صدى الحقيقة

اتفاق جوبا بعد 6 سنوات.. هل ابتلعته حرب السودان أم ينتظر إعادة صياغته؟!

اتفاق جوبا بعد 6 سنوات.. هل ابتلعته حرب السودان أم ينتظر إعادة صياغته؟!
تقارير
06 Oct 2026 👁 226
صدى الحقيقة - تقرير خاص
صدى الحقيقة - تقرير خاص
شارك الخبر:

بعد ست سنوات على توقيعه، يعود اتفاق جوبا للسلام في السودان إلى واجهة المشهد السياسي، ليس باعتباره اتفاقاً أنهى مرحلة من الحرب فحسب، وإنما باعتباره أحد الملفات التي تواجه اختباراً مصيرياً بفعل الحرب المستمرة منذ أبريل 2023.

فالاتفاق، الذي وُقّع في مدينة جوبا في 3 أكتوبر 2020 بين الحكومة السودانية وعدد من الحركات المسلحة، جاء لمعالجة جذور أزمات سياسية وأمنية واقتصادية ظلت تتراكم لعقود، ووضع ترتيبات تتعلق بتقاسم السلطة والثروة، والعدالة الانتقالية، وعودة النازحين واللاجئين، وقضايا الأراضي، والترتيبات الأمنية ودمج القوات.

لكن الحرب غيّرت البيئة التي وُلد فيها الاتفاق بصورة جذرية، وأعادت توزيع التحالفات بين الأطراف الموقعة، بحيث أصبح السؤال المطروح اليوم: هل يمكن إحياء اتفاق جوبا بصيغته الحالية، أم أن نهاية الحرب ستفرض اتفاقاً جديداً يعيد ترتيب قضايا السلام من أساسها؟

ست سنوات.. واتفاق لم يكتمل

سلام تجاوز مرحلة التوقيع

كان اتفاق جوبا محاولة لبناء إطار أوسع لمعالجة جذور النزاعات السودانية، ولم يقتصر على وقف إطلاق النار أو تقاسم المناصب.

وتضمن الاتفاق بروتوكولات وملحقات واسعة تناولت قضايا دارفور، والمنطقتين، والشرق، والشمال والوسط، إلى جانب قضايا العدالة والتعويضات وعودة النازحين واللاجئين والتنمية والترتيبات الأمنية.

غير أن التنفيذ ظل متفاوتاً، قبل أن تؤدي التحولات السياسية التي أعقبت قرارات أكتوبر 2021 التصحيحية، ثم اندلاع الحرب في 2023، إلى إضعاف البيئة السياسية والمؤسسية التي كان يفترض أن تستكمل فيها بنود الاتفاق.

وتشير تقديرات حديثة نقلتها الجزيرة عن أطراف موقعة إلى تباين كبير في تقييم ما تحقق؛ إذ قدّر المتحدث باسم حركة العدل والمساواة محمد زكريا التنفيذ بما لا يتجاوز 15%، بينما قال رئيس مسار الوسط التوم هجو إن الاتفاق حقق نسبة كبيرة من أهدافه قبل اندلاع الحرب.

الحرب غيّرت أطراف الاتفاق

من شركاء في السلام إلى أطراف في الحرب

أحد أبرز التحولات التي ضربت اتفاق جوبا تمثل في انتقال عدد من الحركات الموقعة عليه من موقع الشريك السياسي في عملية السلام إلى موقع عسكري داخل الحرب الحالية.

فبعد اندلاع القتال بين الجيش السوداني ومليشيا الدعم السريع المتمردة، اختارت حركات رئيسية موقعة على اتفاق جوبا الاصطفاف إلى جانب الجيش، بينما انضمت حركات أخرى إلى الطرف الآخر، في حين تمسكت بعض الفصائل بمواقف أكثر تحفظاً.

وهكذا لم يعد المشهد الذي أنتج اتفاق جوبا عام 2020 قائماً بالشكل نفسه في عام 2026.

وتشير تحليلات متخصصة إلى أن الحرب أدت إلى تفكك البنية التي كان الاتفاق يقوم عليها، كما أن الترتيبات الأمنية الخاصة بدمج القوات لم تُنفذ بالشكل الذي كان مقرراً، قبل أن تعود الحركات المسلحة إلى النشاط العسكري بعد اندلاع الحرب.

الترتيبات الأمنية.. العقدة الأكبر

صورة داخل التقرير

كان دمج قوات الحركات المسلحة داخل المؤسسات النظامية أحد أهم بنود الاتفاق، باعتباره مدخلاً لإنهاء ظاهرة الجيوش والحركات المسلحة المتعددة.

لكن الحرب أعادت إنتاج المشكلة بصورة أكثر تعقيداً.

فبدلاً من أن تتجه القوات نحو الدمج والتسريح، وجد كثير من المقاتلين أنفسهم في ساحة حرب جديدة، بينما تحولت بعض الحركات إلى قوى عسكرية فاعلة على الأرض.

وفي مايو 2026، أفادت تقارير بأن القوات المسلحة السودانية بدأت التحرك في ملف دمج القوات التي قاتلت إلى جانبها، فيما سعت حركات موقعة على اتفاق جوبا، بينها حركة العدل والمساواة وحركة تحرير السودان، إلى الحصول على ضمانات سياسية قبل المضي في ترتيبات الدمج.

هل انتهى اتفاق جوبا؟

بين الإلغاء وإعادة الهيكلة

السؤال لا يبدو محسومًا باتجاه واحد.

فداخل السودان توجد رؤى مختلفة بشأن مستقبل الاتفاق؛ بعضها يرى أن الحرب والتغيرات السياسية والعسكرية جعلت الصيغة القديمة غير قادرة على استيعاب الواقع الجديد، بينما تتمسك أطراف أخرى بأن الاتفاق لا يزال يمثل إطاراً قانونياً وسياسياً يمكن البناء عليه.

ويرى خبراء، وفق ما نقلته الجزيرة، أن مرحلة ما بعد الحرب قد تتطلب إعادة هيكلة اتفاق جوبا أو إدماج قضاياه الأساسية داخل عملية تفاوضية وطنية أوسع، بدلاً من التعامل معه بوصفه الوثيقة الوحيدة الحاكمة لمسار السلام.

وهذا الطرح لا يعني بالضرورة إسقاط كل ما جاء في الاتفاق، بل قد يعني الفصل بين القضايا الموضوعية التي تتصل بجذور النزاع، وبين ترتيبات تقاسم السلطة التي ارتبطت بظروف سياسية لم تعد قائمة بالشكل نفسه.

دارفور.. الاختبار الأصعب

الأرض والعدالة والنازحون

تظل قضايا دارفور في قلب اتفاق جوبا، خصوصاً ما يتعلق بالأراضي والحواكير، والتعويضات، والعدالة الانتقالية، وعودة النازحين واللاجئين، والتنمية وتقاسم السلطة والثروة.

وهذه القضايا لم تفقد أهميتها بسبب الحرب، بل ربما أصبحت أكثر إلحاحاً.

فالحرب الحالية أدت إلى موجات جديدة من النزوح والدمار، وأعادت إنتاج مشكلات أمنية واجتماعية كان اتفاق جوبا يسعى إلى معالجتها.

ولهذا فإن أي تسوية مستقبلية للحرب ستجد نفسها أمام قضايا شبيهة بتلك التي تناولها اتفاق جوبا، حتى إذا تغيرت أسماء الأطراف أو شكل الاتفاق.

السلام لا يساوي تقاسم المناصب

أحد أبرز النقاشات التي رافقت تقييم الاتفاق خلال السنوات الست الماضية يتعلق بالفارق بين السلام بوصفه معالجة لجذور النزاع، والسلام بوصفه ترتيبات لتقاسم السلطة.

فالوثيقة تضمنت ترتيبات واسعة للمشاركة السياسية، بما فيها نسب محددة من المناصب والتمثيل للحركات الموقعة.

لكن منتقدين للاتفاق يرون أن استمرار التركيز على المحاصصة السياسية قد يحول اتفاق السلام إلى آلية لإعادة توزيع السلطة بين النخب، بدلاً من معالجة القضايا التي دفعت المجتمعات إلى التمرد والحرب.

وفي المقابل، ترى أطراف موقعة أن المشاركة السياسية كانت جزءاً من معالجة الاختلال التاريخي في تمثيل الأقاليم والحركات المسلحة داخل مؤسسات الدولة.

الحرب.. هل ألغت الاتفاق أم كشفت نقاط ضعفه؟

صورة داخل التقرير

اتفاق ولد في ظرف مختلف

يصعب تقييم اتفاق جوبا اليوم بمعزل عن الظروف التي وقع فيها.

فالاتفاق أُبرم في مرحلة انتقالية كان السودان خلالها يحاول الانتقال من نظام البشير إلى نظام سياسي جديد، وكانت الحركات المسلحة تسعى إلى الانتقال من ساحات القتال إلى المشاركة السياسية.

أما اليوم، فقد تغيرت الخارطة السياسية والعسكرية بصورة كبيرة.

ولهذا فإن السؤال الأكثر دقة ربما ليس: هل انتهى اتفاق جوبا؟ وإنما: أي جزء من اتفاق جوبا يمكن أن يبقى صالحاً بعد الحرب؟

فالقضايا المتعلقة بالأرض والعدالة والتعويضات وعودة النازحين والتنمية وتقاسم الموارد تظل مرتبطة بجذور الأزمة السودانية، بينما قد تحتاج ترتيبات السلطة والتمثيل والترتيبات الأمنية إلى مراجعة في ضوء الواقع الجديد.

ما بعد الحرب.. جوبا كمرجعية أم وثيقة حاكمة؟

نحو عملية سلام جديدة

من بين السيناريوهات المطروحة أن يتحول اتفاق جوبا بعد الحرب من اتفاق حاكم إلى مرجعية فنية وسياسية تستفيد منها عملية سلام سودانية جديدة.

وبحسب خبراء نقلت عنهم الجزيرة، يمكن الاحتفاظ بالقضايا الموضوعية التي تناولها الاتفاق وإعادة إدراجها ضمن عملية تفاوض وطنية أوسع، مع تجاوز الصيغة القديمة لتوزيع السلطة.

وهذا السيناريو قد يسمح بإعادة طرح قضايا المناطق المهمشة والعدالة والتنمية وحقوق المجتمعات المحلية، من دون أن تكون ترتيبات تقاسم المناصب التي صيغت في 2020 قيداً دائماً على أي تسوية مستقبلية.

اتفاق جديد أم جوبا المعدل؟

المعضلة الأساسية ستكون في تحديد نقطة البداية.

فإلغاء اتفاق جوبا بالكامل يعني عملياً إعادة فتح ملفات عديدة جرى التفاوض عليها لسنوات، بينما الإبقاء عليه كما هو قد يصطدم بتغيرات عميقة أحدثتها الحرب.

لذلك قد يكون الخيار الأكثر تعقيداً هو إعادة التفاوض حول الاتفاق نفسه، أو إدخال تعديلات واسعة عليه ضمن مؤتمر أو حوار سوداني شامل.

وهنا سيكون السؤال: من يملك حق التعديل؟ ومن يمثل المناطق التي تغيرت أوضاعها خلال سنوات الحرب؟ وكيف يمكن ضمان ألا تتحول عملية السلام الجديدة إلى محاصصة بين القوى المسلحة؟

ست سنوات من جوبا.. ماذا بقي؟

صورة داخل التقرير

القضايا لم تمت

رغم تعثر التنفيذ، لم تختفِ القضايا التي حاول الاتفاق معالجتها.

فالعدالة الانتقالية، وتعويض المتضررين، وعودة النازحين واللاجئين، وإصلاح مؤسسات الدولة، ومعالجة قضية الأرض، والتنمية المتوازنة، والترتيبات الأمنية، كلها ستظل حاضرة في أي مشروع لإنهاء الحرب وبناء السلام.

ومن هذه الزاوية، قد يكون من الصعب القول إن اتفاق جوبا انتهى بالكامل.

الأقرب أن الحرب أنهت السياق السياسي الذي ولد فيه الاتفاق، لكنها لم تُنهِ القضايا التي جاء لمعالجتها.

الخلاصة

بعد ست سنوات من توقيعه، يقف اتفاق جوبا أمام مفترق طرق.

فالحرب السودانية لم تكتفِ بتعطيل تنفيذ عدد من بنوده، وإنما أعادت تشكيل تحالفات الأطراف الموقعة عليه، وأدخلت بعضها في الحرب، وأضعفت مؤسسات الانتقال التي كان يفترض أن ترعى تنفيذ الاتفاق.

ومع ذلك، فإن إسقاط الاتفاق بالكامل قد لا يكون كافياً لإغلاق ملف السلام، لأن القضايا التي حملها الاتفاق لا تزال جزءاً من جذور الأزمة السودانية.

لذلك، فإن مصير جوبا قد لا يكون بين خيارَي البقاء أو السقوط فقط، وإنما أمام احتمال ثالث: أن يتحول إلى أساس يجري تطويره داخل تسوية سودانية أشمل بعد الحرب.

ويبقى التحدي الأكبر أمام أي عملية سلام مقبلة هو ألا تتحول تجربة جوبا مرة أخرى إلى مجرد توزيع للمناصب بين القوى السياسية والمسلحة، بل أن تتجه إلى معالجة جذور النزاعات، وبناء مؤسسات دولة قادرة على احتكار السلاح، وتحقيق العدالة، وإعادة النازحين واللاجئين، وتأسيس نظام سياسي يعالج اختلالات المركز والأقاليم.

بعد ست سنوات، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: هل انتهى اتفاق جوبا؟ بل: هل يستطيع السودان أن يتعلم من تجربته قبل أن يكتب اتفاق السلام القادم؟