أخفق مجلس الشيوخ الأمريكي، الثلاثاء، في تمرير تصويت إجرائي يمهّد لمناقشة قانون «كلاريتي» لتنظيم الأصول الرقمية، في انتكاسة تشريعية كبيرة لصناعة العملات المشفرة، وسط مخاوف من استمرار حالة الغموض القانوني التي تحيط بأحد أسرع قطاعات الاقتصاد الرقمي نمواً.
وحصل مشروع القانون على 50 صوتاً مؤيداً مقابل 49 معارضاً، لكنه فشل في بلوغ عتبة الـ60 صوتاً المطلوبة لتجاوز العقبات الإجرائية في مجلس الشيوخ، ما أدى إلى تعطيل تقدمه في الكونغرس، رغم أشهر من المفاوضات بين الجمهوريين والديمقراطيين.
قانون لتنظيم سوق تتجاوز قيمته تريليوني دولار
ويهدف قانون «كلاريتي» إلى وضع أول إطار اتحادي شامل لتنظيم العملات المشفرة والأصول الرقمية في الولايات المتحدة، من خلال تحديد صلاحيات الجهات الرقابية، وعلى رأسها هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية ولجنة تداول العقود الآجلة للسلع.
كما يتضمن المشروع قواعد تتعلق بتسجيل منصات تداول الأصول الرقمية، وحماية المستهلكين، ومكافحة غسل الأموال، وتوضيح طبيعة الأصول التي تخضع لرقابة كل جهة حكومية.
وترى شركات العملات المشفرة أن إقرار القانون كان سيمنح القطاع أساساً قانونياً أكثر وضوحاً، ويشجع المؤسسات المالية والمستثمرين على توسيع حضورهم في سوق تقدر قيمتها بنحو 2.3 تريليون دولار.
خلافات سياسية وأخلاقية تعرقل التصويت
وجاء فشل التصويت في ظل خلافات حادة بشأن القيود الأخلاقية المفروضة على كبار المسؤولين الحكوميين، ولا سيما الرئيس دونالد ترامب وأفراد أسرته، بسبب ارتباطهم بمصالح واستثمارات في قطاع العملات الرقمية.
وأكد أعضاء ديمقراطيون أن الصيغة الأخيرة من القانون لا تفرض قيوداً كافية تمنع المسؤولين من الاستفادة المالية من الأصول الرقمية خلال فترة توليهم مناصبهم، بينما رأى داعمو المشروع من الجمهوريين أن النص تضمن تنازلات مهمة لمعالجة المخاوف المتعلقة بالأخلاقيات وحماية المستثمرين.
ورغم إدخال تعديلات في اللحظات الأخيرة، من بينها توسيع دور المدعين العامين في الولايات في إنفاذ بعض القيود، لم تنجح المفاوضات في توفير الأصوات المطلوبة لتمرير التصويت الإجرائي.
الأسواق تتلقى الصدمة

وانعكس فشل التصويت سريعاً على سوق العملات الرقمية والأسهم المرتبطة بها، إذ تراجع سعر بيتكوين بأكثر من 5% خلال جلسة الثلاثاء، قبل أن يقلص جزءاً من خسائره، بينما هبطت أسهم شركات كبرى في القطاع، من بينها «كوينبيس» و«سيركل»، بنسب قاربت 10% في بعض مراحل التداول.
ويرى محللون أن رد فعل الأسواق يعكس خيبة أمل المستثمرين من تأجيل وضع قواعد واضحة للقطاع، خصوصاً أن شركات العملات الرقمية أنفقت مبالغ كبيرة خلال الأشهر الماضية للضغط من أجل إقرار القانون.
ومع ذلك، يشير محللون آخرون إلى أن تراجع العملات الرقمية لا يرتبط بالتصويت وحده، إذ تتأثر الأسواق أيضاً بتوقعات أسعار الفائدة الأمريكية، وتحركات الدولار، وشهية المستثمرين تجاه الأصول عالية المخاطر.
تداعيات تتجاوز السوق الأمريكية
ولا يقتصر تأثير تعثر القانون على الولايات المتحدة، إذ يمكن أن ينعكس استمرار الغموض التنظيمي على مسار الاستثمارات العالمية في الأصول الرقمية، وعلى خطط البنوك وشركات التكنولوجيا المالية لتطوير خدمات مرتبطة بالعملات المشفرة.
وقد يؤدي تأخر التشريع الأمريكي إلى دفع بعض الشركات والمستثمرين نحو أسواق أخرى توفر أطرًا تنظيمية أكثر وضوحاً، في وقت تتنافس فيه مراكز مالية دولية على استقطاب شركات البلوك تشين ومنصات تداول الأصول الرقمية.
في المقابل، لا يعني فشل التصويت توقف سوق العملات المشفرة أو انهيار القطاع، إذ لا تزال هيئة الأوراق المالية والبورصات ولجنة تداول العقود الآجلة للسلع قادرتين على إصدار توجيهات وتنظيمات ضمن الصلاحيات القائمة، غير أن هذه القواعد قد تظل عرضة للتغيير مع تغير الإدارات السياسية أو خضوعها للطعن أمام القضاء.
هل يعود القانون إلى الواجهة؟
وعلى الرغم من تعثر مشروع القانون، فإن فشله في التصويت الإجرائي لا يعني بالضرورة إسقاطه نهائياً، إذ تظل إمكانية إعادة طرحه أو استئناف المفاوضات قائمة، لا سيما أن السيناتور الجمهوري ثوم تيليس غيّر تصويته إلى الرفض لأسباب إجرائية تتيح إعادة النظر في المشروع لاحقاً.
غير أن ضيق الوقت المتبقي أمام الكونغرس قبل انتخابات التجديد النصفي قد يجعل تمرير القانون خلال الدورة الحالية أكثر تعقيداً، في ظل استمرار الخلافات حول حماية المستهلكين، وتضارب المصالح، وصلاحيات الجهات الرقابية.
قراءة في دلالات الحدث
يكشف تعثر قانون «كلاريتي» عن صعوبة التوصل إلى توافق سياسي حول مستقبل العملات الرقمية في الولايات المتحدة، رغم تنامي أهمية القطاع اقتصادياً واستثمارياً.
وبينما ترى شركات التشفير أن التشريع يمثل خطوة ضرورية لتوفير الاستقرار القانوني وتشجيع الابتكار، يركز معارضوه على ضرورة تشديد الضوابط الأخلاقية والرقابية قبل منح القطاع غطاءً قانونياً واسعاً.
ومن المرجح أن تظل الأسواق الرقمية شديدة الحساسية لأي تطورات تشريعية أو نقدية أمريكية، في وقت لم يعد فيه مستقبل العملات المشفرة شأناً تقنياً محدوداً، بل أصبح جزءاً من النقاش العالمي حول النظام المالي والابتكار والاستثمار.