صدى الحقيقة

ما بين منطق عفريت من الجن، ومنطق آصف بن برخيا..

جلال الدين محمد ابراهيم
جلال الدين محمد ابراهيم
✍️ الصفر البارد
30 Aug 2026 • 👁 62
شارك الخبر:

في مشهد مهيب من مشاهد القرآن الكريم، يقف سيدنا سليمان -عليه السلام- في محفل عظيم يضمّ جنوده من الجن والإنس والطير، وقد أبلغه الهدهد بخبر مملكة سبأ وملكتها التي تعبد الشمس من دون الله. فكان أن دعاها إلى الإسلام، ثم تحدّى من حوله بقوله: “يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ”.

هذا الطلب النبوي لم يكن مجرد اختبار للقدرات، بل كان مشهداً بليغاً في بيان حقيقة طاعة الله والاعتماد عليه، مقابل الاعتماد على الذات والأيديولوجية الفكرية المزعومة والقوة المادية. فتنافس مخلوقان مختلفان في الجوهر والمنهج: عفريت من الجن، ورجل عادي هو (آصف بن برخيا) من الإنس.

*العفريت الجني وقوته المغرورة:*

تقدّم العفريت الجني بكل ثقة وافتخار، وهو يخاطب سيدنا سليمان وقال: ( أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ ) . لاحظ كيف بدأ كلامه بـ”أنا”، وكيف جمع بين صفتين يفتخر بهما: القوة والأمانة. اعتمد على قدراته الذاتية، وعلى ما يملكه من سرعة في طي الأرض واختراق المسافات. كان حسبانه أنه سيحضر العرش في رحلة تمتد من الصباح إلى غروب الشمس، وهي الفترة الزمنية التي يكون فيها سيدنا سليمان في مقام الحكم، أي أن إنجازه سيستغرق ساعات طويلة – النهار كاملاً.

لكن اللافت أن العفريت لم يذكر الله في كلامه، ولم يتوسل بقدرة خالقه، بل أوهم نفسه ومن حوله أن الأمر مرهون بقوته فقط. كان منظوره محدوداً بقدراته المخلوقة، فظن أن العرش لا يمكن إحضاره إلا بالسرعة والجهد الجسدي. وهذه نظرة قاصرة يعيشها كثيرون حين يظنون أن إنجاز الأمور مرهون بقوتهم الذاتية وحدها، أو من يظن نفسه أنه عبقري ومفكر، أو أنه صاحب أيديولوجية فكرية في الحكم (مثل العلمانية وهواجسها التي تبعد الدين عن الدولة)، متناسين أن هناك قوة رب العالمين وهي الأعظم في الكون، وهي تسخر كل شيء.

*آصف بن برخيا وعلم الكتاب*

وبينما كان العفريت يتباهى بقوته، وقف رجل من البشر، هو آصف بن برخيا -كاتب سيدنا سليمان كما يذكر المفسرون- ولم يتقدم بمنطق القوة والسرعة، بل قال بتواضع وعلم، حسب نص الآية الكريمة: “قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ”. ولم يتفاخر بإمكاناته الجسدية، بل نسب الفضل إلى “علم من الكتاب”، أي إلى معرفة إلهية مستمدة من الوحي الرباني.

والأعجب أن النتيجة كانت خارقة: فبمجرد أن ارتد طرف سليمان (بمعنى أنه فقط رمشت عينه) -أي في طرفة عين- كان العرش حاضرا أمامه. لم تكن هذه بالقدرة البشرية لآصف، بل كانت بإذن الله وقدرته “كُن فَيَكُون”، لكن آصف بن برخيا كان يعلم كيف يسأل الله، وكيف يتوسل إليه، وكيف يوقن بأن الله لا يخذل من يتوكل عليه ويعبده بإخلاص.

*الفرق بين الاعتمادين*

المقارنة بين الموقفين تكشف فرقاً جوهرياً:

• الأول: اعتماد على القوة الذاتية المحدودة، مع غفلة عن مصدر القوة الحقيقي. العفريت رأى نفسه قادراً فاغتر بقوته، لكنه كان بحاجة إلى ساعات طويلة وقد لا ينجح.

• الثاني: اعتماد على العلم النافع والتوكل على الله، مع إدراك أن كل القدرة هي من الله. وآصف بن برخيا لم يتباهَ، بل استخدم ما علمه من كتاب الله، وتوسل به، فكانت المعجزة في لحظة.

وهذا يعلمنا أن القوة ليست في العضلات، ولا في الفكر، ولا في الأيديولوجيات الهجينة المصنوعة عند دول الغرب، ولا في السرعة، بل في الإخلاص لله والمعرفة الصادقة بأسرار دينه. فآصف بن برخيا لم يكن أقوى من العفريت جسدياً، لكنه كان أعلم بالله وأقرب إليه، وهذا ما جعل دعاءه مستجاباً.

*واختفى في عالمنا أمثال – آصف بن برخيا*

وها نحن الآن في عصرنا الحالي، فقدنا -بكل تأكيد- شخصيات ولو لها ١٪ من إيمانيّات آصف بن برخيا، وتزاحم العالم كله من حولنا بشخصيات تحمل صفات وقوة وأفكار (عفريت الجن)، والكل يدعي أنه هو صاحب المقدرة في الإنجاز، ولكن في أرض الواقع تجد الإنجازات (ما في بح) ولا أحد فيهم يقدم للشعب ما يريد، بل في أحسن الأحوال تجده يقدم لنفسه أو لجهويته. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

*آخر المداد*

لنكن عاقلين، ولنعد إلى الرشد، ولنحاول أن نكون كآصف بن برخيا، نطلب العلم النافع، ونتوكل على الله، ونوقن أن الله لا يرد سائلاً يلجأ إليه. ولنتجنب غرور العفريت الذين يظنون أن قوتهم كافية، ففاتتهم بركة التوجه إلى الله والثقة به. وفي النهاية، تبقى العبرة أن الإيمان والعلم يرفعان الإنسان، وأن القوة الحقيقية هي في القرب من الله، لا في سرعة الأقدام ولا في شدة البأس.

ويبقى السؤال المهم: ما هي علاقة هذا المقال بالحوار السوداني ، وما علاقة حوار سيدنا سليمان، بالحوار السوداني المرتقب في السودان؟! وما هي علاقة المقال بتكوين لجنة الحوار؟ لو عرفت، أرسل لي رسالة.

ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد. فتذكرون ما أقول لكم، وأفوض أمري إلى الله، إن الله بصير بالعباد.

الأحد 30 أغسطس 2026

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.