في مشهد سياسي وعسكري معقد يعيشه السودان اليوم، تبرز نوايا أمريكا التي لا تخفى على أحد في تفكيك السودان وصناعة خمس دول من السودان القديم. فبعد أن نجحت واشنطن في فصل الجنوب بآليات مشبوهة، ها هي اليوم تعمل بكل جدية لإجهاض انتصارات الجيش السوداني وتمهيد الطريق لفصل دارفور، تمهيداً لإكمال المشوار نحو مزيد من التقسيم في المستقبل.
*كيف فصل الجنوب؟*
قبل الخوض في المخططات الحالية، لا بد من استذكار كيف تم فصل جنوب السودان. في يناير 2011، أجري استفتاء لتقرير المصير في الجنوب، أعلنت نتيجته بأغلبية ساحقة بلغت 98.83% لصالح الانفصال. وقد قاد الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر فريق المراقبين الدوليين للإشراف على هذا الاستفتاء. وأشاد كارتر بالعملية ووصفها بأنها “ذات مصداقية”.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه: كيف يمكن لاستفتاء أن يسفر عن هذه النسبة الساحقة في ظل ظروف مشبوهة؟ فقد جاءت صناديق الاقتراع جاهزة تحت رعاية إسرائيلية، كما كشف قبل أسابيع تكريم سلفا كير لرجل المخابرات الإسرائيلية، حيث شكر رئيس جنوب السودان الموساد الإسرائيلي لمساعدة الجنوب في الانفصال. وقد أكد المفكر الاقتصادي العالمي جيفري ساكس أن تقسيم السودان كان عملية إسرائيلية، وجاء جنوب السودان بدعم من الموساد الإسرائيلي.
*منشأ حق تقرير المصير*
ثمة من يرددون – وهم لا يعلمون – أن الجنوب فصل بموجب اتفاقية نيفاشا، متناسين أن بروتوكول مشاكوش هو الذي أسس بناءً على اتفاقية كوكا دام. ففي 20 مارس 1986، برز إعلان كوكادام في إثيوبيا بين الحركة الشعبية لتحرير السودان وأغلب أحزاب السودان السياسية، ومن ضمنها حزب الأمة والاتحادي الديمقراطي. وقد أسس هذا الإعلان لمبدأ حق تقرير المصير للجنوب.
ثم جاء بروتوكول مشاكوش عام 2002 الذي قنن وأطر هذا المبدأ، وتبعه اتفاقية نيفاشا للسلام الشامل عام 2005 التي نصت على حق تقرير المصير. ( اذا ان نقرير المصير ومن سمح بالانفصال في الأصل هو اتفاقية كوكادم – ثم برتكول مشاكوش ) ولا علاقة فعليه باتفاقية نيفاشا بالانفصال .
وهذا يعني أن من يرددون أن الانفصال تم بموجب نيفاشا وحدها يغفلون الحقيقة التاريخية الكاملة، فالجذور تمتد إلى اتفاقيات سابقة أسس لها أحزاب سودانية كانت تظن أنها تخدم وحدة البلاد، لكن النتيجة كانت الانفصال.
*أمريكا تسعى لفصل دارفور*
اليوم، وبينما يحقق الجيش السوداني انتصارات ميدانية، تعمل أمريكا بكل جدية لإجهاض هذه الانتصارات وتمهيد الطريق لفصل دارفور كدولة ثالثة. وقد أكد الرئيس السوداني السابق عمر البشير أن الضغط والتآمر الأمريكي أديا إلى تقسيم السودان، وأن الخطة الأمريكية تهدف إلى تقسيم السودان إلى خمس دول.
وتشير المصادر إلى أن السيطرة على السودان أو الوصول إلى تقسيمه، بالإضافة إلى انفصال الجنوب،
يعني انفصال إقليم دارفور وغرب السودان، وهذا هدف أمريكي إسرائيلي لتجزئة المنطقة. وفي حال انفصال دارفور، فإن مساحة الدولة السودانية ستنكمش بمقدار الخمس، وتفقد ميزة جيوسياسية مهمة ساهمت تاريخياً في تماسك السودان.
ازدواجية الموقف السوداني
والعجيب في الأمر أن هناك من يطبل لأمريكا، وهناك من يقول “سوف نلف السفارات سفارة سفارة” وهو بذلك يساهم في التدخل الأجنبي وفي تمزيق السودان، ثم يدعي أنه وطني! سبحان الله، كيف يجتمع الوطنية مع التطبيع مع من يسعى لتقسيم البلاد؟
*قضية رفض الانفصال*
من المهم التذكير بالقضية التي رفعها المحامي الوطني محمد سعيد محمد الطيب العباسي – حفيد الشاعر المعروف محمد سعيد العباسي صاحب قصيدة “يا قتاتي ما للهوى بلد” – حيث رفع قضية باسم المرحوم اللواء خالد حسن عباس ترفض حق تقرير المصير للجنوبيين وترفض الانفصال، وذلك قبل العام 2008. وقد استندت هذه القضية إلى بنود من ميثاق الأمم المتحدة، مما يعني أن انفصال الجنوب غير قانوني وفقاً للشرعية الدولية.
*آخر المداد*
إن نوايا أمريكا في تفكيك السودان أصبحت مكشوفة للجميع. فبعد أن نجحت في فصل الجنوب بمساعدة إسرائيلية وتحت غطاء كارتر، تسعى اليوم لعرقلة انتصارات الجيش وفصل دارفور، تمهيداً لإكمال مخطط تقسيم السودان إلى خمس دول. ولا يخفى على أحد أن ثروات السودان الطبيعية الهائلة وموقعه الجيوسياسي الحساس جعلاه هدفاً لأطماع أمريكا والكيان الصهيوني.
إن على السودانيين، بكل أطيافهم، أن يتوحدوا لمواجهة هذا المخطط الخطير، وأن يعوا أن من يدعون الوطنية وهم يساهمون في التدخل الأجنبي هم في الحقيقة شركاء في التمزيق. وقد حان الوقت لاستعادة الوعي التاريخي والقانوني، والتمسك بوحدة السودان أرضاً وشعباً. الا هل بلغت ،، اللهم فاشهد . فستذكرون ما أقول لكم وافوض امري الي الله ان الله بصير بالعباد.
الخميس 27 أغسطس 2026