*مقدمة:*
قبل اكثر من 20 عام كتبت مقال عبر موقعي الالكتروني ( سودنيز آوتلاين – Sudanese Outline ) بان الصحافة الورقية قريبا تغادرنا الي الابد وحددت ان الزمن سيكون بين عام 2020 – 2030 م ولن يكون من بعدها للصحافة الورقية وجود وان وجد البعض منها فانها ستكون اكثر تخلفا إعلاميا حيث الاخبار والاحداث تسبقها في نشرها الوسائط الكترونية وتصبح الصحافة الوقية تحصيل حاصل لا قيمة لها في السبق الخبري .
وحاليا في مشهد إعلامي يتسارع خطاه نحو المجهول، تقف الصحافة الورقية عالميا اليوم كشيخٍ منهكٍ يودع عالماً كان فيه سيداً مطلقاً. لقد كان صوت الحبر على الورق يملأ الفراغات، ويشكل وعي الأجيال، لكن رياح التغيير الرقمية هبت بعنف، فاقتلعت أركان هذه المؤسسة العريقة، ورمت بها في أزقة النسيان. لم يعد المشهد اليوم كما كان؛ فالصحف التي كانت تتربع على عروش السلطة الإعلامية تجد نفسها مجبرة على الانحناء أمام إمبراطورية الشاشات، حيث تتهاوى أعداد المطبوعات كأوراق الخريف، وتحل محلها منصات إلكترونية لا تعرف الحدود ولا تنتظر موعد الصباح لتوزع أخبارها.
لقد تحولت مئات الصحف حول العالم إلى فضاءات رقمية، تاركةً وراءها مكابس الطباعة وصوت دوران الآلات. ففي الولايات المتحدة وحدها، أغلقت أكثر من 2000 صحيفة محلية منذ مطلع الألفية، بينما حولت كبريات المؤسسات مثل “واشنطن بوست” و”نيويورك تايمز” جلّ استثماراتها إلى منصاتها الرقمية، التي باتت تدر عليها عائدات إعلانية تفوق نظيراتها الورقية بأضعاف. وفي العالم العربي، لم تكن الصدمة أقل وطأة؛ إذ أعلنت العديد من الصحف التاريخية إيقاف طبعاتها الورقية، مكتفية بنشر محتواها عبر المواقع الإلكترونية والتطبيقات، وكأنها تدرك أن البقاء أصبح رهناً بمواكبة هذا التحول الزلزالي.
أما تطور الإعلام الإلكتروني فقد كان أشبه بانفجار كوني هائل، قلب معادلات القوة التقليدية رأساً على عقب. فمع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي والمدونات والقنوات المستقلة، انهارت جدران الاحتكار الإعلامي التي كانت تحمي المؤسسات الكبرى وتحتكر الحقيقة باسم الجمهور. لم يعد المواطن مجرد متلقٍ سلبي ينتظر ما تمليه عليه النخب الصحفية، بل أصبح مشاركاً فاعلاً، وصانعاً للأخبار وناقلاً لها في آن واحد. أصبح بإمكان أي فرد يمتلك هاتفاً ذكياً أن يوثق لحظة تاريخية وينشرها للعالم قبل أن تصل كاميرات القنوات الرسمية، وهكذا تبددت هالة القداسة التي كانت تحيط بالمؤسسات الإعلامية، وأصبحت القوة الإعلامية الحرة هي التي تقود الساحة بلا استئذان.
إن هذا التحول يحمل في طياته نفحات من التحرر والديمقراطية، حيث لم يعد الإعلام حكراً على فئة النخبة المثقفة أو أصحاب رؤوس الأموال، بل صار مفتوحاً للجميع بلا تمييز. لكن هذه الحرية المطلقة حملت معها سمومها أيضاً، ففي فضاء لا رقيب فيه ولا حسيب، انتشر ما يمكن تسميته بـ”إعلام الوسائط الفوضوي”، ذلك المستنقع الذي يكتظ بالأكاذيب والمعلومات المضللة، وتتناثر فيه الشائعات كالنار في الهشيم. أصبحت المنصات الرقمية ساحة معركة مكشوفة بين الحقيقة والزيف، حيث يمتزج الخبر بالخبر المفبرك، وتختلط الوقائع بالأوهام، في مشهد يرثى له من الفوضى المعرفية.
والأكثر إيلاماً أن أعداد ضعاف النفوس من مدعي الإعلامية يفوقون بكثير أعداد العقلاء والمحترفين، مما يقود إلى فساد فكرة الإعلام الإلكتروني ذاته. فها هم الجهلاء يتصدرون المشهد، يروجون للمغالطات بأسلوب جذاب، ويصنعون حقائقهم الخاصة التي تخدم أغراضاً ضيقة، بينما تغرق الأصوات الرشيدة في زحمة المنصات المزدحمة بالمحتوى الرديء. لقد أصبحت الخوارزميات هي الحكم الجديد في عالم الإعلام، تختار لنا ما نرى وما نصدق، دون أن ندرك أننا نغرق في بحر من المعلومات المسمومة التي تقوض وعينا الجماعي وتشوه صورتنا عن الواقع.
*آخر المداد*
إن وداع الصحافة الورقية ليس مجرد تحول تقني، بل هو لحظة مفصلية في تاريخ البشرية، لحظة تتراقص فيها الحرية مع الفوضى، وينتصر فيها العقل تارة ويخبو تارة أخرى. ورغم أن الإعلام الإلكتروني قد كسر القيود وأسكت صوت الاحتكار، فإنه بحاجة ماسة إلى ضوابط أخلاقية وقيم مهنية تعيد إليه روح المصداقية. نحن اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن ننتصر للحقيقة وسط هذا الطوفان الرقمي، أو نغرق جميعاً في مستنقع من الأكاذيب يصعب الخروج منه.
ولعل الأمل يظل معقوداً على العقلاء الذين يدركون أن حرية الإعلام لا تكتمل إلا بالمسؤولية، وأن الصحافة الإلكترونية، مهما تطورت، تظل بحاجة إلى ضمير يقظ يحميها من شرور الجهلاء، ويحافظ على رسالتها النبيلة في خدمة الحقيقة والإنسانية. الا هل بلغت ،، اللهم فاشهد ، فستذكرون ما ما أقول لكم وىافوض امري الي الله ان الله بصير بالعباد.
الخميس 6 أغسطس 2026