صدى الحقيقة

من «سبتة» إلى غزة.. حين تتحول ملاعب كرة القدم إلى ساحة للصراع السياسي وحرية اللاعبين تحت الضغط

من «سبتة» إلى غزة.. حين تتحول ملاعب كرة القدم إلى ساحة للصراع السياسي وحرية اللاعبين تحت الضغط
تقارير
17 Sep 2026 👁 42
صدى الحقيقة - تقرير خاص
شارك الخبر:

ثلاثي ريال مدريد يثير الجدل بإخفاء رسالة التضامن مع سبتة.. وبرشلونة يختار الابتعاد عن المبادرة.. فهل أصبحت مواقف اللاعبين الإنسانية خاضعة لحسابات السياسة؟

لم تعد ملاعب كرة القدم الأوروبية مجرد مساحات للتنافس الرياضي وحصد البطولات، بل أصبحت، في مناسبات عديدة، مسرحاً تتقاطع فيه الرياضة مع السياسة وحقوق الإنسان والقضايا الإنسانية.

ومع تصاعد الجدل حول مبادرة التضامن مع مدينة سبتة، وما رافقها من مواقف متباينة للاعبي ريال مدريد وقرار نادي برشلونة عدم المشاركة فيها، عاد سؤال قديم إلى الواجهة: هل يملك لاعبو كرة القدم حق اختيار القضايا التي يتضامنون معها، أم أن شهرتهم وارتباطهم بالأندية الكبرى يفرضان عليهم مواقف محددة؟

ولم يتوقف الجدل الأخير عند حدود قميص ارتداه لاعب أو مبادرة اختار نادٍ المشاركة فيها، بل امتد إلى نقاش أوسع بشأن حدود حرية التعبير داخل المؤسسات الرياضية، ومدى مشروعية مطالبة اللاعبين بإظهار مواقف تضامنية تحمل أبعاداً سياسية أو رمزية.

قميص «سبتة».. مبادرة تضامنية تفتح أبواب الجدل

قبل انطلاق مباراة ريال مدريد ومضيفه إلتشي، الثلاثاء 15 سبتمبر 2026، ظهر لاعبو الفريقين وهم يرتدون قمصاناً بيضاء تحمل عبارة «Todos somos caballas»، التي تعني «كلنا من سبتة»، في إطار مبادرة للتضامن مع سكان المدينة الواقعة في شمال أفريقيا.

خلفية المبادرة

جاءت المبادرة في ظل أزمة هجرة وتوترات اجتماعية وسياسية مرتبطة بسبتة، التي تخضع للإدارة الإسبانية، وتُعد من أكثر الملفات حساسية في العلاقات الإسبانية المغربية.

وبحسب تقارير صحفية، جاءت المبادرة بمبادرة من جمعية رجال الأعمال في فالنسيا، وجرى دعمها من جانب إلتشي وريال مدريد.

موقف ثلاثي ريال مدريد

لكن المشهد لم يمر بهدوء؛ إذ أثار تصرف ثلاثة من لاعبي ريال مدريد، هم كيليان مبابي وفينيسيوس جونيور وإبراهيما كوناتي، جدلاً واسعاً بعدما ظهروا وهم يخفون جزءاً من العبارة المكتوبة على القمصان، فيما خلع مبابي وفينيسيوس القميصين قبل مراسم المصافحة.

وأثار هذا التصرف انتقادات في بعض وسائل الإعلام الإسبانية، في حين رأى آخرون أن ارتداء القميص أو عدم إظهار رسالته كاملة يدخل ضمن الحرية الشخصية للاعبين.

ريال مدريد.. حرية الاختيار في مواجهة الالتزام الجماعي

في خضم الجدل، أشارت تقارير صحفية إلى أن إدارة ريال مدريد تركت للاعبيها حرية اتخاذ القرار بشأن ارتداء القميص، مع تأييدها للمبادرة التي أطلقها نادي إلتشي.

أين تبدأ حرية اللاعب؟

ويطرح هذا الموقف إشكالية تتجاوز تفاصيل الواقعة نفسها: إلى أي مدى ينبغي أن تكون المبادرات التضامنية داخل الملاعب اختيارية؟

فمن جهة، قد ترى الأندية أن المشاركة في مبادرات اجتماعية وإنسانية تعكس مسؤوليتها تجاه المجتمعات التي تنشط فيها.

ومن جهة أخرى، قد يرى اللاعب أن ارتداء رمز معين لا يمثل بالضرورة موقفه الشخصي، خصوصاً عندما تكون القضية مرتبطة بنزاع سياسي أو خلافات تاريخية بين دول ومجتمعات.

وفي هذه الحالة، يصبح التمييز بين موقف النادي وخيار اللاعب مسألة أساسية في فهم الجدل.

برشلونة يختار عدم المشاركة.. ويفتح نقاشاً حول تسييس الرياضة

صورة داخل التقرير

على الجانب الآخر، اتخذ نادي برشلونة موقفاً مختلفاً، إذ امتنع لاعبوه عن ارتداء القمصان الخاصة بمبادرة التضامن مع سبتة خلال مباراتيه أمام ليفانتي وراسينغ سانتاندير.

موقف برشلونة

وأوضح رئيس النادي خوان لابورتا أن برشلونة يفضل عدم خلط الرياضة بالسياسة، مؤكداً احترامه للمبادرات المختلفة، مع دعمه حق اللاعبين في التعبير عن مواقفهم الشخصية دون الزج باسم النادي فيها.

ويعكس موقف برشلونة اتجاهاً يرى أن المؤسسات الرياضية مطالبة بالحذر عندما تتعامل مع قضايا ترتبط بالسيادة أو النزاعات السياسية، حتى لو قُدمت المبادرات في إطار اجتماعي أو إنساني.

هل يمكن الفصل بين السياسة والعمل الإنساني؟

غير أن هذا التوجه يثير بدوره تساؤلاً مشروعاً: هل يمكن الفصل دائماً بين العمل الإنساني والسياسة، خصوصاً عندما تتعلق المبادرة بأزمة تمس حياة السكان وحقوقهم؟

فالحد الفاصل بين التضامن الإنساني والموقف السياسي ليس واضحاً في جميع القضايا، وقد يختلف تفسيره باختلاف السياق والجهة التي تطلق المبادرة.

من سبتة إلى غزة.. هل تتساوى القضايا الإنسانية في ميزان التضامن الرياضي؟

يكتسب الجدل حول مبادرة التضامن مع سبتة أهمية خاصة عند مقارنته بمواقف الرياضيين من المأساة الإنسانية في قطاع غزة.

فهنا لا يتعلق الأمر بمجرد أزمة سياسية أو خلاف إقليمي، بل بحرب خلّفت أعداداً هائلة من الضحايا المدنيين، ودمّرت البنية التحتية، وألحقت أضراراً جسيمة بالمنظومة الصحية والتعليمية، ودفعت ملايين الفلسطينيين إلى النزوح والعيش في ظروف إنسانية بالغة القسوة.

غزة.. مأساة موثقة تتجاوز حدود التضامن الرمزي

على مدى سنوات الحرب، وثّقت وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية الدولية حجم الكارثة التي يعيشها سكان قطاع غزة، بما في ذلك الخسائر البشرية بين المدنيين، واستهداف المنشآت الحيوية وتضررها، والانهيار الواسع في الخدمات الصحية، ونقص الأدوية والوقود والمستلزمات الطبية.

وفي تقرير نشرته وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» في أغسطس 2026، أكدت أن النظام الصحي في غزة تعرض لانهيار واسع، وأن أي منشأة صحية في القطاع لم تستعد كامل قدرتها التشغيلية، رغم سريان وقف إطلاق النار، مع استمرار النقص الحاد في الكوادر الطبية والأدوية والوقود والمستلزمات الأساسية.

كما أشارت تقارير الأمم المتحدة إلى أن النساء والأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة يواجهون مخاطر أكبر نتيجة النزوح المتكرر، وتدهور الخدمات الأساسية، وصعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية.

ولم تكن المؤسسات التابعة للأمم المتحدة بمنأى عن آثار الحرب؛ فقد وثّقت الأونروا مئات الحوادث التي طالت منشآتها في غزة منذ اندلاع الحرب، بما في ذلك منشآت كانت تُستخدم لإيواء النازحين وتقديم الخدمات الإنسانية.

لماذا يبدو التضامن مع غزة أكثر حساسية؟

إن المقارنة بين مبادرة التضامن مع سبتة والمواقف المتعلقة بغزة لا ينبغي أن تقتصر على طبيعة الشعارات التي تُرفع في الملاعب، بل يجب أن تأخذ في الاعتبار حجم المأساة الإنسانية، وطبيعة الأحداث، ومدى توثيق الانتهاكات والمعاناة التي يتعرض لها المدنيون.

ففي الوقت الذي ارتبطت فيه مبادرة سبتة بملف سياسي واجتماعي وإشكالات تتعلق بالهجرة والسيادة، فإن المأساة في غزة تتصل بحرب واسعة النطاق، أوقعت أعداداً كبيرة من الضحايا، وتسببت في تدمير أحياء سكنية ومرافق مدنية، وأثرت في قطاعات الصحة والتعليم والإغاثة.

ومن هذا المنطلق، يرى منتقدون أن التضامن مع غزة لا ينبغي أن يُعامل باعتباره مجرد موقف سياسي قابل للتجاهل، بل باعتباره استجابة إنسانية لمعاناة موثقة من مؤسسات دولية ومنظمات حقوقية وإنسانية.

وفي المقابل، فإن تقييم أي ضغوط تعرض لها لاعب بسبب موقفه من غزة يتطلب تحديد الواقعة والجهة المسؤولة عنها والأدلة المتاحة، بدلاً من افتراض وجود سياسة موحدة لدى جميع الأندية أو الاتحادات الرياضية.

حرية التعبير.. هل تشمل القضايا التي تثير حساسية سياسية؟

تطرح هذه الوقائع سؤالاً جوهرياً حول حدود حرية التعبير داخل كرة القدم: هل ينبغي أن يتمتع اللاعب بالحق نفسه في التعبير عن تضامنه مع المدنيين في غزة، أو رفض المشاركة في مبادرة ذات طابع سياسي، كما هو الحال في أي قضية أخرى؟

بين حرية اللاعب وموقف النادي

إذا كانت الأندية تدعو إلى إبعاد السياسة عن الرياضة، فإن هذا المبدأ يثير بدوره تساؤلات حول مدى اتساق تطبيقه، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقضايا إنسانية تحظى باهتمام دولي واسع.

فالمسألة لا تتعلق بالضرورة بإجبار اللاعبين على تبني موقف سياسي محدد، وإنما بضمان ألا تتحول حرية التعبير عن التعاطف مع الضحايا المدنيين إلى سبب للتمييز أو العقوبة أو الضغط غير المشروع.

بين سبتة وغزة.. أين تقف حرية اللاعب؟

صورة داخل التقرير

كشف المقارنة بين مبادرة التضامن مع سبتة والجدل حول مواقف الرياضيين من غزة عن تعقيدات العلاقة بين الرياضة والقضايا العامة.

وبينما يظل من حق الأندية تحديد المبادرات التي تشارك فيها، فإن احترام حرية اللاعبين في التعبير عن مواقفهم الإنسانية يكتسب أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بمآسٍ موثقة دولياً.

فإذا كانت كرة القدم قادرة على إيصال رسائل التضامن إلى ملايين المشجعين، فإن التحدي الحقيقي يكمن في ضمان ألا تتحول هذه المنصة إلى مساحة لانتقائية التعاطف، أو إلى وسيلة للضغط على اللاعبين بسبب مواقفهم الإنسانية.

أسئلة مفتوحة

وتطرح هذه المقارنة مجموعة من التساؤلات حول مدى اتساق معايير التضامن داخل الملاعب، وحق اللاعبين في المشاركة أو الامتناع عن المبادرات ذات الطابع السياسي، وحدود مسؤولية الأندية في تبني القضايا الإنسانية، فضلاً عن طبيعة الضغوط التي قد يتعرض لها الرياضيون بسبب مواقفهم الشخصية.

ولا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة بإطلاق أحكام عامة، إذ تختلف طبيعة الضغوط والجهات التي تمارسها من حالة إلى أخرى.

مبابي.. توضيح يسلط الضوء على تعقيدات الموقف

في تطور لاحق، أوضح كيليان مبابي موقفه من طريقة تعامله مع القميص، مؤكداً تضامنه مع سكان سبتة والمتضررين من الأزمة، لكنه أشار إلى رغبته في التعبير أيضاً عن تعاطفه مع المهاجرين الذين فقدوا حياتهم أو يعيشون ظروفاً قاسية.

ويكشف هذا التوضيح عن جانب آخر من القضية؛ فالتضامن مع فئة من المتضررين لا يعني بالضرورة تجاهل معاناة فئة أخرى، كما أن رفض إظهار شعار معين لا يثبت وحده موقفاً عدائياً تجاه القضية التي يتناولها.

وتظل قراءة دوافع اللاعبين مسألة منفصلة عن تقييم المبادرة نفسها، ما لم تتوافر تصريحات مباشرة أو أدلة واضحة تفسر مواقفهم.

حين تصبح شهرة اللاعب عبئاً على حريته

يتمتع نجوم كرة القدم بشهرة عالمية تجعل مواقفهم الشخصية محط اهتمام الملايين. وقد تمنحهم هذه الشهرة قدرة استثنائية على تسليط الضوء على القضايا الإنسانية، لكنها قد تجعلهم أيضاً عرضة لحملات انتقاد وضغوط من جماهير وأطراف سياسية وإعلامية.

الزلزولي.. نموذج آخر للجدل

صورة داخل التقرير

وفي واقعة مرتبطة بقميص سبتة، تعرض اللاعب المغربي عبد الصمد الزلزولي لانتقادات واسعة عبر منصات التواصل الاجتماعي بعد ارتدائه القميص خلال مباراة فريقه ريال بيتيس أمام فياريال.

وبحسب ما أوردته تقارير صحفية، أوضح اللاعب أن مشاركته كانت ذات طابع اجتماعي وإنساني، ولا تستهدف الإساءة إلى الشعب المغربي أو التعبير عن موقف سياسي.

وتوضح هذه الواقعة أن اللاعب قد يجد نفسه في مواجهة قراءات سياسية لموقف يراه شخصياً تعبيراً عن التضامن الإنساني.

هل يمكن للرياضة أن تكون محايدة تماماً؟

لطالما ارتبطت الرياضة بالقضايا العامة، من مكافحة العنصرية إلى دعم اللاجئين والتوعية بالأزمات الإنسانية. كما أن الأندية والاتحادات الرياضية اتخذت، في أوقات مختلفة، مواقف بشأن قضايا تتجاوز حدود الملاعب.

لكن الحديث عن «إبعاد السياسة عن الرياضة» يظل معقداً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمبادرات تتبناها المؤسسات الرياضية نفسها.

فارتداء قميص يحمل شعاراً تضامنياً قد يُفهم باعتباره موقفاً إنسانياً، لكنه قد يحمل في الوقت ذاته دلالات سياسية لدى أطراف أخرى.

وفي المقابل، قد يُفسر رفض ارتداء الشعار على أنه موقف سياسي، رغم أن صاحبه قد يكون مدفوعاً باعتبارات شخصية أو مبدئية مختلفة.

لذلك، فإن احترام حرية التعبير لا ينبغي أن يكون مرتبطاً بمضمون الموقف وحده، بل يجب أن يشمل أيضاً حق الفرد في المشاركة أو الامتناع، ما لم توجد التزامات واضحة ومشروعة تحكم ذلك.

قراءة في دلالات الحدث

أعادت واقعة قميص سبتة النقاش حول العلاقة المعقدة بين الرياضة والسياسة إلى الواجهة، بعدما كشفت عن اختلاف واضح في طريقة تعامل الأندية واللاعبين مع المبادرات التضامنية ذات الأبعاد الحساسة.

وبينما اختار ريال مدريد دعم المبادرة مع ترك مساحة من الحرية للاعبيه، فضّل برشلونة عدم الانخراط فيها، في حين وجد بعض اللاعبين أنفسهم وسط عاصفة من الانتقادات بسبب مواقفهم الفردية.

أما المقارنة مع الجدل المتعلق بمواقف الرياضيين من غزة، فتفتح باباً أوسع للنقاش حول اتساق معايير حرية التعبير والتضامن الإنساني، وحق الرياضيين في اتخاذ مواقفهم بعيداً عن الضغوط والاصطفافات السياسية.

وفي النهاية، فإن حماية الرياضة من التوظيف السياسي لا تعني بالضرورة منع الرياضيين من التعبير عن ضمائرهم، كما أن منحهم حرية التعبير لا يعني تجاهل الأبعاد السياسية التي قد تحملها بعض المبادرات.

ويبقى التحدي الحقيقي في إيجاد توازن يحفظ استقلال المؤسسات الرياضية وحقوق اللاعبين، ويضمن ألا تتحول الملاعب إلى مساحة لمعاقبة الأفراد على مواقفهم الإنسانية أو الشخصية.

المصدر: صدى الحقيقة