في لحظات حبست الأنفاس، تحوّل الشاب الأمريكي إيبرو أحمد، البالغ من العمر 27 عاماً، إلى بطل بعدما خاطر بحياته وقفز إلى حافلة مدرسية خرجت عن السيطرة في مدينة سانت بول بولاية مينيسوتا، إثر تعرض سائقها لطارئ صحي، وتمكن من إيقافها وإنقاذ 19 طالباً كانوا على متنها، دون تسجيل إصابات بين الركاب أو المارة.
لكن ما يميز قصة أحمد لا يقتصر على شجاعته وسرعة تدخله، بل يمتد إلى الدافع الذي استحضره في تلك اللحظات الحرجة؛ إذ حضرت في ذهنه آية قرآنية تجسد قيمة إنقاذ النفس البشرية، يقول فيها الله تعالى: *«وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا»*، من سورة المائدة، الآية 32.
وقال أحمد، في حديث لصحيفة «غارديان» البريطانية، إنه لم يتدخل بحثاً عن الشهرة أو المكاسب الشخصية، بل بدافع الإيثار والرغبة في حماية الأطفال، مضيفاً: «لم أفعل ذلك من أجلي، بل كان تصرفاً نابعاً من الإيثار في سبيل الله».
حافلة بأبواب مفتوحة وسائق في حالة حرجة
وقعت الحادثة يوم الاثنين 19 أكتوبر الجاري، أمام المتجر العائلي الذي يعمل فيه أحمد بحي دايتونز بلاف في مدينة سانت بول.
كان الشاب يقضي استراحته خارج المتجر، حين لمح حافلة مدرسية صفراء تمر أمامه وأبوابها مفتوحة وأضواؤها التحذيرية تعمل. وسرعان ما أدرك أن هناك خطباً ما، بعدما لاحظ أن السائق يعاني حالة صحية خطيرة، مع ظهور رغوة عند فمه، ما أثار اشتباهه في تعرضه لنوبة تشنج.
لم يمنح أحمد نفسه وقتاً طويلاً للتفكير؛ ركض نحو الحافلة وقفز إلى داخلها، بينما كانت أصوات الأطفال تتعالى من شدة الخوف والارتباك. وألقى هاتفه ونظارته باتجاه طفلتين في مقدمة الحافلة حتى يحرر يديه ويتمكن من التعامل مع الموقف.
ارتباك أولي.. ثم قرار أنقذ 19 طفلاً
لم تكن قيادة الحافلات المدرسية من خبرات أحمد السابقة، ولذلك واجه صعوبة في تحديد طريقة إيقاف المركبة. وروى أنه أخطأ في البداية بين وضعي الرجوع إلى الخلف والتوقف، ما أدى إلى تحرك الحافلة إلى الوراء، قبل أن يتدارك الأمر ويحوّل ناقل الحركة إلى الوضع المحايد، ثم يسحب مكبح الطوارئ.
نجح أحمد في إيقاف الحافلة، لتنتهي بذلك لحظات الخطر التي عاشها الأطفال، ثم طلب من أحدهم الاتصال بخدمات الطوارئ.
وأكدت إدارة مدارس سانت بول العامة وقوع حالة طبية طارئة على متن الحافلة، مشيرة إلى وصول المسعفين إلى الموقع، ووصول حافلة أخرى لنقل الطلاب ومواصلة إيصالهم إلى منازلهم. ونُقل السائق إلى المستشفى، قبل أن يغادره ويواصل التعافي في منزله.
بين الإيمان والهدوء.. ما الذي ساعده على التصرف؟
إلى جانب الآية القرآنية التي استحضرها، أشار أحمد إلى أن متابعته للمسلسل الطبي الأمريكي الشهير «غريز أناتومي» ساعدته على التفكير في أهمية التماسك خلال المواقف الاستثنائية.
وأوضح أن مشاهد الأطباء وهم يتعاملون مع الحالات الحرجة دون استسلام للهلع جعلته يدرك ضرورة الحفاظ على الهدوء والتفكير المنطقي عندما تكون الثواني حاسمة.
وقال أحمد، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام أمريكية: «شعرت حقاً بأن ذلك واجبي. نحن نتحدث عن أطفال، كما تعلمون. حتى لو متّ، لكان الأمر يستحق ذلك».
ورغم ما حظي به من إشادة، لم يعتبر أحمد نفسه شخصاً استثنائياً، بل عبّر عن اعتقاده بأن أي شخص يجد نفسه في الظروف نفسها قد يحاول إنقاذ الأطفال.
بطل في عيون مجتمعه
وُلد أحمد في الولايات المتحدة لأبوين مهاجرين من إريتريا، ويرى أن ما حدث لم يكن مجرد عملية إنقاذ، بل فرصة لإبراز صورة إيجابية عن مجتمعه.
وتحدث عن التحديات التي تواجه أسرته في إدارة متجرها الصغير، مشيراً إلى تراجع النشاط التجاري مع تكثيف سلطات الهجرة الفدرالية عملياتها في سانت بول ومينيابوليس ضمن حملة الترحيل التي أطلقتها إدارة الرئيس دونالد ترمب تحت اسم «عملية مترو».
وفي أعقاب انتشار قصته، تلقى أحمد إشادات ومبادرات تقدير، من بينها تبرع بقيمة ألف دولار من شركة محلية تعمل في مجال التسويق والإعلام، في لفتة صاحبتها زيارة شخص يرتدي زي شخصية «سوبرمان» وتسليمه شيكاً رمزياً.
كما تلقى تهنئة من أحد أعضاء مجلس المدينة، ودعوة للمشاركة في ندوة، إلى جانب اتصالات من أقاربه، بينهم عم له يقيم في أوروبا.
لكن أكثر ما أسعده، بحسب حديثه، كان انتشار القصة بين أبناء الجالية الإريترية، وما أحدثته من مشاعر الفخر والانتماء.
حين تتحول الشجاعة إلى رسالة إنسانية
تكشف قصة إيبرو أحمد كيف يمكن لقرار سريع، يتخذه شخص عادي في لحظة استثنائية، أن يحول دون وقوع مأساة. فبينما كان يقضي استراحته أمام متجر أسرته، وجد نفسه أمام حافلة تحمل 19 طفلاً، وسائق عاجز عن السيطرة عليها، وخطر لا يحتمل الانتظار.
استجاب أحمد للموقف بشجاعة، مستنداً إلى دافع إيماني وقناعة إنسانية بأن حماية حياة الآخرين مسؤولية تستحق المخاطرة. ولم يكن تقديره الحقيقي لما فعله مرتبطاً بالشهرة أو التكريم، بل بحقيقة بسيطة: أن الأطفال عادوا إلى أسرهم سالمين.
«لم أفعل ذلك من أجلي».. عبارة تختصر جوهر الحكاية، وتعيد التذكير بأن إنقاذ حياة إنسان قد يبدأ بلحظة شجاعة، لكنه يترك أثراً يتجاوز حدود المكان والزمان.