صدى الحقيقة

هذا المقال مزعج جداً.. This article is highly vexing

جلال الدين محمد ابراهيم
جلال الدين محمد ابراهيم
✍️ الصفر البارد
02 Sep 2026 • 👁 43
شارك الخبر:

من حق القارئ أن يشعر بالضيق وهو يقرأ هذه السطور، لأن ما سنتحدث عنه مؤلم بحق، ومزعج بكل ما تحمله الكلمة من معنى. إنه حديث عن واقع مرير نعيشه في هذا البلد، واقع جعل من الإنتاجية أمراً ثانوياً، ومن الكفاءة مجرد كلمة تائهة في زحام المجاملات والمحسوبيات.

منذ الاستقلال 1956 م أصبح المشهد السياسي والإداري في السودان أشبه بمسرح عبثي، حيث قد تصدر الخشبة أشخاص تم اختبارهم مراراً وتكراراً، وفشلوا في كل مرة، لكنهم يعودون وكأن شيئاً لم يكن، يحملون حقائب وزارية، أو مقاعد استشارية، أو مناصب عليا، وكأن الفشل ذريعة للاستمرار، وكأن التجربة الخاسرة تمنح صاحبها حقاً مكتسباً في المحاولة من جديد على حساب شعب منهك وانظر في الأحزاب التي تمسكت بان تكون موجود على سدة الحكم ونتائج انجازاتهم ( حشف وسوء كيل ) وتعويضات لهم وجوع ومرض للشعب يات عبرهم .

*لا نريد محصصات بعد اليوم*

نعم، هذا مزعج جداً، أن ترى من لا يملك أي إنتاج ملموس، ولا أي بصمة حقيقية في واقعه، يتقلد أعلى المناصب، ويحصل على رواتب تفوق قدراته بأضعاف، ويتمتع بمخصصات وامتيازات تجعله في منأى عن معاناة المواطن الذي ينتظر منه حلولاً، فيخرج له بخطابات رنانة وصور بروتوكولية وحضور إعلامي طاغٍ يخفي الفراغ الداخلي والخارجي.

*هلكت البلاد بسبب تعيين ( الأقرباء بلا إنتاج )*

وما يزيد الطين بلة أن نفس النظرية تستمر حتى وقتنا الحالي ويتم ابعاد التفكير لمجرد التفكير في من يملكون الخبرات الإنتاجية الحقيقية. بكل تأكيد يوجد بيننا علماء أفذاذاً، وخبراء في الزراعة والري، ومهندسين متمكنين، وأطباء ومربين، وصناعيين مبدعين، لهم بصمات واضحة على أرض الواقع، لكنهم مرفوضون لدى من بيده القلم، مستبعدون من أي موقع يؤثر في مسار البلاد. لماذ ا؟ لأنهم لا يمتلكون ولاءً عمياناً ولا جهوية ولا واسطة قوية ولا أقرباء لهم في المقامات العليا ، ولا يجيدون فنون المحاصصة، ولا يتقنون لغة المجاملات التي تفتح الأبواب المغلقة ،، لانهم بكل بساطة لن يقفوا مع من لا يعلم ولن يكون لهم ولاء الا لمن هو صادق في خدمة الشعب ، لذلك هم من المرفوضين في المناصب التنفيذية العليا.

*ولكن لمن نقرع الاجرس*

المشكلة ليست مجرد غياب للكفاءات، بل هي إصرار على إقصائها، وتفضيل من لا قيمة له عليها. وهذا يشبه أن تقود سفينة في بحر عاصف، وتترك قبطاناً خبيراً على الرصيف، وتدفع بالدفة إلى من لا يعرف حتى اتجاه الريح. النتيجة كارثية، والسفينة تغرق، والركاب يصرخون، لكن القبطان المزيف لا يزال متمسكاً بكرسيه، يوزع الوعود ويؤجل الإصلاحات.

لقد سئم الشعب السوداني هذا المشهد المكرر، سئم من ارتفاع شأن من لا قيمة له، بينما أصحاب العقول النيرة والخبرات الميدانية يجلسون في البيوت، أو يهاجرون إلى خارج البلاد، بعد أن أغلقوا في وجوههم الأبواب، وأضيقت عليهم السبل، وتم تجاهل إبداعاتهم وكأنها لا تعني أحداً.

*مطلوب تفعيل المناظرات الإعلامية قبل التعيين*

نحن بحاجة ماسة إلى مراجعة جذرية لمنهجية اختيار أصحاب المناصب الدستورية و القيادات ، وإلى وضع معايير واضحة تقوم على الإنتاجية الحقيقية، وليس الانطباعات الإعلامية الزائفة. الخبرة الإنتاجية ليست مقالات يكتبها البعض، ولا ظهوراً تلفزيونياً يبرز فيه شخصٌ وكأنه صانع القرار، ولا مؤتمرات يعقدها هنا وهناك. الخبرة الحقيقية هي التي تترك أثرها في حياة الناس، في تحسين الخدمات، في زيادة الإنتاج الزراعي والصناعي، في تطوير التعليم، في إصلاح الاقتصاد، في حل مشكلات حقيقية يعاني منها المواطن البسيط. يجب إيقاف التعينات بالواسطة وعبر المحاصصات بل لا يتم تعيين أي شخص ف منصب قيادي الا عبر تفعيل مناظرة إعلامية له مع منافسين ليكشف من منهم احق بالمنصب .

إننا نطالب بأن يكون لأصحاب الخبرات الإنتاجية مقام في إدارة شؤون البلاد، مقام لا يقل عن مقام من لا يملكون سوى الحضور المجاني والخطابات الرنانة. نريد أن نرى من عانى مع الناس، وعاش بينهم، ويعرف تفاصيل معاناتهم، وليس من يقضي أيامه في قصور الرئاسات والمجالس وفي السفريات العالمية وتمتع بالتثريات والمخصصات ، وهم بعيداً عن هموم المواطن.

*وإلى أين ذهبت بنا حكومة الأمل إقتصاديا؟*

وتخيل معي كم وصل سعر الدولار في السوق الأسود ، وكم مطلوب من حجم المنصرف اليومي للمواطن البسيط ! ! ! ارقام لن يتحملها الانسان الشريف البسيط لكن هي لمن له نصيب في المناصب تعتبر ارقام ومبالغ لا قيمه لها لان مخصصات البعض اعلى مما يىتصور المواطن البسيط فهي ارقام بالنسبة له ( اعلى من ان يطلق عليها فلكية ) .

*آخر المداد*

السودان غني بعلمائه وخبرائه، غني بطاقاته الشابة المبدعة، غني بفلاحيه وعماله ومهندسيه وأطبائه. فقط نحتاج إلى أن تُفتح الأبواب أمامهم، وأن تُمنح لهم الثقة التي يستحقونها، وأن تُوضع في أيديهم مسؤولياتهم كاملة، لا منقوصة، وأن يُترك لهم المجال لتحقيق إنجازات تنقذ هذا البلد من أزماته المتلاحقة.

إن الإصلاح الحقيقي يبدأ حينما نعترف بأننا كنا نخطئ في اختياراتنا، وحينما نمنح الفرصة لمن يستحقها، وحينما نطرد من لا قيمة لهم من معادلة الحكم والإدارة. عندها فقط سينتصر العقل والكفاءة، ويعود الأمل إلى قلوب الملايين التي أنهكتها الخيبات. الا هل بلغت ،، اللهم فاشهد ،، فستذكرون ما أقول لكم وافوض امري الي الله ان الله بصير بالعباد.

الأربعاء 2 سبتمبر 2026

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.