صدى الحقيقة

تأخر الحكومة عن نشر الحقائق!! يفتح أبواب الإشاعات والأكاذيب..

جلال الدين محمد ابراهيم
جلال الدين محمد ابراهيم
✍️ الصفر البارد
10 Aug 2026 • 👁 60
شارك الخبر:

في زمن تتسارع فيه وتيرة الأحداث وتتشابك فيه المصالح وتتداخل المعلومات، تبرز الحقيقة كأغلى ما يملكه الشعب في مواجهة التحديات، وتبرز الشفافية كأقوى سلاح في مواجهة الفوضى والتضليل. غير أن الممارسة السياسية والإعلامية في السودان، منذ الاستقلال وحتى يومنا هذا، تشير إلى نمط متكرر من إخفاء المعلومات عن الرأي العام، بحجة تجنب الانتقاد أو التغطية على تصرفات فردية لبعض منسوبي الحكومات ! ! ، غير أن هذه السياسة المتبعة في طي الحقائق لا تؤدي إلا إلى عواقب وخيمة، تفتح الباب على مصراعيه أمام الإشاعات والأكاذيب التي يروج لها ضعاف النفوس، وتجعل المشهد الإعلامي السوداني ساحة فوضى لا تعكس الحقيقة ولا تخدم المصلحة العامة.

منذ استقلال السودان في عام 1956، تعاقبت حكومات مدنية وعسكرية، وتباينت مناهجها في التعامل مع الإعلام والمعلومات، لكن القاسم المشترك بين معظمها كان الميل إلى إخفاء كثير من المعلومات عن الجمهور، وكأن المواطن السوداني لا يستحق أن يعرف ما يدور في بلاده، أو كأن الحقيقة سلاح ذو حدين قد يجرح من يستخدمه. وفي كثير من الأحيان، كانت هذه السياسة تهدف إلى حماية بعض المسؤولين من المساءلة، أو التغطية على أخطاء قد ترتكبها جهات حكومية، أو التهرب من الإجابة عن أسئلة محرجة تطرحها الصحافة المستقلة. وقد كان الاعتقاد السائد لدى صناع القرار أن إخفاء المعلومات يجنب الحكومة الانتقاد الإعلامي، ويحافظ على هيبة الدولة، لكن الواقع أثبت أن عكس ذلك هو الصحيح، فالتعتيم لا يطفئ الجوع إلى المعرفة، بل يزيده اشتعالاً، ويخلق فراغاً معلوماتياً سرعان ما تمتلئه الشائعات والأخبار الملفقة.

اللافت في الأمر أن عمليات الإخفاء هذه، رغم محاولات إحكام السيطرة عليها، كانت تجد طريقها دوماً إلى العلن عبر التسريبات الإخبارية، التي أصبحت مصدراً رئيسياً للمعلومات في غياب القنوات الرسمية الموثوقة. وهنا تكمن المفارقة، فبدلاً من أن تكون التسريبات متنفساً للحقيقة، فإنها غالباً ما تحمل في طياتها شيئاً من الأكاذيب، إذ يضيف المروجون إليها تفاصيل واهية أو مبالغات بهدف رفع قيمتها الإخبارية، وجذب اهتمام الجمهور، وكسب ثقتهم، وفي المقابل، يجد كل من يكتب عن هذه التسريبات نفسه أمام خيارين: إما أن يسكت خوفاً من الملاحقة القضائية، وإما أن يقدم على نشر ما لديه مع علمه بأنه سيُحاكم بتهمة نشر أخبار كاذبة أو الإساءة للجهات الرسمية. وهكذا، تتحول المحاكم إلى أداة لكشف الحقيقة مرة، وكتمها مرات، بينما تبقى الحقيقة الحقيقية ضائعة في متاهات الإجراءات القانونية والاتهامات المتبادلة.

إن إخفاء المعلومات عن الشعب لا يقتصر أثره على خلق بيئة خصبة للتسريبات المضللة، بل يتعداه إلى دفع بعض أصحاب النفوس الضعيفة إلى نشر الأكاذيب والإشاعات، خاصة في ظل انتشار منصات التواصل الاجتماعي التي أصبحت ساحة مفتوحة لكل من هب ودب. وما نشهده اليوم في السودان من مجموعات مشبوهة على فيسبوك وتويتر، مثل مجموعات “قحاطة” والتابعين لمجموعة “صمود” و( الجنجاقحطوط )، ليس إلا نموذجاً صارخاً لهذه الظاهرة الخطيرة. هذه المجموعات، التي تفتقر إلى المصداقية والمسؤولية الأخلاقية، تنشر أخباراً لا تمت للحقيقة بصلة، وتتاجر بأوجاع الناس وآمالهم، وتصنع روايات موازية تهدف إلى زعزعة الثقة في الدولة ومؤسساتها، وإثارة البلبلة في أوقات الأزمات، مستغلة الفراغ الذي تتركه الحكومة عندما تتأخر في تقديم المعلومات الدقيقة أو ترفض الإفصاح عن حقائق مهمة.

والأكثر إيلاماً أن المشهد الإعلامي الإلكتروني في السودان قد أصبح يعج بهذه الظواهر السلبية، حتى باتت الأخبار المنشورة على مواقع التواصل بنسبة تفوق 99% منها أخباراً كاذبة أو مبالغاً فيها أو مجرد “هبالة” يتبناها جهلاء يروجون لكل ما هو زائف ومثير، دون أي اعتبار للمعايير المهنية أو الأخلاقية أو حتى للحقيقة التي يتوق إليها المواطن البسيط. هذه النسبة المروعة تعكس حجم الكارثة التي نعيشها، حيث أصبح المتلقي السوداني غارقاً في بحر من المعلومات المضللة، لا يعرف أين يجد الحقيقة، ولا يثق بأي مصدر، حتى إن جاء الخبر من الجهات الرسمية ذاتها، لأنها فقدت مصداقيتها نتيجة سنوات من التعتيم والمراوغة.

من أجل كل هذا، ولإسكات هذه التلاعبات بالأخبار والمعلومات الكاذبة، ولمواجهة موجة الشائعات التي تغرق الفضاء الإعلامي السوداني، أصبح المطلوب بشدة اليوم هو شفافية إعلامية حكومية غير مسبوقة، تتجاوز حدود البيانات الصحفية الرنانة والمؤتمرات الخطابية، لتصل إلى درجة الإفصاح عن كل صغيرة وكبيرة تحدث في أروقة الحكومة، مهما كانت محرجة أو صعبة، فالمواطن السوداني الذي عانى من ويلات الحروب والأزمات الاقتصادية والسياسية يستحق أن يعرف الحقيقة كاملة غير منقوصة، وأن يشارك في صنع القرار الذي يمس حياته ومستقبل أبنائه. والشفافية المطلقة ليست مجرد خيار أخلاقي، بل هي ضرورة عملية لبناء الثقة بين الشعب والحكومة، وللحد من نفوذ مروجي الإشاعات، ولإعادة الاعتبار للإعلام المهني، ولخلق مناخ صحي يسمح بالحوار البناء والنقد المسؤول.

غير أن السؤال الأهم والأكثر إلحاحاً في هذا السياق يظل معلقاً دون إجابة شافية: أين هيئة النزاهة والرقابة والشفافية التي تم الإعلان عن تأسيسها وسط ضجة إعلامية قبل سنوات؟ لماذا لم نشاهد لها ولو عملاً واحداً منذ إنشائها؟ أين دورها في مراقبة أداء المؤسسات الحكومية، وكشف التجاوزات، وحماية حق المواطن في المعرفة؟ هل كانت مجرد واجهة للتباهي أمام المجتمع الدولي، أم أنها تعاني من شلل مؤسسي أو من عدم وجود إرادة سياسية حقيقية لممارسة دورها؟ هذه الأسئلة المشروعة تنتظر إجابات واضحة من المسؤولين، وتضع الهيئة نفسها أمام اختبار حقيقي لمصداقيتها، إذ لا يمكن للشفافية أن تتحقق ما لم تكن هناك هيئة رقابية مستقلة وفاعلة تمارس صلاحياتها بحزم ونزاهة، وتحاسب المقصرين، وتكشف المخالفين، وتعلن الحقائق دون مواربة أو خوف من أي جهة كانت.

*آخر المداد*

لا بد أن ندرك أن معركة الحقيقة في السودان هي معركة وجودية، ترتبط بمستقبل الوطن ومصير أبنائه، فكلما تأخرت الحكومة في نشر الحقائق، ازدادت الإشاعات والأكاذيب انتشاراً، وتآكلت ثقة الشعب في مؤسساته، وتعمقت الأزمات وتشعبت، وكلما تمسكت الحكومة بالشفافية والإفصاح، قلّصت مساحة التضليل، وأغلقت أبواب الفتنة، وفتحت الطريق أمام نهضة حقيقية تقوم على المعرفة والصدق والمشاركة، وإننا إذ نطالب اليوم بشفافية إعلامية حكومية مطلقة،

الشعب السوداني الذي دفع ثمناً باهظاً من دمائه وأمواله وتضحياته، يستحق أن يعيش في دولة تحترم عقله، وتكرم روحه، وتصون حقه في معرفة الحقيقة كاملة، غير منقوصة، وغير ملوثة بالأكاذيب والشائعات. الا هل بلغت اللهم فاشهد . فستذكرون ما أقول لكم وافوض امري الي الله ان الله بصير بالعباد.

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.