صدى الحقيقة

جوزيف لاروش.. قصة المهندس الهايتي الذي خطف الموت رحلته الأخيرة على تايتنك

جوزيف لاروش.. قصة المهندس الهايتي الذي خطف الموت رحلته الأخيرة على تايتنك
المنوعات
20 Oct 2026 👁 18
شارك الخبر:

لم يكن جوزيف لاروش يعلم أن تغييراً في تذاكر السفر سيقوده إلى واحدة من أشهر الكوارث البحرية في التاريخ. ففي أبريل 1912، صعد المهندس الهايتي الشاب إلى متن السفينة «تايتنك» برفقة زوجته الحامل وابنتيه الصغيرتين، أملاً في العودة إلى هايتي وبناء مستقبل جديد لعائلته. لكن الرحلة التي بدأت بخطط للحياة والاستقرار انتهت بمأساة، بعدما ابتلع المحيط الأطلسي السفينة العملاقة، ونجت أسرته بينما اختفى هو إلى الأبد.

وتعيد قصته، التي سلطت تقارير تاريخية حديثة الضوء عليها، إحياء جانب إنساني أقل حضوراً في الروايات الشائعة عن كارثة «تايتنك»، المرتبطة غالباً بقصص الأثرياء والركاب الذين خلدتهم السينما.

من هايتي إلى فرنسا.. رحلة بحث عن المستقبل

وُلد جوزيف فيليب ليميرسييه لاروش عام 1886 في مدينة كاب هايتيان، شمال هايتي، وانتقل إلى فرنسا في سن مبكرة لتلقي تعليمه. درس الهندسة، وتزوج الفرنسية جولييت لافارغ، وأنجب منها ابنتين هما سيمون ولويز، بينما كانت زوجته تنتظر مولودهما الثالث.

ومع اقتراب موعد عودة الأسرة إلى هايتي، بدأت ترتيبات السفر في ظروف بدت عادية، لكنها حملت تفصيلاً غيّر مسار حياتهم.

لماذا اختارت الأسرة «تايتنك»؟

وفقاً للروايات التاريخية المنشورة، كانت الأسرة تمتلك تذاكر على متن السفينة الفرنسية «إس إس فرانس»، لكن القيود المتعلقة بتناول الأطفال وجباتهم في الحضانة بعيداً عن والديهم دفعت جوزيف وزوجته إلى تغيير خطتهما واختيار السفر على متن «تايتنك» في الدرجة الثانية.

وفي العاشر من أبريل 1912، صعدت الأسرة إلى السفينة من ميناء شيربورغ الفرنسي، لتبدأ رحلة لم يكن أحد يتوقع نهايتها المأساوية.

وتكمن المفارقة في أن القرار الذي اتخذه الزوجان بدافع البقاء قريبين من طفلتيهما خلال السفر، وضع الأسرة على متن السفينة التي أصبحت لاحقاً رمزاً لإحدى أكبر المآسي البحرية في القرن العشرين.

ليلة الغرق.. نجاة الزوجة والطفلتين وفقدان الأب

في ليلة 14 أبريل 1912، اصطدمت «تايتنك» بجبل جليدي في شمال المحيط الأطلسي، وبدأت الساعات الأخيرة للسفينة التي كانت توصف آنذاك بأنها إنجاز هندسي استثنائي.

ومع تصاعد الخطر، تمكنت جولييت وابنتاها من الوصول إلى أحد قوارب النجاة، ونجون من الكارثة. أما جوزيف، الذي كان يبلغ نحو 25 عاماً، فلم ينجُ، ولم يُعثر على جثمانه.

وبينما حملت قوارب النجاة الأم وطفلتيها بعيداً عن السفينة الغارقة، وجدت الأسرة نفسها أمام حياة جديدة لم تخطط لها: أم شابة فقدت زوجها، وطفلتان ستكبران بعيداً عن أبيهما، وطفل ثالث سيولد بعد الكارثة ويحمل اسم والده تخليداً لذكراه.

لماذا يُوصف بأنه الراكب الأسود الوحيد؟

تصفه مراجع تاريخية، من بينها موسوعة «Encyclopedia Titanica»، بأنه الراكب الذكر الأسود الوحيد المعروف على متن السفينة، فيما تشير روايات أخرى إلى أن طفلتيه كانتا أيضاً من ذوي الأصول السوداء، ما يجعل وصفه بأنه الشخص الأسود الوحيد على متن «تايتنك» غير دقيق إذا شمل جميع الأعمار.

وتتجاوز أهمية قصة لاروش مسألة العرق أو ندرة وجوده بين ركاب السفينة؛ فهي تكشف جانباً من تاريخ السفر والتمييز الاجتماعي في مطلع القرن العشرين، كما تمنح مأساة «تايتنك» وجهاً إنسانياً مختلفاً، بعيداً عن الصورة التي كرستها الأفلام عن حياة الطبقات الثرية وحدها.

قصة غابت طويلاً عن الأضواء

على الرغم من شهرة كارثة «تايتنك»، ظلت قصة جوزيف لاروش أقل تداولاً من قصص ركاب آخرين، قبل أن تعود إلى الاهتمام عبر أبحاث تاريخية وكتب وعروض مسرحية تناولت حياته ورحلته الأخيرة.

وتبقى قصته شهادة على أن وراء كل اسم في قوائم ضحايا الكوارث حياة كاملة وأحلاماً لم تكتمل. فقد صعد لاروش إلى السفينة وهو يفكر في مستقبل أسرته، لكنه ترك وراءه زوجة وطفلتين وطفلاً لم يولد بعد، وذكرى رجل لم تعد رحلته الأخيرة مجرد تفصيل في تاريخ «تايتنك»، بل حكاية عن الأسرة والاختيار والمصير.

المصدر: صدى الحقيقة - بي بي سي