صدى الحقيقة

من الصمود والعطاء إلى منصة الوفاء بالقاهرة.. محاسن الحسين.. حين يصبح العطاء الإنساني سيرةً تستحق الاحتفاء

من الصمود والعطاء إلى منصة الوفاء بالقاهرة..  محاسن الحسين.. حين يصبح العطاء الإنساني سيرةً تستحق الاحتفاء
المنوعات
04 Nov 2026 👁 1
شارك الخبر:

لم تكن الصحفية والإعلامية بوكالة السودان للأنباء «سونا»، محاسن الحسين، تتوقع أن تتحول مناوبتها الصباحية يوم السبت 15 أبريل 2023، من يوم عمل اعتيادي إلى رحلة قاسية للنجاة من نيران الحرب التي اندلعت في الخرطوم، وأن تصبح تفاصيل تلك التجربة، بما حملته من خوف وصمود ومواقف إنسانية، جزءاً من سيرة مهنية واجتماعية تستحق الاحتفاء والتقدير.

وبعد أكثر من ثلاث سنوات على تلك الصبيحة الاستثنائية، وجدت حكاية محاسن وتضحياتها صدىً طيباً في العاصمة المصرية القاهرة، حيث احتفى بها الوسط الصحفي والإعلامي في أمسية امتزجت فيها مشاعر المحبة والوفاء، وجاءت تكريماً لمسيرتها المهنية وإسهاماتها في خدمة الصحافة السودانية، وعطائها الإنساني والاجتماعي، ولا سيما جهودها في دعم الصحفيين والإعلاميين والوقوف إلى جانبهم في مختلف الظروف.

من مناوبة صباحية إلى رحلة نجاة

تعود تفاصيل الحكاية إلى صباح اليوم الأول للحرب، حين توجهت محاسن كعادتها إلى مقر وكالة السودان للأنباء لتسلم ورديتها الصباحية. وما إن جلست أمام جهاز الكمبيوتر حتى تلقت اتصالاً عاجلاً من مديرة الوكالة آنذاك، الدكتورة فكرية أبازيد، تحذرها فيه من وقوع ضربة في منطقة المدينة الرياضية، وتستفسر عن عدد الزميلات الموجودات في الوردية. وحين علمت بوجود سبع صحفيات، طلبت منهن المغادرة فوراً حفاظاً على سلامتهن.

لكن مغادرة مقر الوكالة لم تكن بالأمر اليسير؛ إذ حالت خطورة الأوضاع الميدانية دون السماح لهن بالخروج، بعدما رفض رئيس السائقين، رحمه الله، المجازفة بإخراجهن في ظل تصاعد المخاطر. ومع إطلالة الوكالة على شارعي الجمهورية والجامعة، فوجئت الصحفيات بوجود عناصر مسلحة من قوات الدعم السريع في الجهة المقابلة، الأمر الذي دفعهن إلى العودة والاحتماء بالمسجد النسائي داخل مقر الوكالة، باعتباره مكاناً أكثر أمناً.

وفي خضم تلك الظروف، حضرت مبكراً إحدى السيدات المكلفات بإعداد إفطار رمضان للوردية الثانية، فتولت تجهيز الطعام اعتماداً على ما توفر في ثلاجات الوكالة، لتتقاسم الصحفيات ما تيسر من وجبات، وتبدأ معاً أياماً من الحصار والخوف، كانت تتخللها أصوات الرصاص والاشتباكات، وتضطرهن أحياناً إلى النزول نحو بدروم الوكالة بحثاً عن مكان يحميهن من نيران المعارك.

ومع دخول اليوم الرابع للحرب، صدرت توجيهات للجميع بالبحث عن أماكن قريبة وأكثر أمناً. عندها قررت محاسن، برفقة إحدى زميلاتها، التوجه إلى حي نمرة (3)، والاحتماء بمنزل زميلتهما الصحفية آمنة السيدح. وهناك أمضتا ليلتهما الأولى وسط أجواء مشحونة بالخوف، بعدما نصحتهما الأسرة بالنوم أسفل الأسرة تفادياً للرصاص العشوائي الذي كانت أصواته تتردد بالقرب من المنزل.

وتستعيد محاسن تلك اللحظات بشيء من الابتسام الممزوج بمرارة الذكرى، قائلة إنها وجدت نفسها في منتصف الليل أسفل السرير بصورة تلقائية، من شدة الأصوات المرعبة التي كانت تحيط بالمكان.

وفي صباح اليوم التالي، وحرصاً على عدم إحراج الأسرة أو تعريضها لمخاطر إضافية، غادرت محاسن وزميلاتها المنزل بهدوء، واتجهن نحو حديقة القرشي، حيث صادفهن سائق حافلة أخبرهن بأنه متوجه إلى الميناء البري. ومن هناك، كانت أصوات أصحاب الحافلات تتعالى معلنة عن وجهات مختلفة، بينها القضارف وكسلا ومدني، في مشهد يعكس حجم حركة النزوح والبحث عن ملاذ آمن.

استقللن حافلة أخرى باتجاه السوق المركزي، قبل أن يضطررن إلى مواصلة جزء من الطريق سيراً على الأقدام، بعدما توقفت الحافلة بعيداً عن وجهتهن. ومررن أسفل كبري المركزي بمحاذاة عناصر مسلحة، دون أن يعترض أحد طريقهن.

ولم تنتهِ الرحلة عند ذلك الحد؛ إذ تواصل التنقل عبر حافلات ومركبات متتابعة، من شرق الكبرى إلى سوبا شرق، ثم حلة كوكو، وصولاً إلى محطة (13)، حيث استقلت محاسن مركبة أخيرة برفقة شخصين آخرين. وعلى امتداد شارع الدائري، أوقفهم مسلحون مرتين لإجراء التفتيش، قبل أن تتمكن أخيراً من الوصول بسلام إلى منزلها بحي النصر في شرق النيل، بعد رحلة مثقلة بالخوف والترقب والمخاطر.

وتؤكد محاسن أن ما بقي عالقاً في ذاكرتها من تلك الأيام لا يقتصر على مشاهد الرصاص والخوف، وإنما يشمل أيضاً المواقف الإنسانية التي أحاطت بها، والاتصالات المتواصلة من أهلها للاطمئنان عليها، إلى جانب المتابعة المستمرة من الدكتورة فكرية أبازيد، التي ظلت تسأل عن سلامة الصحفيات وتتابع أوضاعهن لحظة بلحظة. وهي تفاصيل تكشف أن التضامن الإنساني كان أحد أهم مصادر القوة في مواجهة محنة الحرب.

القاهرة تحتفي بمسيرة العطاء

وفي امتداد لتلك السيرة المهنية والإنسانية، احتضنت منطقة السيدة زينب بالعاصمة المصرية القاهرة أمسية تكريم محاسن الحسين، بمبادرة من عدد من المبادرات الصحفية والقامات الإعلامية، وبمشاركة عدد من الجهات الراعية، إلى جانب سفارة السودان بالقاهرة، وسط حضور نوعي من الصحفيين والإعلاميين والشخصيات الثقافية والمجتمعية.

وأكد المستشار الثقافي بسفارة السودان بالقاهرة، الدكتور عاصم أحمد حسن، أن الإعلام اضطلع بدور محوري خلال معركة الكرامة، من خلال توثيق مجريات الحرب ونقل الحقائق، مشيراً إلى أهمية الاستفادة من التجربة الإعلامية التي صاحبت هذه المرحلة.

وأشاد بدور الصحافة والإعلام في مساندة القوات المسلحة، مؤكداً أن محاسن الحسين تستحق هذا التكريم تقديراً لإسهاماتها الكبيرة في الوسط الإعلامي، كما نقل تحيات السفير عمر الفاروق، القائم بأعمال السفارة، للمحتفى بها والمشاركين في الاحتفال.

من جانبه، استعرض الأستاذ مصطفى أبو العزائم جوانب من تجربة محاسن الحسين في العمل النقابي والاجتماعي، مشيراً إلى إسهاماتها عبر اتحاد الصحفيين والأمانة الاجتماعية في المساهمة في تمليك الصحفيين المنازل والسيارات، فضلاً عن جهودها المتواصلة في مساندة الزملاء والوقوف إلى جانبهم في ظروفهم المختلفة. وأكد أن عطاءها لم يقتصر على العمل الصحفي، بل امتد إلى الاهتمام بأحوال الصحفيين واحتياجاتهم الاجتماعية والمعيشية، بما يعزز روح الزمالة والتكافل داخل الوسط الإعلامي.

وثمّن الصحفي فتح الرحمن النحاس الدور الذي ظلت تضطلع به محاسن في خدمة الوسط الصحفي وقضاياه، فيما أشاد الصحفي عبود عبد الرحيم بجهودها خلال إحدى دورات اتحاد الصحفيين، وما قدمته من دعم ومساندة للصحفيين السودانيين المقيمين بالقاهرة، في ظل الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب وتداعياتها على أوضاع الإعلاميين وأسرهم.

بدوره، وصف رئيس رابطة الصحافة الإلكترونية، السر القصاص، محاسن الحسين بأنها قامة وطنية وصحفية تستحق الاحتفاء والتقدير، مشيداً بإسهاماتها المهنية والاجتماعية، كما تناول التطورات المتسارعة التي يشهدها الإعلام الإلكتروني، وأهمية مواكبة التقنيات الحديثة والتحولات الرقمية التي باتت تعيد تشكيل صناعة الإعلام ووسائل انتشاره وتأثيره.

وشهدت الأمسية مشاركة عدد من الرموز الإعلامية والثقافية، من بينهم عادل سيد أحمد، ومحمد عبد القادر، وعبد الملك النعيم، وعاصم البلال، وعادل عوض، إلى جانب حضور مميز للإعلاميات والصحفيات، في أجواء عكست روح التضامن والتقدير بين أبناء الوسط الإعلامي السوداني بالقاهرة.

التكريم.. وفاء يتجاوز حدود المهنة

لم يكن الاحتفال مجرد مناسبة لتكريم صحفية تقديراً لمسيرتها المهنية، وإنما حمل دلالات إنسانية واجتماعية أوسع، باستحضاره تجربة امرأة عاشت محنة الحرب، وخاضت رحلة شاقة بحثاً عن الأمان، وظلت في الوقت ذاته جزءاً من نسيج مهني واجتماعي يقوم على مساندة الزملاء والاهتمام بقضاياهم.

وفي وقت فرّقت فيه الحرب بين الصحفيين السودانيين، ودفعت كثيرين منهم إلى مغادرة مؤسساتهم ومدنهم وبلادهم، جاءت المبادرة لتؤكد أن روابط المهنة والزمالة قادرة على تجاوز المسافات، وأن الوفاء لأصحاب العطاء لا تحده الجغرافيا ولا تطويه سنوات الغياب.

وهكذا، لم يكن تكريم محاسن الحسين احتفاءً بسنوات من العمل الصحفي فحسب، بل اعترافاً بقيمة العطاء الإنساني، وثقافة رد الجميل، وتقديراً لمواقف تظل حاضرة في ذاكرة أصحابها. فبعض السير لا تكتبها المناصب أو الألقاب وحدها، وإنما تصنعها المواقف حين تشتد المحن، وتصبح مساندة الآخرين عنواناً أصيلاً للإنسانية.