صدى الحقيقة

الخرطوم في الأمم المتحدة.. الدبلوماسية السودانية تتحرك في نيويورك وترسم ملامح سودان الغد

الخرطوم في الأمم المتحدة.. الدبلوماسية السودانية تتحرك في نيويورك وترسم ملامح سودان الغد
تقارير
22 Sep 2026 👁 145
صدى الحقيقة - تقرير خاص
صدى الحقيقة - تقرير خاص
شارك الخبر:

بين التعافي وإعادة الإعمار، والملف الإنساني، وما ينتظر السودان من استحقاقات سياسية داخل مجلس الأمن، تبدو نيويورك هذه الأيام مسرحاً لحركة دبلوماسية سودانية مكثفة، يقودها وزير الخارجية والتعاون الدولي السفير محيي الدين سالم، في وقت تتجه فيه أنظار العالم إلى مقر الأمم المتحدة مع انطلاق أعمال المناقشة العامة للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة.

ولا تبدو لقاءات الوفد السوداني مجرد نشاط بروتوكولي يسبق المنبر الأممي، بل تحركات تحمل إلى الطاولة الدولية ملفات السودان كما تريد الخرطوم أن تُطرح: بلد خرج من الحرب وهو يتهيأ للتعافي، ونازحون يعودون إلى مناطقهم، واحتياجات إنسانية متزايدة، ودولة تسعى في الوقت ذاته إلى إعادة بناء مؤسساتها وخدماتها واقتصادها.

في هذا السياق، جاء لقاء وزير الخارجية مع المدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع UNOPS، ليضع ملف التعافي وإعادة الإعمار في قلب المحادثات. فقد عرض الوزير جهود الحكومة لتهيئة البيئة الأساسية أمام موجات العودة الطوعية، محدداً قطاعات ترى الخرطوم أن بإمكان المكتب الأممي أن يضطلع فيها بدور أكبر، وفي مقدمتها الصحة والزراعة ومشروعات العودة الطوعية والحلول المستدامة للنازحين.

ولم يتوقف الطرح عند الخدمات الإنسانية المباشرة، إذ امتد إلى التمكين الاقتصادي للنساء، والاستفادة من الخبرات الهندسية للمكتب في تسريع التعافي الصناعي، ودعم برامج الإسكان الإنتاجي؛ بما يعكس محاولة لنقل النقاش حول السودان من دائرة الاستجابة للأزمة إلى دائرة بناء مقومات الحياة بعد الحرب.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل تنامي حركة العودة إلى مناطق متضررة من الحرب، وما تفرضه من احتياجات تتجاوز مجرد توفير المساعدات العاجلة إلى إعادة تشغيل الخدمات والبنية الأساسية. وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى وجود ملايين العائدين والنازحين داخل السودان، فيما تواجه مناطق العودة تحديات مرتبطة بالبنية التحتية والمخاطر المتفجرة وغيرها.

ومن الجانب الآخر، أكد المدير التنفيذي لـUNOPS أن المكتب يعمل بالفعل مع السلطات الوطنية في مشروعات استراتيجية بعدد من الولايات الآمنة، مستفيداً من قدرات الكوادر الوطنية والقطاع الخاص، كما أبدى حرصه على إبقاء السودان حاضراً في اتصالاته مع الشركاء والدول المانحة. وانتهى اللقاء بدعوة لزيارة السودان، بما يفتح الباب أمام انتقال النقاش من نيويورك إلى الداخل، ومن الوعود العامة إلى مشروعات محددة.

من إعادة الإعمار إلى المعركة الإنسانية

وعلى مسار آخر، ترأس وزير الخارجية وفد السودان في جلسة الحوار التفاعلي مع كبار شركاء الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، بمشاركة حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، وحضور مسؤولين أمميين بارزين، بينهم وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ توم فليتشر، والأمين العام للمنظمة الدولية للهجرة إيمي بوب، والمديرة التنفيذية لليونيسف كاثرين راسل، والمدير التنفيذي بالإنابة لبرنامج الأغذية العالمي كارل سكاو.

وهنا دخل الوفد السوداني إلى واحدة من أكثر ساحات الملف حساسية: الأوضاع الإنسانية والميدانية في دارفور وكردفان، ووصول المساعدات، وحركة الإمدادات، والعودة الطوعية، وحدود التعامل الدولي مع أطراف الحرب.

وطرح الجانب السوداني رؤيته للحوار السوداني–السوداني والتدابير الرامية إلى ضمان مشاركة مختلف الأطراف، بالتزامن مع التشديد على استخدام معبر الطينة ممراً آمناً لإيصال المساعدات الإنسانية، والتحفظ على أي انخراط علني مع المليشيا يمكن أن يُفهم منه اعتراف بكيانات موازية أو يضعف التنسيق مع السلطات الوطنية.

في المقابل، أكد الشركاء الأمميون استمرار جهودهم الإنسانية، والحاجة إلى تسهيل الوصول وحركة الإمدادات وتوسيع خدمات الطيران الإنساني، إلى جانب دعم الإنتاج الغذائي وتعزيز قدرة المجتمعات على الصمود.

وبين الموقفين، بدا أن النقاش يحاول رسم خط فاصل بين الضرورة الإنسانية من جهة، والحسابات السياسية من جهة أخرى؛ إذ أوضح المسؤولون الأمميون أن التواصل مع الأطراف الموجودة على الأرض هدفه ضمان وصول المساعدات بحياد، ولا يحمل دلالة على الاعتراف السياسي.

وهكذا لم يكن الحوار الإنساني منفصلاً عن المعركة الدبلوماسية الأوسع، بل بدا جزءاً منها؛ فالسودان يسعى إلى ضمان تدفق المساعدات إلى المتضررين، وفي الوقت نفسه إلى تثبيت رؤيته بشأن الجهة التي ينبغي أن يتم عبرها التنسيق الرسمي مع الدولة.

عين على مجلس الأمن

صورة داخل التقرير

وفي مسار ثالث، حمل وزير الخارجية الملف السوداني إلى العواصم المؤثرة في مجلس الأمن، من خلال لقائه وزير خارجية البرتغال باولو رانجيل، خصوصاً أن لشبونة تستعد لتولي عضويتها غير الدائمة في مجلس الأمن اعتباراً من يناير المقبل.

وقدّم الوزير لنظيره البرتغالي إحاطة حول تطورات الأوضاع في السودان، فيما اتفق الجانبان على مواصلة التواصل والتنسيق خلال المرحلة المقبلة، مع تأكيد وزير الخارجية البرتغالي أن بلاده ستتبنى موقفاً إيجابياً وبناءً تجاه ملف السودان في مجلس الأمن.

وهنا تتضح زاوية أخرى في الحراك السوداني: فالأمم المتحدة ليست فقط منصة لإيصال الرسالة السودانية، وإنما مساحة لبناء شبكة من المواقف والعلاقات قبل أن تنتقل الملفات إلى مجلس الأمن.

وبين UNOPS وشركاء العمل الإنساني ووزير الخارجية البرتغالي، يتحرك الوفد السوداني على أكثر من طاولة، حاملاً ملفات تبدو مختلفة في ظاهرها، لكنها تلتقي عند سؤال واحد: كيف ينتقل السودان من إدارة آثار الحرب إلى مرحلة التعافي وإعادة البناء، من دون أن يفقد زمام المبادرة في صياغة رؤيته السياسية والإنسانية؟

ومع بدء المناقشة العامة للدورة الحادية والثمانين في نيويورك، تبدو هذه اللقاءات أشبه بمرحلة تمهيدية تسبق صعود السودان إلى المنبر الأممي؛ تُطرق الأبواب قبل أن تُرفع الكلمات، وتُبنى جسور التواصل قبل أن تبدأ الخطب، وتُطرح ملفات السودان في الغرف المغلقة قبل أن تجد طريقها إلى القاعة الكبرى.

ففي نيويورك، لا تتحرك الدبلوماسية السودانية في اتجاه واحد؛ هناك سودان يبحث عن شركاء لإعادة البناء، وسودان يفاوض حول المساعدات الإنسانية، وسودان يستعد لمرحلة جديدة من الحضور داخل مجلس الأمن. وهي مسارات ثلاثة، يجمع بينها رهان واحد: أن يكون للسودان صوت مسموع في رسم ما بعد الحرب، لا أن يكون مجرد موضوع على أجندة الآخرين