في وقت يسعى فيه السودان إلى استعادة قدراته الإنتاجية وتعويض آثار الحرب على القطاع الزراعي، حملت زيارة وزير الزراعة والري، بروفيسور عصمت قرشي، إلى ولاية كسلا رسائل تتجاوز متابعة الموسم الزراعي الحالي، لتطرح ملامح توجه جديد يقوم على الانتقال من الزراعة التقليدية إلى منظومة متكاملة للإنتاج والتمويل والتصنيع والتسويق، مع حماية الموارد الطبيعية واستعادة الغطاء النباتي.
وخلال الزيارة، أعلن الوزير أن السودان يمتلك من الموارد والإمكانات ما يؤهله لتحقيق الأمن الغذائي، مؤكداً أن «السودان لن يجوع»، في رسالة تلخص الرهان الحكومي على القطاع الزراعي باعتباره أحد مفاتيح التعافي الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة.
من إنتاج المحصول إلى صناعة القيمة
أبرز ما حملته زيارة الوزير إلى كسلا كان التأكيد على تغيير طريقة التعامل مع الإنتاج الزراعي، بحيث لا يتوقف الدعم عند توفير التمويل ومدخلات الإنتاج، وإنما يمتد إلى المراحل اللاحقة من دورة الإنتاج.
وأوضح قرشي أن التمويل الزراعي خلال المواسم المقبلة سيتجه بصورة أكبر إلى سلاسل القيمة، بما يشمل الإنتاج وما بعد الحصاد والتخزين والتصنيع والتسويق، بهدف الانتقال من بيع المحاصيل في صورتها الخام إلى إنتاج سلع ذات قيمة مضافة قادرة على المنافسة في الأسواق المحلية والإقليمية والعالمية.
ويعني هذا التوجه، عملياً، إعادة تعريف العلاقة بين المزارع والسوق؛ فالمزارع لن يكون مجرد منتج للمحصول، وإنما جزءاً من منظومة اقتصادية تبدأ من الحقل ولا تنتهي إلا بوصول المنتج إلى المستهلك أو السوق الخارجية.
600 مليار جنيه لتمويل الموسم
وتأتي هذه الرؤية في ظل توسع ملحوظ في التمويل الزراعي؛ إذ كشف وزير الزراعة والري عن ارتفاع تمويل البنك الزراعي للموسم الصيفي من نحو 17 مليار جنيه في الموسم السابق إلى نحو 600 مليار جنيه خلال الموسم الحالي، إلى جانب محفظة تمويلية بمشاركة عدد من البنوك.
وبلغت المساحات المستهدف زراعتها في السودان خلال العام الحالي نحو 31 مليون فدان، بعد دخول ولاية شمال كردفان ضمن الولايات الآمنة، ما يعكس اتساع الرقعة الإنتاجية المستهدفة في البلاد.
ويرى الوزير أن توسيع التمويل ينبغي أن يتزامن مع معالجة الاختناقات التي تواجه المنتجين، وربط المؤسسات الاتحادية والولائية والجهاز المصرفي والمزارعين ضمن شراكة أكثر تكاملاً.
كسلا.. موسم مطمئن وتحديات قائمة
في كسلا، تبدو المؤشرات الزراعية مطمئنة وفق إفادات حكومة الولاية، التي أكدت استعداداتها للموسم الزراعي 2026–2027.
وأوضح مدير عام وزارة الإنتاج والموارد الاقتصادية بالولاية، المهندس خضر رمضان، أن الاستعدادات شملت تأهيل كسورات نهر القاش، وأعمال الوقاية ومكافحة الآفات، ومتابعة معدلات الأمطار وتوفير مدخلات الإنتاج.
وتتميز كسلا بتنوع أنماط الإنتاج الزراعي، حيث تشمل ستة أنماط زراعية، من بينها إنتاج المحاصيل البستانية كالموز والموالح، وهو ما يمنحها ميزة نسبية في تنويع مصادر الإنتاج والدخل.
لكن هذا التنوع لا يلغي التحديات، وفي مقدمتها الفيضانات المرتبطة بنهر القاش، والحاجة إلى توفير التمويل في التوقيت المناسب. وأكد والي الولاية المكلف اللواء ركن معاش الصادق محمد الأزرق أن نحو 456 ألف مزارع تم تمويلهم تمويلاً كاملاً، مع استمرار الحاجة إلى تطوير البنية الزراعية ومواجهة المخاطر المناخية.
19 بئراً.. واستعداد لمتغيرات المناخ
وفي إطار دعم الإنتاج، أعلن وزير الزراعة والري حفر 19 بئراً بولاية كسلا، مؤكداً أن الولاية موعودة بمزيد من المشروعات الزراعية والتنموية.
كما تطرق إلى ظاهرة «النينيو» والتغيرات المناخية، مشيراً إلى أن السودان تأثر بدرجات أقل مقارنة بعدد من دول الجوار، لكنه شدد على ضرورة الاستعداد المبكر لأي تغيرات محتملة في الأمطار ودرجات الحرارة.
وهنا تبرز أهمية الانتقال من الاستجابة الموسمية إلى التخطيط الزراعي القائم على قراءة المخاطر المناخية، خاصة أن نجاح الموسم الزراعي لم يعد مرتبطاً فقط بتوفر الأرض والمدخلات، وإنما أيضاً بقدرة المؤسسات على التنبؤ بالمخاطر والاستعداد لها.
الإرشاد.. المزارع يتحول إلى «رجل أعمال»
ولم يغفل التوجه الجديد الجانب المعرفي؛ إذ أكد قرشي أهمية دعم الجمعيات المهنية وتفعيل الإرشاد الزراعي ونقل التقانات الحديثة إلى المنتجين.
فالتحول المطلوب، وفق الرؤية المطروحة، لا يتعلق فقط بزيادة المساحات المزروعة، وإنما بتغيير مفهوم المزارع نفسه، بحيث ينتقل من المنتج التقليدي إلى «المزارع المنتج ورجل الأعمال الزراعي» القادر على قراءة احتياجات السوق وإدارة مزرعته وفقاً لها وتحسين جودة المنتج ومواصفاته.
وهذا التحول يضع الإرشاد الزراعي والبحث العلمي والتدريب في قلب عملية الإصلاح الزراعي، إلى جانب التمويل والتقانات.
من الزراعة إلى التصنيع.. المعركة الحقيقية
إذا كان السودان يمتلك مساحات شاسعة وموارد مائية وأراضي زراعية متنوعة، فإن التحدي الأكبر يكمن في تحويل هذه الموارد إلى قيمة اقتصادية حقيقية.
ومن هنا يكتسب تركيز الوزير على التصنيع الزراعي أهمية خاصة؛ فزيادة الإنتاج دون تطوير التخزين والتصنيع والتسويق قد تعني استمرار معاناة المنتج من ضعف العائد وتقلبات الأسعار.
أما تطوير الصناعات التحويلية، فيمكن أن يخلق أسواقاً جديدة للمحاصيل، ويحد من الفاقد، ويوفر فرص عمل، ويرفع القدرة التنافسية للمنتجات السودانية، ويفتح المجال أمام صادرات ذات قيمة مضافة بدلاً من الاقتصار على تصدير المواد الخام.
عيد الشجرة.. الوجه الآخر للسياسة الزراعية
ولم تكن زيارة الوزير إلى كسلا اقتصادية بحتة؛ فقد دشن برفقة والي الولاية وقياداتها الاحتفال بـعيد الشجرة القومي الـ63 تحت شعار «دعوة لغرس الأشجار من أجل السلام والإعمار».
وشهدت مدرسة الأميرية المتوسطة بنات انطلاق برنامج التشجير، حيث غرس الوزير ووالي الولاية عدداً من الأشجار، إيذاناً ببدء برنامج يستهدف 30 مدرسة بمحلية كسلا وتوزيع نحو 10 آلاف شتلة من بينها النيم والدمس والمهوقني والسنط.
ويستهدف البرنامج كذلك توفير شتول لمصدات الرياح والأحزمة الشجرية بالمزارع، إلى جانب تشجير عدد من المؤسسات والمواقع.
الحرب تضيف مهمة جديدة: إعادة بناء الغطاء النباتي
أهمية برنامج التشجير تتجاوز الجانب الاحتفالي، في ظل ما تعرضت له الغابات والأشجار في عدد من الولايات المتأثرة بالحرب من تدمير واعتداءات واستخدام جائر لمصادر الطاقة.
وأكد مدير غابات كسلا، المهندس عباس علي إبراهيم، أن برامج الغابات تركز على الاستزراع والتوعية والحماية، مشيراً إلى استمرار عمليات غرس الأشجار طوال فترة الخريف، مع تطبيق القوانين للحد من التعديات.
وتصبح إعادة تأهيل الغطاء النباتي جزءاً من معادلة التعافي نفسها؛ فحماية التربة والحد من التصحر ومواجهة الرياح وحماية الأراضي الزراعية كلها عناصر ترتبط بصورة مباشرة باستدامة الإنتاج.
الزراعة.. رهان السودان في مرحلة التعافي
تكشف زيارة وزير الزراعة والري إلى كسلا عن ملامح رؤية تتجاوز سؤال: كم فداناً سيزرع السودان؟ إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا سيفعل السودان بما ينتجه؟
فالرهان المطروح يقوم على منظومة تبدأ بالتمويل والمدخلات، مروراً بالإنتاج والإرشاد والري، ثم التخزين والتصنيع والتسويق، وتنتهي بمنتج قادر على المنافسة وتحقيق عائد أفضل للمزارع والاقتصاد الوطني.
وفي الجانب الآخر، تبرز حماية الغابات والتشجير والتكيف مع التغير المناخي كشرط لاستدامة هذه المنظومة.
وبين شعار «السودان لن يجوع» والحديث عن التصنيع والقيمة المضافة، تبدو الرسالة الأوسع أن معركة الأمن الغذائي السوداني لا تتعلق فقط بزيادة الإنتاج، وإنما ببناء اقتصاد زراعي متكامل قادر على تحويل موارد البلاد إلى غذاء ودخل وفرص عمل وصادرات، وعلى جعل الزراعة إحدى قاطرات التعافي وإعادة الإعمار.