريدة، يتعرض السودان لعقوبات وحصار ظالمين من الولايات المتحدة الأمريكية، التي تستثني الصمغ العربي من عقوباتها ليس حباً في السودان، بل لعدم وجود أي بديل تجاري يسد الفجوة في المصانع الغربية. وهنا يكمن السؤال الجوهري: لماذا نمنح أعداءنا هذا المورد الحيوي مقابل العقوبات والافتراءات؟
الأهمية الاستراتيجية للصمغ العربي:
الصمغ العربي ليس مجرد مادة خام عادية؛ إنه شريان حياة للصناعات الغذائية والدوائية والتجميلية في جميع أنحاء العالم. تمتد غابات الصمغ العربي على مساحة تقدر بنحو 500 ألف كيلومتر مربع عبر 13 ولاية سودانية، ويعتمد على هذا القطاع أكثر من خمسة ملايين شخص.
وقدرت عائدات الصمغ العربي السنوية قبل الحرب بما يتراوح بين 111 و183 مليون دولار، وتستورد الولايات المتحدة وحدها نحو ثلثي ما ينتجه السودان (قف هنا وتأمل).
وهذا الاحتكار الطبيعي هو ما جعل الصمغ العربي السلعة السودانية الوحيدة التي استثنتها واشنطن من عقوباتها الاقتصادية الصارمة في تسعينيات القرن الماضي. فلماذا إذن نستمر في تغذية اقتصاد الدول التي تفرض علينا الحصار والعقوبات؟
العقوبات الأمريكية.. دوافع مكشوفة
ما يتعرض له السودان من عقوبات أمريكية ليس له أي مبرر أخلاقي أو قانوني. فالإدارة الأمريكية تفرض عقوبات على السودان من أجل إرضاء حلفائها إسرائيل والإمارات، كما هو ثابت في الموقف التاريخي للولايات المتحدة التي ربطت رفع العقوبات وشطب السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب بالتطبيع مع إسرائيل. وهذا الضغط الأمريكي المكشوف يهدف إلى إذلال السودان وسلب قراره السيادي، مستغلاً حاجة السودان للإفلات من العقوبات.
لقد أظهرت الأحداث الأخيرة أن واشنطن تواصل فرض عقوبات جديدة تستهدف المسؤولين والمؤسسات السودانية، بينما تلوح الإدارة الأمريكية ومبعوثوها (مسعد بولس) بفرض أقصى العقوبات على السودان بسبب أكاذيب استخدام الكلور كسلاح كيميائي، وهم يعلمون بأنها أكذوبة، فهل نبقى مكتوفي الأيدي ونحن نمتلك السلاح الأقوى؟
التهريب عبر تشاد.. قنوات الموت للاقتصاد
إن الواقع المرير الذي نعيشه اليوم هو أن الحرب الأهلية في السودان حولت الصمغ العربي من مورد تنموي إلى بؤرة صراع تمول الحرب. فقد كشفت تقارير الأمم المتحدة أن قوات الدعم السريع نهبت مستودعات الصمغ في سوبا وصافولا، ونقلت آلاف الأطنان من الشحنات إلى تشاد ودول أخرى. ويتم تهريب الصمغ عبر معابر حدودية غير رسمية في دارفور نحو تشاد وأفريقيا الوسطى، حيث يُعاد تصديره باعتباره منتجاً تشادياً محلياً، مما يصعّب تتبع مصدره الحقيقي.
والأكثر خطورة أن بيانات الجمارك الفرنسية أظهرت أن تشاد تجاوزت السودان -لأول مرة- كمورد رئيسي للصمغ العربي إلى فرنسا خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026. هذا يعني أن تهريب الصمغ العربي لم يعد مجرد خسارة اقتصادية، بل أصبح تهديداً لمكانة السودان كأكبر منتج ومصدر للصمغ في العالم.
الحل: وقف وقفل باب التصدير لمدة عامين
إن الحل الجذري لهذه الأزمة هو قفل تصدير الصمغ العربي إلى أي دولة في العالم، مع إغلاق كامل لمنافذ التهريب، وخاصة تلك المتجهة إلى تشاد. وهذا الطرح ليس مجرد رأي عابر، بل هو دعوة أطلقها بالفعل مسؤولون سودانيون، حيث دعا الدكتور أحمد بابكر حمور، المدير العام السابق للوكالة الوطنية لتمويل وتأمين الصادرات، إلى وقف تصدير الصمغ العربي لأي جهة في العالم رداً على العقوبات الأمريكية.
وتتمثل خطة العمل المقترحة في التالي:
أولاً: قفل الصادر بالكامل لمدة عامين كاملين، مع تجميع كل الإنتاج في مخازن سرية ومحصنة.
ثانياً: دفع كل الأموال للمزارعين والمنتجين بأسعار أعلى من الأسعار التي يحصلون عليها في حال التهريب، بحيث يكون السعر الحكومي هو الجاذب الأكبر لهم، مما يقطع الطريق على المهربين! (قف؛ هذا أمر استراتيجي 100%).
ثالثاً: بناء مخزون استراتيجي من الصمغ العربي يسمح بالسيطرة على العرض العالمي مستقبلاً وتحقيق عائدات أعلى مقارنة بالسنوات الفوضوية السابقة.
الرد على الافتراء الأمريكي
إن ورقة الصمغ العربي هي السلاح الاقتصادي الأقوى بيد السودان. فلو توقف التصدير لمدة عامين، فإن جميع الدول الصناعية التي تعتمد على هذه المادة الحيوية ستنحني للسودان وتستعجل في رفع العقوبات والحصار. لأن الصمغ العربي ليس سلعة يمكن الاستغناء عنها أو تعويضها ببدائل؛ فهو يدخل في صناعة المشروبات الغازية التي تستهلكها الملايين، والأدوية التي تنقذ الأرواح، ومستحضرات التجميل التي تعتمد عليها كبريات الشركات العالمية.
إن حكومة الإنقاذ السابقة ارتكبت أكبر عملية جهل وغباء في تاريخ السياسة السودانية حين خضعت للحصار الأمريكي ووافقت على استمرار تصدير الصمغ العربي إلى أمريكا ودول العالم تحت وطأة العقوبات. فالحركة الإسلامية التي كانت في الحكم أظهرت عقلية لا تستطيع صنع المستحيل، بل استسلمت للضغوط وسلّمت المفتاح للعدو.
رسالة إلى فخامة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان:
إن السودان اليوم في مفترق طرق تاريخي. فإما أن نستمر في سياسة التبعية والاستسلام للعقوبات والأكاذيب والافتراءات الأمريكية على السودان، خاصة في موضوع استخدام الكلور كسلاح كيميائي بالأكاذيب، أو نظل أسرى للإرادة الخارجية، وإما أن نتخذ قراراً جريئاً يليق بعظمة السودان وتاريخه. إن كرت الصمغ العربي وحده قادرٌ على صنع الاحترام الكبير عالمياً للسودان ولشعب وحكومة السودان بين دول العالم.
نحن نأمل يا فخامة الرئيس بأن تتكرم وترفع شأن السودان بموجب قفل الصادر لكل منتجات الصمغ العربي، وأن تتخذ القرار الشجاع الذي يثبت للعالم أن السودان ليس دولة يمكن ابتزازها أو إذلالها. فالوقت قد حان لنتوقّف عن تغذية من يضربوننا بالعقوبات، ونستثمر ما نملك من قوة اقتصادية لتحقيق التوازن والكرامة.
آخر المَدَاد
إن وقف تصدير الصمغ العربي ليس مجرد إجراء اقتصادي، بل هو قرار سيادي بامتياز يعيد للسودان هيبته ومكانته في المحافل الدولية. وهو الرد العملي والمنطقي على من يتهمون السودان زوراً وبهتاناً. فإذا كانت أمريكا تفرض عقوباتها لإرضاء حلفائها، فليكن ردنا بقفل الصادر واستخدام سلاحنا الاقتصادي الأقوى.
اللهم فاشهدْ أنا قد بلغت الرسالة، ودعوت إلى ما فيه عز السودان وكرامته، فإن كانت النفوس تريد الذل، فالسودان أبقى وأعلى من أن يخضع لابتزاز أحد.
نعم للصمغ العربي سلاحاً اقتصادياً.. نعم للسودان حراً أبياً.. كلا للعقوبات والافتراءات.. فستذكرون ما أقول لكم، وأفوض أمري إلى الله؛ إن الله بصير بالعباد.
تنويه:
الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع
صدى الحقيقة.